الخميس، 2 يناير 2014

الفقه (المحاضرة العشرون )

                       

صلاة الجماعة ::
الصَّلوات الخمس، فمن الواجبات أن تُؤدَّى الصَّلوات الخمس في جماعةٍ، كما هو مذهب بعض أهل العلم -ومنهم الحنابلة- بل يمكن أن يقال بأنَّه مذهب جمهور أهل العلم، وعلى ذلك أدلة، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم﴾ [النساء: 102]، فإذا كان الله -جل وعلا- في حال الخوف يأمر بالجماعة، فكيف في حال الأمن؟!

فمَن لم يرَ وجوبَ الصلاة في المسجد، فلا يعني هذا ألا يشهدها، أو يُقلل من فضلها، فإنَّهم وإن لم يتَّفقوا على وجوبها في المسجد، إلا أنهم اتَّفقوا على كونها أفضل إذا أُدِّيت في المسجد،

أقلها: اثنان، إمامٌ ومأموم
وكلَّما كان العدد أكثر من ذلك فلا شكَّ أنَّه أحب إلى الله -عز وجل

قوله -عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ»،
وهذا الحديث دالٌّ على مسائل متعددة

الأحوال بين الإمام والمأموم،:
الحالة الأولى: المُسابقة.
الحالة الثانية: المُوافقة.
الحالة الثالثة: المُتابعة.
الحالة الرابعة: المُخالفة.

الحالة الأولى: المُسابقة، ويُراد بها: أن يأتي المأمومُ بالفعل قبل إمامه، فتجد أنَّ الإمام إذا أراد أن يركع ركع المأمومُ قبله، أو أراد أن يرفع رفع قبله، أو أراد أن يُسلِّم سلَّم قبله، وهذا لبعض المُستعجلين.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يُحَوِّلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ»، وهذا تحذيرٌ شديدٌ، والحديث متفق عليه، وهو دالٌّ على تحريم المُسابقة.

إذن ما هو المشروع؟
المشروع للمأموم: المتابعة، ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»، فهو السَّابق، والمأموم اللاحق، «وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا»، فلا تُكبِّروا قبله، ولا تُكبِّروا معه، ولا تتأخَّروا كثيرًا عنه، ولذلك قال: «وَإِذَا كَبَّرَ فَـ» والفاء للتَّعقيب المباشر

والحالة الثالثة هي: المُوافقة، وهي أن يأتي بالفعل مع الإمام
وهذا خطأ، فيجب عليك أن تُمكِّن الإمام من أن يشرع في الفعل قبلك، ثم تأتي به أنت بعده

الحالة الرابعة فهي: المخالفة، والمخالفة جاءت أيضًا في بعض ألفاظ الحديث -حديث أبي هريرة: «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»، فالاختلاف من صوره التَّأخر الذي أشرنا إليه

وفي الحديث أيضًا: «وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ»،
وهذا دالٌّ على أنَّ المأموم يُتابع إمامَه في كلِّ حالاته، فلو أنَّ الإمام شرع في الصلاة وهو قاعدٌ، فلم يستطع في ذاك اليوم أن يُصلي قائمًا، فما الذي يُشرَع للمأمومين؟
يُصلُّوا جلوسًا
فالقيام ركن، ومع كونه ركنًا فإنَّ الشرع يؤكد علينا في مسألة متابعة المأموم لإمامه، وألا نختلف عليه.
وهذا - يؤكد تحريم مخالفة المأموم لإمامه، لاسيَّما في المسابقة، أو تغيير هيئة الصلاة

فصلاة الإمام قاعدًا تكون معها صلاة المأمومين قعودًا إذا افتتح الصلاة،
أمَّا إذا كان واقفًا في صلاته ثم قعد أثناءها، فإن الذي يظهر -والله أعلم- وفيه الجمع بين الأدلة: أن يبقى المأمومون واقفين؛ وذلك لما جاء في حديث جابر لما اشتكى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: "فصلينا وراءه وهو قاعدٌ، وأبو بكر يُسمِع الناسَ تكبيرَه، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا".
وفي حديث صلاته في مرض موته -عليه الصلاة والسلام- كان يُصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائم.
فالجمع -كما ذكرتُ لكم- أنَّه في الصورة الأولى كان قد افتتح الصلاة جالسًا، وفي الأخرى كان قد جلس في أثنائها.

مَن الأحق بالإمامة؟

النبي -صلى الله عليه وسلم- حسم هذا الأمر فيما رواه مسلم، في قوله: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا –أو: سِنًّا- وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ»

المراد بالأقرأ هو الأحفظ.

فقوله: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» ظاهرٌ في أنَّ الحافظ لكتاب الله المُتقِن لقراءته مُقدَّمٌ على غيره، ولو كان أفقهَ منه.
وهذا القول هو مذهب الحنابلة، خلافًا للجمهور، حيث يرون تقديم الأفقه على الأقرأ.

إذا كان لا يعرف أن يُصلي، فلو بدا له أو عرض سهوٌ في الصلاة فإنَّه لا يدري ماذا يصنع، فإنَّ هذا لو حفظ القرآن والسنة والألفيات والمنظومات والمتون الفقهيَّة فإنَّها لا تُجدي معه شيئًا.

فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً»، كان حفظهم واحدًا، فكلهم يحفظ القرآن كاملًا، أو كلهم يحفظ نصفه، أو نحو ذلك، فمَن الذي يُقدَّم؟
قال: «فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ»، والمراد بالأعلم بالسنة هنا الأفقه الذي يعرف الحكم بدليلٍ، وفيه إشارة إلى أنَّ الفقه إنما هو معرفة الحقِّ بدليله، إذ معرفة الأحكام من غير دليلٍ أو المتابعة والتقليد من غير معرفةٍ بالنص الشَّرعي ليست من الفقه
قال: «فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً»؛ ولذلك لأنَّهم في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يُهاجرون مُتتابعين، ومَن هاجر أولًا فإنه عادةً يكون أكثر علمًا ومعرفةً بالأحكام،

فإذا استويا في القراءة والفقه والهجرة، أو لم تكن تُسمَّى هجرة كما عندنا الآن، فإنه يُرجَّح إمَّا بتقدم الإسلام، أو بكبر السن.

وينبغي فيما يتعلق بالإمامة:
أن يتقدَّم الإمام، ويتراصَّ المأمومون في صفوفهم، ويُكمِلون الصفوف، الأَوَّل فالأول، وهذه السنة جاءت من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم

وكان -عليه الصلاة والسلام- أيضًا يقول: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا! كَانُوا يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ»،
والحقيقة أنَّ إحياء مثل هذه السُّنن، والحرص على تسوية الصَّف، لا شكَّ أنَّه أقرب إلى السنة، وأدعى إلى استقامة الصلاة؛ لأنَّ إقامة الصفوف مما يُعين على إقامة القلوب، والخشوع في الصلاة

والمشروع أن يتقدَّم الإمامُ على المأمومين؛ وذلك لحديث جابر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقامه وجَبَّار خلفه، وقد قام -عليه الصلاة والسلام- يُصلي واليتيم يُصلي بجوار أنسٍ خلف النبي، والعجوز من ورائهما.

وهذا فيه إشارة إلى تقدُّم الإمام، واليتيم كان مع أنسٍ، ثم العجوز من ورائهم، وفيه إشارة أيضًا إلى جواز صلاة المنفرد خلف الصف، كما هو مذهب جمهور أهل العلم، خلافًا للحنابلة الذين لا يُجيزون ذلك، ويحملون مثل هذا الحديث على حكمٍ يتعلق بمُصافة المرأة فقط، فيُفرِّقون بين مُصافة المرأة والرجل.

في حديث ابن عباس لما صلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم- عن يساره، قال: "فأقامني فجعلني عن يمينه"، وهو دليلٌ على مكان وقوف المأموم، فإذا كان منفردًا -يعني إذا كان بمفرده مع الإمام- فإنه يكون عن يمينه،

وهذا هو مذهب الجمهور  عدم جواز التقدم على الإمام، وجواز الصلاة عن يمينه، لا عن يساره،
وإذا تقدَّم المأمومُ على الإمام بطلت الصلاةُ عند جمهور أهل العلم

وذهب بعضُ أهل العلم إلى جواز تقدم المأموم على الإمام، وشيخ الإسلام -رحمه الله- توسَّط في ذلك، فرأى أنَّ هذا من الواجبات، وأنَّ كلَّ واجبٍ يسقط مع العذر، فلو كان ثَمَّ عذرٌ، حيث لم يجد المأموم مكانًا، أو كان جاهلًا فتقدم، أو نحو ذلك، فإنَّه -والحالة هذه- عند شيخ الإسلام لا تبطل صلاته؛ لأنَّه ترك واجبًا مع عذرٍ.

ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب: وجوب سعي المأموم عند سماع الإقامة، ومشروعية سعيه عند النداء:
فوجوبه عند سماع الإقامة لقوله -عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا»، وهذا أمرٌ قد عُلِّقَ بسماع الإقامة: «فَامْشُوا عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»

وهذا الأمر -وهو ما يتصل بوجوب سعي المأموم للجماعة عند سماع الإقامة- مأخوذٌ من هذا الحديث، بل وأُخِذ من هذا الحديث معنًى آخر،
 وهو: أنَّ إدراك الصلاة يكون بإدراك أي جزءٍ من أجزائها، ولو لم تكن ركعةً، حيث استدلَّ به مَن قال -وهم جمهور أهل العلم- بأن إدراك الصلاة يكون بأي جزءٍ من أجزائها، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال في هذا الحديث: «فَمَا أَدْرَكْتُمْ»، و"ما" من صيغ العموم، فتشمل أيَّ شيءٍ، أي تكبيرةٍ، ولو لم تكن ركعةً، «فَصَلُّوا» فأثبت له الصلاة، «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».

وهذا لم يُخصصه الجمهور بمَن أدرك ركعةً من الصلاة، قالوا: هذا خاصٌّ بما يجب السَّعي إليه بسماع الإقامة، وهي الصَّلوات الخمس فحسب، فالجمعة مثلًا يجب السعي إليها بسماع النداء: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾
ولذلك فرَّقوا فحملوا ذاك -وهو إدراك الركعة- على صلاة الجمعة، أو على الوقت، كما أشرنا إلى الإدراكات في حينها، وحملوا هذا على الصلوات الخمس المفروضات

هل  انقطاع صلات الإمام مُؤذنٌ ببطلان صلاة مَن خلفه من المأمومين أم لا؟
المذهب الأول: يقول شيخ الإسلام: "لا ارتباطٌ بينهما"، فصلاة الإمام مُستقلة عن صلاة المأمومين، وهذا يعني أنَّ فائدة الإمامة هي تكثير الجماعة، ومن فوائدها أيضًا -كما لا يخفى عليكم- تحصيل السنة، والإتيان بالواجب.
والقائل بهذا المذهب هو الشافعي

والحجة في هذا القول: حديث النبي -صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ أَحْسَنُوا -يعني الأئمَّة- فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»، وهو دالٌّ على أنَّ إحسانهم في صلاتهم وإصابتهم للسنة يسري فيه الأجرُ والفضلُ إلى مَن وراءهم، وأن خطأهم في ذلك إنما يكون عليهم، لا على مَن ائتمَّ بهم.

أمَّا المذهب الثاني: فيقولون أنَّها مُنعقدة بصلاة الإمام، يعني أنَّ صلاة المأموم مُرتبطةٌ تمامًا بصلاة الإمام، فلو أحدث الإمامُ في صلاته بطلت صلاة المأمومين، ولو ترك ركنًا فالأمر كذلك، فهي متأثرةٌ بها على كل حالٍ.
وعلى هذا فمَن ائتمَّ بمُحدثٍ ناسيًا حدثه، يعني مَن ائتمَّ بإمامٍ مُحدثٍ قد نسي حدثه، فإنَّه يُعيد الصلاة، كما أنَّ الإمام يجب عليه أيضًا أن يُعيد، وهذا هو مذهب الحنفية، وهو رواية عن أحمد.

قال شيخُ الإسلام: "المذهب الثالث: مُنعقدةٌ بصلاة الإمام"،
قال: "فإذا كان ثَمَّ عذرٌ بأن يكون المأمومُ غير عالمٍ بأنَّ الإمام أحدث، فعندئذٍ الأصل في صلاته الصحَّة، لكن لو كان يعلم واستمرَّ في الصلاة حتى انتهت الصلاة، فيكون عندئذٍ غير معذورٍ"
وهذا المذهب هو مذهب مالك وأحمد، وإذا اجتمع هذان الإمامان فلا تبتعد عمَّا أخذا به؛ لعنايتهما بالسنة كثيرًا

مسألة ائتمام المأمومين بالإمام إذا كان ذلك عن بُعْدٍ:، ولو كان بين الإمام والمأموم حائل
ويشترط الحنابلةُ أن يكون غير منفردٍ، يعني لو صلى اثنان، وكانا في المسجد يأتمَّان بالإمام، فهذا عند جمهور أهل العلم صحيح.

أمَّا الحالة الثانية: إذا كان خارج المسجد، وهذا يقع كثيرًا، وهذا له صور متعددة

مذهب الحنابلة يشترط أن يرى المأمومُ الإمامَ أو مَن وراءه، ولو في بعض الصلاة، وأن يمكن الاقتداء به، وألا يحول بينهما طريقٌ تسير فيه الدَّواب، أو تجري فيه السفنُ، فإذا حال ذلك فإنَّه عندئذٍ ينقطع الاقتداء.

أمَّا المالكية: فيشترطون السَّماع، ولو لم يكن هناك رؤية لمَن وراء الإمام، أو للإمام، ولو كان هناك فاصلٌ، فهم يُوسِّعون أكثر من الحنابلة في هذا الباب.

والشَّافعية يشترطون رؤية الإمام، أو بعض المأمومين، ولو كان ثَمَّ فاصلٌ.
إذن المالكية والشافعية لا إشكال عندهم في وجود فاصلٍ، كما هو الحال عند الحنابلة، ولذلك هم يشترطون إمَّا الرؤية أو السَّماع للإمام ومَن خلفه.

أمَّا الحنفية والحنابلة فيُضيِّقون، حيث يشترطون ألا يكون هناك فاصلٌ،

قال شيخُ الإسلام: "أمَّا صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائلٌ، فإن كانت الصُّفوف متصلةً -كما هو الحال في الحرم مثلًا، لمَن صلى في السَّاحات، والصفوف متصلة- جاز باتفاق الأئمَّة، سواء خارج المسجد، أو في المسجد -ما دامت الصفوفُ متصلةً-

وإن كان بينهما طريقٌ أو نهرٌ تجري فيه السفن"، يعني كان هناك فاصلٌ مثل الصلاة في العمائر البعيدة قليلًا عن الحرم، وهناك طرقات تسير فيها السَّيارات، ولا يُصلِّي فيها الناس.
لا ريب أنَّ ذلك جائزٌ مع الحاجة مطلقًا"
نخرج من كلام شيخ الإسلام تجويزه الصلاة في العمائر المجاورة للحرم إذا اشتدت الحاجةُ لذلك، كما في حال الزِّحام الشَّديد، ولو لم تكن الصفوف متصلةً، أو وُجِد حائل

                           &&&&&&&&&&&&&&&


مسألة: أهل الأعذار:
ويُراد بأهل الأعذار المرضى، والمُسافرين، ونحوهم، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

والمريض لا تسقط عنه الصلاةُ لمرضه، وإنما يأتي بها على حاله التي يقدر عليها، والمرض الذي يمنع من صلاة الجماعة هو المرض الذي يذهب معه خشوعُه فيما لو كان خشوعه وطمأنينته يذهبان لو صلى مع الجماعة؛ للمشقة التي تكون عندئذٍ،
الذين يتوسَّعون في القعود، فتجد بعضَهم يمشي إلى المسجد، وربما يقف عند المحل، فإذا جاء القيامُ في الصلاة جلس، وهذا نوعٌ من التَّفريط.
فينبغي ألا يُصار إلى الجلوس في الصلاة إلا بقدره، فإن كان ثَمَّ ألمٌ في ظهره، أو في رجله، أو نحو ذلك مُعتبرٌ، فإنه ينظر: إن كان يستطيع أن يقف بعضَ الصلاة فليقف، ثم يجلس ما عدا ذلك،

 البعض إذا جلس يجلس كما يجلس في جلسة التَّشهد، وهذا مخالفٌ للسنة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا جلس تربَّع، فكان يُصلي مُتربِّعًا.

والتَّربع صفته معروفة لديكم، بحيث أنَّه يفرد رِجْلَيه يمينًا ويسارًا، ويُدخلهما في بعضهما، كما هي جلسة كثيرٍ من الناس الآن، ولا يفترش كما هو الحال في الجلسة بين السَّجدتين، أو جلسة التَّشهد.

وإن لم يستطع أن يُصلي قاعدًا فيُصلي على جنبٍ، ويكون ذلك على جنبه الأيمن؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُعجبه التَّيمُّن، فإن لم يتمكَّن من هذا ولا ذاك فإنه يُصلي مُستلقيًا على ظهره، فيُصلي على ظهره ورجلاه إلى القبلة، بحيث أنَّه لو أُقيم كانت صلاته كما هي حال صلاة المأموم أو الإمام المشروعة عند وقوفه.

وهل له إذا تعذَّر عليه ذلك -يعني الصلاة مُستلقيًا- أن يُصلي بالإيماء أو بالإشارة؟
هناك خلافٌ في ذلك بين أهل العلم، ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك حديثٌ صحيحٌ، لكن عموم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] يُفيد ذلك، وإن خالف فيه شيخُ الإسلام، حيث يرى أنَّه -والحالة هذه- تسقط عنه الصلاة، فلم تثبت، ولم تُشرع، يعني الصلاة بالإيماء لمَن لم يستطع الصلاة في تلك الأحوال.

مسألة: الجمع: فإن شقَّ على المريض أن يُصلي كلَّ صلاةٍ في وقتها، فإنَّه عندئذٍ يُشرع له الجمع.
فقد جمع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في المدينة من غير سفرٍ ولا مطرٍ، وهذا يكون مع الحاجة، وهو محمولٌ على أنَّه أراد ألا يُحرِج أمَّته، فيُحمل على وجود الحاجة عندئذٍ.


      &&&&&&&&&&&&&&

المُسافر:
فمشروع الجمع في حقِّه والقصر، حيث إنَّ المسافر أيضًا من أهل الأعذار؛ لأنَّ السفر قطعةٌ من العذاب.
وضابط السفر عند جمهور أهل العلم ما كان على مسافة أربعة بُرُدٍ، وهي تقريبًا تُساوي الآن ما يُقارب الاثنين وثمانين كيلو، وبعضهم يزيدها قليلًا إلى ثمانٍ وثمانين،
وبعضهم ينقصها إلى أن تكون في السَّبعين، ما بين اثنين وسبعين، إلى ثمانٍ وسبعين.

المُعتبر عندئذٍ ما عدَّه الناسُ سفرا لان :
فإذا كان الحدُّ غير مذكورٍ أو مُعيَّنٍ شرعًا، فإن المُعتبر عندئذٍ هو عُرف الناس الصحيح، وعُرف الناس في الأسفار الآن يتفاوت من مكانٍ إلى آخر، ومن زمانٍ إلى آخر، فيُسن له عندئذٍ أن يَقْصُرَ، بل يُشرَع له ذلك بشكلٍ متأكِّدٍ، حتى قال بعضُ أهل العلم بوجوبه؛

والظاهر الاستحباب؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101]، وهذا نفيٌ للجناح، فيدل على الجواز

وله أيضًا أن يُفطِر في رمضان، هذا للمسافر؛ لأنَّه معذورٌ، وقد ترخَّص برخص السفر

ويكون المسافرُ مسافرًا بمُفارقته عامرَ قريته، بأن يخرج من عامر قريته، فلا يترخَّص وهو لا يزال في المدينة، فإذا خرج من عامر القرية فعندئذٍ يصدق عليه أنَّه أسفر عنها، فيكون مُسافرًا.






الفقه ( المحاضرة التاسعة عشرة )



صلاة الكسوف :
يقول الشيخ ابنُ عثيمين -رحمه الله: "إنَّ القول بالوجوب أقوى من القول بالاستحباب".
وإذا قلنا بالوجوب فالمراد وجوب الكفاية طبعًا، فمتى أقيمت الصلاة فإنَّها عندئذٍ لا تلزم الجميع، كما هو الحال مثلًا في صلاة الجمعة.

(قول الجمهور له قوة وهو أنها سنة مؤكده .)

صفت صلاة الكسوف :
فقد جاءت في حديث عائشة، وهو الأصل في صفة صلاة الكسوف: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جهر في صلاة الكسوف بقراءته، فركع أربع ركوعاتٍ في ركعتين، وأربع سجدات

يُكبِّر للإحرام، ثم يقرأ الفاتحة وسورةً، ثم يركع، ثم يرفع، ثم يقرأ أيضًا، والقراءة هنا تكون أقل من القراءة الأولى، ثم بعد ذلك يركع،ثم بعد الركوع الثاني يسجد سجدتان ثم في الركعة الثانية يفعل مثلما فعل في الركعة الأولى

فصار المجموع أربع ركوعات، وأربع سجدات
وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول المالكيَّة، والشَّافعية، وهو مذهب الجمهور.
خلافًا للحنفية الذين جعلوا صفةَ صلاة الكسوف ركعتين في ركعةٍ واحدةٍ.

الحنابلة يرون الجهر بهاا
أمَّا الجمهور فيرون أنَّ صلاة الكسوف يُسَرُّ بها ولا يُجهر

الكسوف لم يحدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا مره واحده وهذا قول الجمهورُ من: المالكية، والشَّافعية، والحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم

هل تُشرَع صلاة الكسوف جماعةً أو فُرادى؟

جماعة
فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث صلَّى بالناس، وجهر في صلاته، بل جاء في حديث جابر عند مسلمٍ: "فصلى بأصحابه
ومَن لم يفعلها جماعةً فيجوز له أن يُصليها مُفردًا، ومن ذلك المرأة؛ لعموم حديث: «إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا»، وهذا يشمل الفرد والجماعة، ويشمل الرجل والمرأة،


مسألة: الخطبة في صلاة الكسوف، هل هي مشروعة أو غير مشروعة؟
الجمهور لا يرون مشروعيَّتها، من: الحنابلة، والحنفية، والمالكية.

وعند الشافعية استحباب الخُطبتين لها، كما هو الحال في الجمعة، وكذلك لما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ»، وهذا القول قويٌّ، وهو اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وابن القيم، وغيرهم
لحديث أسماء -رضي الله تعالى عنها- وفيه: "فلمَّا انصرف النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ... الحديث". متفق عليه.

هل يُستحب لها أيضًا الاغتسال أم لا؟
المذهب عندنا أنَّه يُشرَع ذلك؛ لأنَّها صلاة يُجتمَع لها، كما هو الحال في الجمعة، وإنما قاسوها على صلاة الجمعة

ذهب بعضُ أهل العلم إلى عدم مشروعية الاغتسال لها؛ لأنَّه لم يُنقَل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بل حاله -عليه الصلاة والسلام- يدلُّ على أنه لم يغتسل، كيف؟
لأنَّه خرج فزعًا، يجر رداءَه، وهذا -يعني خروجه بشكلٍ مفاجئ- لا يتوافق-والله أعلم- مع ذهابه للاغتسال، ثم خروجه، في الظَّاهر -والله أعلم.

مسألة: إذا فاتت المرءَ الركعةُ الأولى من صلاة الكسوف، فماذا يصنع؟
ذهب الشيخان ابن باز وابن عثيمين -رحمهما الله تعالى- إلى أنَّه يقضي الركعة بتمامها إذا فاتته الركعةُ الأولى، فيقضي الرَّكعتين الأولى والثانية.

مسألة: هل تُشرَع الصلاة للآيات الأخرى التي يمكن أن تقع غير هذه الصلاة التي هي الكسوف، أم أنَّ الصلاة فقط للكسوف؟
هناك من الآيات ما يمكن أن يكون منه فزعٌ، أو يكون بمعنى الكسوف، من حيث التَّغير الكوني الذي يطرأ على السماء أو الأرض، فهل هذا في حكم الكسوف فيُقاس عليه أم لا؟

فذهب الحنابلة إلى أنَّه لا يُصلي لغير الكسوف، إلا الزَّلزلة، فلو حصل زلزالٌ شُرِع لهم أن يُصلوا كما يصلون للكسوف، واستدلُّوا على ذلك بفعل ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وقد رواه سعيدٌ والبيهقي، وأيضًا جاء عن عليٍّ فيما روى الشافعي، وكذا جاء عن حُذيفة -رضي الله تعالى عنه- فيما أخرجه عبد الرزاق بإسنادٍ صحيحٍ.
فبالتالي عندهم يُصلي للكسوف، ويُصلي للزَّلزلة فقط.

القول الثاني هو قول المالكية والشَّافعية، وهو أنَّه: لا يُصلي إلا للكسوف فقط، فلا يُصلي لا للزلزلة، ولا لغيرها من الآيات المُفزعة

والقول الثالث هو قول الحنفية، واختاره شيخُ الإسلام ابن تيمية، وإن كان هذا منه قليلًا -رحمه الله- وهو أن يختار ما انفرد به الحنفيةُ عن الجمهور، قال: "ويُصلي لكلِّ آيةٍ"، سواء كانت زلزلةً، أو كسوفًا، أو ريحًا، أو غير ذلك، واستدلُّوا بحديث أبي بكرة، وفيه: «يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ»، والحديث في البخاري، وهو دالٌّ على أنَّ كلَّ آيةٍ فيها تخويفٌ فإنَّه يُصلي لها، وهذا قويٌّ، واختاره ابنُ عثيمين -رحمه الله تعالى.

لو حصل كسوفٌ، ثم تلبَّدت الشمسُ بالغيوم، فهل نعمل بقول علماء الفلك في وقت التَّجلِّي؟
الظاهر: أننا نعمل به؛ لأننا في هذه الحالة نعمل به، لاسيَّما إذا كان قولهم مما ينضبط عادةً.

إذا لم يُعلَم بالكسوف إلا بعد زواله، فإنَّه لا يُصلِّي؛ لأنَّه قد ذهب وقته، ومثله مَن فاته أن يُصلي، يعني كان عالمًا وفاتته الصلاة، فإنَّه كذلك لا يُصلي.

بِمَ تميَّزت صلاةُ الكسوف عن غيرها من الصَّلوات؟

الأولى: أنَّ فيها زيادة ركوعٍ في كلِّ ركعةٍ.
الثانية: أن القراءة فيها طويلة.
الثالثة: أنَّ المصلي يجهر فيها بالقراءة ليلًا أو نهارًا.
الرابعة: أنَّ فيها ركوعًا بعد الركوع.
الخامسة: أنَّه يُشرَع الاستغفار لها بعد الصلاة، والدعاء حتى ينجلي الكسوف، وإن كانت هذه الصِّفة أو الميزة خارجة عن نفس الصلاة، لكن متَّصلة بها.

                    &&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

الاستسقاء:
والاستسقاء يُراد به التَّعبد لله بطلب السُّقْيا،
الصورة المتفق عليها هي صلاة الاستسقاء المنقولة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-

وكذلك الاستسقاء على المنبر، كما جاء ذلك في حديث أنسٍ في الصَّحيحين، لما قال الأعرابي: "ادع الله يُغيثنا"، فدعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم، فيُقال عندئذٍ أنَّ هذا من صور الاستسقاء.

صورةً ثالثةً يمكن أن نُضيفها، وهي الدُّعاء المجرد، كما في السُّجود، وفي حديث عُمير أنَّه رأى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يستسقي عند أحجار الزَّيت، قريبًا من الزَّورَاء، قائمًا يدعو. والحديث عند أحمد وأبي داود، وصححه الذهبي.

ولذلك يقال بمشروعية صلاة الاستسقاء
وهي عند الجمهور سنة مؤكَّدة،
خلافًا للحنفية الذين قالوا: لا يُسن له الصلاة، بل يخرج الإمامُ ويدعو، فإن صلَّى الناسُ جاز، وهذا -في الحقيقة- على خلاف ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-
كما في حديث عائشة: لما شكا الناسُ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قُحُوطَ المطر، فأمر بمنبرٍ فوُضع له بالمُصلَّى.

فأمر بمنبرٍ فوُضِع له بالمُصلَّى، فوعد الناسَ يومًا يخرجون فيه، وهذا دالٌّ على أنَّ الصلاة التي هي الاستسقاء تُصلَّى في خارج البُنيان، فكبَّر، فحمد الله -عز وجل- ثم قال: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ»، ثم قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ، وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ»، ثم رفع يديه، فلم يزل يدعو حتى رُؤِي بياضُ إبطيه، وهذا الرفع الشديد دالٌّ على مسيس الحاجة،
ثم حوَّل إلى الناس ظهره، وقلب رداءَه، أو حوَّل رداءه وهو رافعٌ يديه، ثم أقبل على الناس ونزل، فصلى ركعتين.
وهذه هي صلاة الاستسقاء،
وتُستفاد من هذا الحديث عدةُ أمورٍ -وهو أصلٌ في الاستسقاء- ومن ذلك

- أنَّ سبب الاستسقاء إنما يكون عند قُحوط المطر، ولا يُشرَع الاستسقاء مع وجوده.
- وأيضًا مشروعية الصلاة في الصَّحراء، وخارج البنيان.
- وأيضًا أنَّ صلاة الاستسقاء تبدأ من ارتفاع الشمس: "حين بدأ حاجب الشمس"، كما جاء في النص، وهذا هو مذهب المالكيَّة.
أمَّا الحنابلة والشَّافعية فجعلوها في كلِّ وقتٍ عدا وقت النَّهي، واستدلُّوا بأنَّها لا تختصُّ بيومٍ، ولا تختص بوقتٍ، كما هو الحال في صلاة الاستخارة، وركعتي الطَّواف، لكن لا تُفعَل في وقت النَّهي للعموم.

- كما يدل هذا الحديث أيضًا على مشروعية الخطبة في صلاة الاستسقاء، وأنها تكون قبل الصلاة لا بعدها.

أيضًا هو دالٌّ على مسألة رفع اليدين عند الاستسقاء، ولو كان ذلك في خطبة الجمعة: فالأصل أنَّ اليدين لا تُرفعان أثناء الخطبة، لا من الإمام، ولا من المأموم، إلا إذا كان الدعاءُ للاستسقاء

لأنَّه ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه لما رفع يديه حين استسقى في خطبة الجمعة رفع الناسُ أيديهم، كما قيل هذا في الاستسقاء دون غيره
وينبغي في هذا الرفع أن يُبالَغ فيه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بالغ حتى رُؤِي بياضُ إبطيه.

- ويخرج إليها مُتخشِّعًا، مُتذلِّلًا، مُتضرِّعًا، فيُصلي .

والقول في الاغتسال لها كما تقدَّم، وعدم نقله كما يقول ابنُ القيم: "ترك الاغتسال لصلاة الاستسقاء والكسوف يُعلَم منه أنَّ القول بالاستحباب خلاف السنة، كما يظهر، والله أعلم"، ومثل ذلك ما يتعلق بالأذان والإقامة.

والمشروع أن تكون صلاةُ الاستسقاء جماعةً، كما هو مذهب جمهور أهل العلم، وأن يخرج لها الجميع،

ويُستحب عند نزول المطر -وهذا مما يتصل حكمه بالكلام على الاستسقاء- أن يقف في أول المطر، ويُخرج رَحْلَه، ليُصيبه المطر
وكان أيضًا -عليه الصلاة والسلام- يقول: «إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ»، وفيه إشارةٌ إلى بركة ماء المطر: وحسر عن رأسه، وقال: «إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ»

فأمَّا إذا خِيف من كثرة المطر
فإنَّه يُشرَع عندئذٍ أن يُقال كما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ، وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ

                             &&&&&&&&&&&&&&&
ننتقل بعدهما إلى ما يتصل بأوقات النَّهي، حيث جاء في صلوات التطوع أنها لا تُؤدَّى في أوقات النَّهي، لاسيَّما ما كان منها مُطلقًا، أمَّا ما كان مُقيَّدًا فقد وقع الخلافُ فيه بين أهل العلم: هل يُؤدَّى في النهي أم لا؟ ومن ذلك صلاة الكسوف والاستسقاء وتحية المسجد، وغيرها.

والمقصود -كما ذكرنا- صلاة التطوع، سواء كان تطوُّعًا مُطلقًا، وهو محلُّ اتِّفاقٍ، أو كان مُقيَّدًا، وهو محل خلافٍ،

أوقات النهي:
الأصل في هذا حديث: "ثلاث ساعاتٍ كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا أن نُصلي فيهنَّ، وأن نقبر فيهنَّ موتانا: حين تطلع الشمسُ بازغةً حتى ترتفع، وحين تضيَّف الشمسُ للغروب، وحين يقوم قائمُ الظَّهيرة".
وقد جاء أيضًا في المتفق عليه: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ».

فتكون عندئذٍ الأوقات خمسة على سبيل التَّفصيل:
الوقت الأول: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس
الوقت الثاني: كما جاء في الحديث: "حين تطلع الشمسُ بازغةً حتى ترتفع"، وهذا قد يكون عشر دقائق، أو ربع ساعة، من حين طلوع الشمس، حتى ترتفع قِيدَ رُمحٍ.
الوقت الثالث: حين يقوم قائمُ الظَّهيرة، حين تكون الشمسُ في كبد السماء، حتى تزول، حتى تبدأ في الزَّوال.
الوقت الرابع: من صلاة العصر؛ لقوله –صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» من بعد العصر حتى تصفَرَّ الشمس.
وهذا الوقت عند جمهور أهل العلم هو الراجح.
الوقت الخامس: من اصفرار الشمس إلى غروبها، وهذا عند الجمهور،
وأشد ما يكون النَّهي عند تضيُّف الشمس للغروب؛ لأنَّه وقت تكثر فيه الشياطين، وأيضًا يكون فيه من عبادة المشركين للشمس، ونحو ذلك.

وهنا مسألةٌ مهمَّةٌ جدًّا: وهي أنَّ هذه الأوقات من المعلوم أنها مما تمتنع فيها صلاةُ النفل المُطلَق، ولكن هل تُشرع في تلك الأوقات صلواتٌ ذواتُ أسبابٍ: كتحية المسجد أم لا؟

اختلف فيها أهلُ العلم اختلافًا عريضًا،
الذي يُصلي بسببٍ لا يُقال أنَّه تحرَّى طلوعَ الشمس ولا غروبَها، وإنما تحرَّى إصابة السُّنة من مُوافقة الصلاة عند ورود هذا السَّبب، وهذا هو مذهب الشَّافعية، وهو رواية عن أحمد، واختارها شيخُ الإسلام ابن تيمية، وهذا أيضًا ما ذهب إليه الشَّيخان ابن باز، وابن عثيمين -رحم الله الجميع-

هل يجوز قضاء الفرائض في أوقات النَّهي؟
نعم -كما ذكرنا- يجوز؛ لعموم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، ولحديث أبي هريرة أيضًا: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ»، والحديث متفق عليه.

وأيضًا الصلاة المنذورة تُقضَى في وقت النَّهي، فهي واجبة، وأشبهت الفرائضَ، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.








الأربعاء، 1 يناير 2014

الفقه ( المحاضرة الثامنة عشرة )

                                 


صلاة التطوع :

صلاة الوتر :

التطوعات المطلقة: فإنَّ صلاتها بالليل أفضل من صلاتها بالنهار، يعني لو أنَّ شخصًا منا بين صلاتي الظهر والعصر أراد أن يتطوع تطوعًا مطلقًا، ليس تحية مسجد، ولا ركعتي وضوء، ولا غير ذلك مما هو مُقيَّد بحالٍ معينةٍ، أو مرتبط بسببٍ معينٍ، فإنَّ صلاته بين المغرب والعشاء أو بعد العشاء أفضل من صلاته مثلًا في النهار، كما لو كان ذلك بين الظهر والعصر، ما لم تكن مقيدةً بسببٍ من الأسباب لماذا ؟
كما قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ»، وهذا يشمل صلاة الليل كلها، والليل يبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.

وهكذا ما يتعلق بالمكان، فما لم يُقيَّد بمكانٍ فصلاته بالبيت أفضل من صلاته بالمكان الذي تُصلي فيه، لماذا؟
لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ».

ولذلك يقال: إنَّ التطوع المُطلق في البيت في الليل هو أفضل من غيره مما يكون تطوعًا مطلقًا في المسجد أو في النهار

والمشروع في صلاة التطوع إذا كان ذلك ليلًا أن يكون ذلك مثنى مثنى، سواء كان ذلك -كما ذكرنا- في الشَّفع المتصل بالوتر، أو كان ذلك تطوُّعًا مُطلقًا.

إلا ما جاء وصفه أو صفته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بخلاف ذلك، فقد جاء عنه صلاة الوتر ثلاثًا، وجاء عنه خمسًا، وجاء عنه سبعًا، وجاء عنه تسعًا، لا يُسلِّم إلا في آخرهنَّ، مما يدل على أنَّ هذه الصفات مُستثناة

جاءت رواية فيها: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ»، فأخذ بعضُ أهل العلم، بل أخذ الجمهور بها، فقالوا: إنَّ صلاة الليل مثل صلاة النهار، فتكون مثنى مثنى، ولا يُصلِّي أكثر من ذلك، بل يُسلِّم من كل ركعتين.


فالجمهور أخذوا بذلك بناءً على هذه الزيادة، وقالوا: لأنَّ هذا أبعد عن السَّهو؛ لأنَّ المرء كلما زاد في الرَّكعات ربما سها، وتسبب سهوه هذا في أمرين:
الأمر الأول: ضعف الخشوع.
والثاني: خطؤه في عدد الرَّكعات، ونحو ذلك.
ثم قالوا: إنَّ هذا أيضًا هو الأشبه بتطوعات النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد كان -عليه الصلاة والسلام- في كثيرٍ من تطوُّعاته يُسلِّم من ركعتين.
ثم رابعًا: قالوا: إنَّ هذا هو الأشبه بصلاة الليل، فصلاة الليل قد ثبت فيها أنها مثنى مثنى، بلا نزاعٍ، فليلحق هذا بها، مع كون الجمهور يأخذون بالزيادة في قوله: «وَالنَّهَارِ»

القول الثاني: وهو مذهب الحنفية، واختاره أيضًا بعضُ أهل العلم، كالإمام إسحاق، وهو اختيار ابن قُدامة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية: فقد ذهبوا إلى القول بأنَّ صلاة الليل مثنى مثنى، لكن صلاة النهار تكون على سبيل التَّوسعة من غير تقييدٍ بالتثنية، فلو صلَّى أربعًا، أو ستًّا، أو ثمانٍ بتسليمةٍ واحدةٍ جاز.

وهذا القول مبناه على تضعيف هذه اللفظة، وهي زيادة: «وَالنَّهَارِ»، وهي سبب الخلاف في هذه المسألة.

 الثابت هو: التثنية في الليل فقط، وما كان في النهار فإنَّه عندئذٍ يجوز أن يكون على غير سبيل المثنى، فيُصلي أربعًا، أو أكثر من ذلك إن شاء ذلك.

صلاة الوتر:
الوتر مُستحبٌّ استحبابًا مُتأكِّدً. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه في الحضر والسفر
هذا رأي الجمهور
والحنفية ذهبوا إلى أن الوتر واجبٌ

أمَّا وقته : من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ولو كانت العشاء مجموعةً إلى المغرب، فمن حين أن تُصلي العشاء يبدأ وقت الوتر، وهذا محل إجماعٍ بين العلماء

كم عدد ركعات الوتر؟
أقل الوتر ركعة، وهذا قد جاء من حديث ابن عمر عند مسلم، حيث قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ».

ولا يُكره الوتر بها كما يظن البعض، بل هو قد جاء عن مجموعةٍ من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة، بل جاء أيضًا هذا عن معاوية -رضي الله تعالى عنه- وفي البخاري: قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنَّه ما أوتر إلا بواحدةٍ، فقال: إنَّه لفقيه، يعني أنَّ هذا جائز ومشروع، خلافًا لمَن كان يظن أنَّه مكروهٌ، أو ممنوعٌ.
هذا عند الجمهور،
أمَّا الحنفية فرأوا عدم صحة الوتر بواحدةٍ، واستدلُّوا على ذلك بنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن البُتَيْرَاء، والبُتَيْرَاء هي الركعة الواحدة.

أمَّا أكثر الوتر فيُقال أنَّ أكثره بناءً على الوارد، يعني أكثر ما ورد فيه هو إحدى عشرة ركعة، كما في حديث عائشة، وفي روايةٍ أخرى أيضًا عنها -رضي الله تعالى عنها- أنَّه صلى -عليه الصلاة والسلام- ثلاث عشرة ركعة.
فجاء عنها أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، ثم جاء أيضًا عنها -رضي الله تعالى عنها- في الصحيح: صلاته -عليه الصلاة والسلام- بثلاث عشرة ركعة.

ولعلَّ الجمعَ بين هذا وذاك: أنَّ الثاني قد ورد عنه، لكن الأول هو الأكثر، وهو صلاة إحدى عشرة ركعة -عليه الصلاة والسلام.

وهذا الحد فيما جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- ليس مانعًا من الزيادة عليه؛ وذلك لظاهر حديث: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى»، حديث ابن عمر المتقدم «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»، وفيه دلالة على جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة، وعلى الثلاث عشرة.

ولعلَّ الضابط في ذلك ما هو أخشع وأنفع لقلب الإنسان، فإن كان الأخشعُ له أن يزيد زاد، وكان ذلك في حقِّه مُستحبًّا مشروعًا، وإن كان الأخشعُ له أن يكتفي بذلك فهو الأفضل، وهو الأصل؛ لأنَّ اتباع السنة واقتفاء هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- خير وبركة

الإحدى عشرة، والثلاث عشرة ركعة هي أكثر ما ورد عنه -عليه الصلاة والسلام- في صلاة الليل،

فالصفات التي جاءت عنه هي: ثلاث عشرة ركعة، وإحدى عشرة، يجلس في كلِّ اثنتين، ويُسلِّم منهما، ثم تسعًا يجلس في الثامنة، ولا يُسلِّم إلا في التاسعة، ثم سبعًا، يجلس في آخرهنَّ، ويُسلِّم عند ذلك، ثم خمسًا يجلس أيضًا في آخرهنَّ، ويُسلِّم بعد ذلك، ثم ثلاثًا يجلس من غير سلامٍ، ولكنَّه لا يجلس إلا في آخرهنَّ، فإن جلس في أوسطها فيُسلِّم، حتى لا تُشبه المغرب.

صلاة آخر الليل أفضل، وجعل الوتر في آخره مُستحبٌّ ومُتأكِّدٌ.
هذا رأي الجمهور
ذهب بعضُ الشافعية إلى أنَّ الإتيان بالوتر في أول الليل أفضل؛
وذهب بعضُ الحنابلة إلى عدم التفريق بين أول الليل وآخره

مَن أراد أن يُوتر في آخر الليل، لكنَّه نام، فلم يقم إلا مع طلوع الفجر، ماذا يصنع؟
يقضي الوترَ شفعًا( هذا رأي الجمهور)
فإذا كنت مثلًا قد اعتدت أن تصلي سبعًا، فإنها إذا فاتتك فإنَّك تقضيها من النهار ثماني ركعات، وإذا كنت اعتدت أن تُصلي ثلاثًا، فتقضيها أربعًا،

القول الثاني: أنَّ الوتر لا يُقضَى، وهذا القول رواية عن أحمد،
والصحيح هو أنَّ الوتر يُقضَى،

أدنى الكمال في الوتر أن يُصلَّى ثلاث ركعات بسلامين؛
ويجوز أن يجعلها بسلامٍ واحدٍ، لكن -كما ذكرنا- تكون بتشهدٍ واحدٍ لا بتشهُّدَين،
ومن المسنون فيها: أن يقرأ الفاتحة في الأولى وسبِّح، وفي الثانية يقرأ مع الفاتحة: قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة يقرأ مع الفاتحة سورةَ الإخلاص.

هل يقنت في الوتر أم لا؟
القنوت يُراد به الدعاء.
{يقنت أو لا يقنت، له الاختيار}.
له الاختيار نعم.
أبو حنيفة والإمام أحمد- يقولون أنَّ القنوت مسنونٌ في الوتر في جميع السَّنَة.
أمَّا المالكية والشافعية فقالوا: لا يُسن القنوتُ إلا في النصف الأخير من رمضان،

والأقرب -والله أعلم- ما اختاره شيخُ الإسلام ابن تيمية، وهو: أنَّ القنوت مشروعٌ، لكن ليس على سبيل الدَّوام، وإنما يقنت أحيانًا، ويترك أحيانًا؛

هل يرفع يديه في القنوت أم لا؟
الصحيح أنَّه يرفع يديه
كيف يرفع يديه؟
يرفعهما بصفتهما المعتادة إلى صدره، ولا يرفعهما كثيرًا

هل يُشرع له عندئذٍ أن يمسح يديه بعد الدُّعاء؟
المذهب عند الحنابلة: مسحه، وقد سُئِل مالكٌ عنه فأنكر، وقال: ما علمتُه.
والأقرب -والله أعلم- أنَّه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مسح الوجه بعد الدعاء.

                     &&&&&&&&&&&

صلاة الكسوف:
ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنها آكد صلوات التطوع.
ويُراد بالكسوف ذَهاب نور الشمس، أو ضوء القمر، ويمكن أن نقول -وهو أدق: انحجاب نور الشمس، أو القمر؛ لأنَّ النور باقٍ في حقيقة الأمر، ولم يذهب، لكنَّه قد يُحجَب.
ويُراد بالكسوف: التَّغير بالسَّواد، أمَّا الخُسوف: فهو النُّقصان.
ويُطلَق الكسوف على الشمس غالبًا، والخسوف على القمر غالبًا، ولربما أُطلق هذا على هذا، وهذا على هذا، إلا أنهما غير مُترادفين، بمعنى أنَّ لكلٍّ منهما معنًى كما بيَّنا.

وللخسوف أوقات معلومة، فالخسوف غالبًا يكون في وقت الإبدار
بينما الكسوف في الشمس يكون غالبًا في وقت الاستِسْرَار، ما وقت الاستسرار؟ آخر الشهر.

ذهب الجمهورُ إلى استحباب صلاة الكسوف
وقد نقل النووي الإجماعَ على كونها سنةً مؤكدةً
ومن أهل العلم مَن يرى وجوبها، وقد نُقِل هذا عن أبي حنيفة

ويُسن أن يُنادَى لصلاة الكسوف، فلا يُؤذَّن لها كما يحدث في الصَّلوات الخمس ، وإنما يُنادَى لها، كيف تكون صفة النداء؟
{الصلاة جامعة}.
ولا إقامة لها

هل تُقضى لمَن فاتته أم لا؟
لا تُقضَى؛ وذلك لأنها إنما شُرِعت لسببٍ، فتزول بزواله









الفقه ( المحاضرة السابعة عشرة )

                               


صلاة التطوع
وإنَّ من أبواب التطوع أنواعًا كثيرةً، ومنها على سبيل المثال لا  الحصر: سجود التلاوة، وسجود الشُّكر، فهي من أفعال التطوع، وإن لم تكن صلاةً، إلا أنها أحد أجزاء الصلاة.
ومن ذلك مثلًا: السُّنن الرَّواتب، وصلاة الوتر.
صلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، وغير ذلك من أنواع الصَّلوات

التَّطوعات تسُدُّ الخلل، وتمحو -بإذن الله تعالى- ما يقع من نقصٍ وقصورٍ في العبادة، فقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمِ الصَّلَاةُ، فَيَقُولُ اللهُ -وَهُوَ أَعْلَمُ: انْظُرُوا صَلَاةَ عَبْدِي، أَتَمَّهَا أَمْ أَنْقَصَهَا؟» فإن كانت تامَّةً كُتبت له تامَّة، وإن كان قد انتقص منها شيئًا قال: «انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟» فإن كان له تطوع قال: «أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرْضَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ» ثم تُؤخَذ الأعمال على ذلك. أخرجه أحمد، وأهل السنن، وصححه الألباني.


سجود التلاوة :
وسجود التلاوة قد جاء في القرآن في قرابة أربعة عشر موضعًا

حكمه من حيث الأصل هو: الاستحباب، فهو مسنونٌ، وهذا هو قول جمهور أهل العلم من: المالكية، والشافعية، والحنابلة

قول الحنفية، وهو اختيار ابن تيمية- أن السجود واجب.

قول جمهورُ أهل العلم أقوى)

سؤالٌ: هل يُشرَع لسجود التلاوة تكبيرٌ؟ وهل تُشترط له الطَّهارةُ؟ وهل يجب له استقبالُ القبلة؟
هذه الأسئلة كلها تعود إلى مسألةٍ واحدةٍ، وهي: هل سجود التلاوة صلاة، فيأخذ حكمها، وشروطها، أم لا؟
هذه المسألة مما اختلف فيها الفقهاءُ، والراجح فيها أنَّ سجود التلاوة ليس صلاةً، وإنما هو جزءٌ من أجزاء الصلاة، فلا يأخذ حكمها

ولذلك اختلف الفقهاء في حكم التكبير له، فإذا أردت أن تسجد للتلاوة هل تقول: الله أكبر وتسجد، أم تسجد مباشرةً من غير أن تُكبِّر؟ سواء كان ذلك في صلاتك، أو كان ذلك خارج الصلاة، ويتبين هذا أكثر فيما كان خارج الصلاة
ذهب الحنفية -وهذا رواية عن بعض الشافعية وبعض الحنابلة- إلى أنه يُكبِّر للسجود، وإن كان لا يُكبر للرفع منه.

أمَّا القول الثاني فهو قول الجمهور: أنَّه يُكبِّر للسجود، ويُكبِّر عند الرفع منه.
قولٌ ثالثٌ، وهذا القول هو مذهب الحنفية في قولٍ عندهم، وهو أيضًا قولٌ عند المالكية، فإنهم اختاروا ما اختاره أيضًا شيخُ الإسلام ابن تيمية: في أنَّه لا يُكبِّر عند السجود، لا ابتداءً، ولا رفعًا

(لا يُشرَع رفع اليدين عند سجود التلاوة؛ لأنَّ الوارد في ذلك هو التكبير على ضعفٍ فيه، أمَّا رفع اليدين فإنَّه لم يرد، ولأجل القياس على سجود الصلاة أيضًا، فسجود الصلاة لا يُشرع فيه رفع اليدين)

سجود التلاوة ليس صلاةً من حيث اشتماله على أحكامها، سواء كان ذلك في التكبير ورفع اليدين، أو في استقبال القبلة والطهارة ونحو ذلك، فإنَّه أيضًا يجوز إيقاعه في أوقات النهي، على الراجح من أقوال أهل العلم.

ماذا يقول في سجود التلاوة  إذا سجد؟
يقول الذكر الوارد في السُّجود، وهو "سبحان ربي الأعلى
ويقول أيضًا: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللَّهمَّ اغفر لي".

إلا أنَّ ثَمَّ ذكرًا جاء بخصوصه في سجود التلاوة، ومنه ما جاء عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في سجود التلاوة: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ»، وهذا الحديث فيه ضعفٌ، لكن يشهد له حديثُ عليٍّ الصحيح، وفيه: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ».
وقد جاء في حديث ابن عباس أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سجد قال: «اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلَهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ»، فهذا جاء عند الترمذي، وحسَّنه، كما حسَّنه النووي وابن حجر، فإن قال هذا فحسن.

سجود التلاوة مسنونٌ للقارئ والمستمع، ولذلك لا يُشرَع للمُستمع أن يسجد إذا لم يسجد القارئ؛ لأنَّ القارئ في حقِّه كالإمام مع المأموم.



                  &&&&&&&&&&&&&&&&&
سجود الشكر:
وسجود الشكر مسنونٌ إذا تجددت نعمةٌ، أو اندفعت نقمةٌ،

يكون السجودُ في غير الأحوال المعتادة، فلا يسوغ مثلًا لشخصٍ يسجد للشكر أن يقول: تذكرت نعمة الله عليَّ بالإسلام، أو شكرتُ الله -جل وعلا- على ما مَنَّ عليَّ به مثلًا من ولدٍ، وزوجةٍ، ومالٍ، أو يقول: تأمَّلتُ فنظرت في صحتي، فوجدتُ أنني أتمتع بالصحة والعافية، فسجدتُ شكرًا لله
فهذه النعم المستقرة لا يسجد لها شكرًا، وإنما يشكر الله عليها ذكرًا وفعلًا، لكن من غير أن يخصها بسجود

لا تجب له الطهارة، ولا استقبال القبلة، ولا أيضًا التكبير، ولا رفع اليدين من باب أولى؛ وذلك لأن المرء يُبشَّر بمثل هذا على سبيل المفاجأة، فلذلك كان الأكمل في حقِّه أن يُبادر بالسجود، ولو أمكنه أن يكون على طهارةٍ كان أكمل، سواء كان ذلك في سجود التلاوة، أو كان في سجود الشكر، وهو أحوط عند القائلين بإيجاب أو باشتراط الطهارة، لا سيَّما في سجود التلاوة


الفروق بين سجود التلاوة وسجود الشكر: أن سبب سجود التلاوة هو قراءة آية سجدة، بينما سبب سجود الشكر هو السُّرور أو النعمة الطارئة، فذاك سببه شرعي، وذاك سببه كوني.

سجود التلاوة يُشرع في الصلاة وخارجها، بينما سجود الشُّكر لا يُشرع إلا خارج الصلاة، بل لو أتى بسجود الشكر في الصلاة لبطلت؛ لأنَّه أتى بفعلٍ ليس منها،


                                      &&&&&&&&&&&&&&

صلاة التطوع :
وصلوات التطوع يُراد بها الصلاة غير المفروضة،
آكد صلوات التطوع: الرَّواتب
ويُراد بالرواتب السنن الدائمة المُستمرة، وهي تابعة للفرائض، ولذلك  قدَّمها الفقهاءُ على غيرها، ومنزلتها في صلوات التطوع تأتي بعد صلاة الوتر

تُشرع النوافل في البيت على سبيل الأفضلية

سؤال  إذا كنت في مكة، فما الأفضل: أن تُصلي النافلة في الحرم، أم تُصليها في البيت؟ وما الدليل؟ أو كنت في المدينة.؟
{الأفضل في البيت}.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الحديث عن فضل النافلة في البيت وهو في المدينة ويعلم بمضاعفة الأجر في مسجده

الأقرب أن السنن الرواتب عددها اثنا عشر.

جاء من الأدلة ما يدل على صلاته -عليه الصلاة والسلام- سننًا قبل أو بعد الفرائض، ولم تكن من الرَّواتب، ما الفرق بينها وبين الرواتب؟

الفرق الأهم: أنها لم تكن على سبيل المداومة والمحافظة.

من ذلك مثلًا الأربع قبل العصر، وفيها حديث أحمد وأبي داود والترمذي، وحسَّنه: «رَحِمَ اللهُ امْرَءًا صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا».
وهذا بناءً على القول بصحة هذا الحديث، وإلا فإنَّ بعض أهل العلم قد ضعَّف هذا الحديث، وذلك لتفرد الراوي -وسمُّوه عاصمًا- به عن غيره من الرواة الذين هم أحفظ منه، ولذلك لم يُصحح هذا الحديث شيخُ الإسلام ابن تيمية، بل كان يُنكره جدًّا، وعليه أيضًا سار ابنُ قيم الجوزية، فرأوا أنَّ هذا الحديث لا يصح عن خير البرية -عليه الصلاة والسلام

ومن الأحاديث أيضًا حديث عبد الله بن مُغفَّل المُزني، ولكنه حديث صحيح، وهو: "«صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، لِمَنْ شَاءَ» كراهية أن يتخذها الناس سنة".
والأصل في هذه السنة -وهي سنة ما قبل المغرب- والمراد بها بعد الأذان؛ لأنَّ ما كان قبل الأذان فهو من أوقات النهي، بل هو من أوقات النهي المُغَلَّظ؛ لأنَّ الشمس تكون عندئذٍ بين قرني شيطانٍ.

إذن المراد بها ما كان بين الأذانين، كما جاء في الحديث الآخر في الصحيح: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» ثلاثًا، وقال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ» "كراهية أن يتَّخذها الناسُ سنةً".

آكدها سنة الفجر؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قالت عائشة: "لم يكن على شيءٍ من النوافل أشد تعاهُدًا منه على ركعتي الفجر"، كما جاء ذلك في الصَّحيحين، وفي حديثها الآخر الذي أخرجه مسلم قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا

لم يكن يدعها في حضرٍ ولا سفر
قال ابنُ القيم: "لم يكن يدعها هي والوتر سفرًا وحضرًا"

كما أنَّها تُخَفَّف، ولذلك كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث عائشة "يُخفف الرَّكعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني أقول: هل قرأ بأم الكتاب؟" يعني هل تمكَّن من أن يقرأ؟! لكونه يختصر في قراءته، وذلك دالٌّ على تخفيفه الشَّديد.

يُشرع فيها أن يقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، في الركعتين، كما جاءت أيضًا قراءته -عليه الصلاة والسلام- فيها بـ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136]، وبقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64].

هل يُشرع قضاء الرَّواتب أم لا؟
مَن فاته منها شيءٌ بعذرٍ فإنه يُشرَع له قضاؤه؛
وفي حديث أم سلمة: لما شُغِل عن الرَّكعتين بعد صلاة الظهر، قضاهما بعد صلاة العصر، والحديث متفق عليه.

إذن نشير هنا إلى أنَّه إنما يقضي مَن كان يُحافظ على الصلاة الرَّاتبة، أمَّا مَن لم يكن محافظًا عليها فإنَّه عندئذٍ لا يقضيها.

هل تُقضَى في أوقات النهي؟
الجمهور على أنَّها لا تُقضَى في أوقات النهي؛ لعموم أدلة النهي
وهذا مخالفٌ لقول الشافعية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد قالوا بقضائها حتى لو كان ذلك في أوقات النهي؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أم سلمة المتقدِّم.

لذلك قوَّى البعضُ ما ذهب إليه المُحقِّقون من أنَّ السنن الرواتب تُقضَى بعد انقضاء أوقات النهي، فلا حاجةَ عندئذٍ لفعلها فيها، وفيه جمعٌ بين الأدلة؛ لأنَّ وقتها عندئذٍ لا يفوت.