صلاة الجماعة ::
الصَّلوات الخمس، فمن الواجبات أن تُؤدَّى الصَّلوات الخمس في جماعةٍ، كما هو مذهب بعض أهل العلم -ومنهم الحنابلة- بل يمكن أن يقال بأنَّه مذهب جمهور أهل العلم، وعلى ذلك أدلة، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم﴾ [النساء: 102]، فإذا كان الله -جل وعلا- في حال الخوف يأمر بالجماعة، فكيف في حال الأمن؟!
فمَن لم يرَ وجوبَ الصلاة في المسجد، فلا يعني هذا ألا يشهدها، أو يُقلل من فضلها، فإنَّهم وإن لم يتَّفقوا على وجوبها في المسجد، إلا أنهم اتَّفقوا على كونها أفضل إذا أُدِّيت في المسجد،
أقلها: اثنان، إمامٌ ومأموم
وكلَّما كان العدد أكثر من ذلك فلا شكَّ أنَّه أحب إلى الله -عز وجل
قوله -عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ»،
وهذا الحديث دالٌّ على مسائل متعددة
الأحوال بين الإمام والمأموم،:
الحالة الأولى: المُسابقة.
الحالة الثانية: المُوافقة.
الحالة الثالثة: المُتابعة.
الحالة الرابعة: المُخالفة.
الحالة الأولى: المُسابقة، ويُراد بها: أن يأتي المأمومُ بالفعل قبل إمامه، فتجد أنَّ الإمام إذا أراد أن يركع ركع المأمومُ قبله، أو أراد أن يرفع رفع قبله، أو أراد أن يُسلِّم سلَّم قبله، وهذا لبعض المُستعجلين.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يُحَوِّلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ»، وهذا تحذيرٌ شديدٌ، والحديث متفق عليه، وهو دالٌّ على تحريم المُسابقة.
إذن ما هو المشروع؟
المشروع للمأموم: المتابعة، ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»، فهو السَّابق، والمأموم اللاحق، «وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا»، فلا تُكبِّروا قبله، ولا تُكبِّروا معه، ولا تتأخَّروا كثيرًا عنه، ولذلك قال: «وَإِذَا كَبَّرَ فَـ» والفاء للتَّعقيب المباشر
والحالة الثالثة هي: المُوافقة، وهي أن يأتي بالفعل مع الإمام
وهذا خطأ، فيجب عليك أن تُمكِّن الإمام من أن يشرع في الفعل قبلك، ثم تأتي به أنت بعده
الحالة الرابعة فهي: المخالفة، والمخالفة جاءت أيضًا في بعض ألفاظ الحديث -حديث أبي هريرة: «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»، فالاختلاف من صوره التَّأخر الذي أشرنا إليه
وفي الحديث أيضًا: «وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ»،
وهذا دالٌّ على أنَّ المأموم يُتابع إمامَه في كلِّ حالاته، فلو أنَّ الإمام شرع في الصلاة وهو قاعدٌ، فلم يستطع في ذاك اليوم أن يُصلي قائمًا، فما الذي يُشرَع للمأمومين؟
يُصلُّوا جلوسًا
فالقيام ركن، ومع كونه ركنًا فإنَّ الشرع يؤكد علينا في مسألة متابعة المأموم لإمامه، وألا نختلف عليه.
وهذا - يؤكد تحريم مخالفة المأموم لإمامه، لاسيَّما في المسابقة، أو تغيير هيئة الصلاة
فصلاة الإمام قاعدًا تكون معها صلاة المأمومين قعودًا إذا افتتح الصلاة،
أمَّا إذا كان واقفًا في صلاته ثم قعد أثناءها، فإن الذي يظهر -والله أعلم- وفيه الجمع بين الأدلة: أن يبقى المأمومون واقفين؛ وذلك لما جاء في حديث جابر لما اشتكى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: "فصلينا وراءه وهو قاعدٌ، وأبو بكر يُسمِع الناسَ تكبيرَه، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا".
وفي حديث صلاته في مرض موته -عليه الصلاة والسلام- كان يُصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائم.
فالجمع -كما ذكرتُ لكم- أنَّه في الصورة الأولى كان قد افتتح الصلاة جالسًا، وفي الأخرى كان قد جلس في أثنائها.
مَن الأحق بالإمامة؟
النبي -صلى الله عليه وسلم- حسم هذا الأمر فيما رواه مسلم، في قوله: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا –أو: سِنًّا- وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ»
المراد بالأقرأ هو الأحفظ.
فقوله: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» ظاهرٌ في أنَّ الحافظ لكتاب الله المُتقِن لقراءته مُقدَّمٌ على غيره، ولو كان أفقهَ منه.
وهذا القول هو مذهب الحنابلة، خلافًا للجمهور، حيث يرون تقديم الأفقه على الأقرأ.
إذا كان لا يعرف أن يُصلي، فلو بدا له أو عرض سهوٌ في الصلاة فإنَّه لا يدري ماذا يصنع، فإنَّ هذا لو حفظ القرآن والسنة والألفيات والمنظومات والمتون الفقهيَّة فإنَّها لا تُجدي معه شيئًا.
فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً»، كان حفظهم واحدًا، فكلهم يحفظ القرآن كاملًا، أو كلهم يحفظ نصفه، أو نحو ذلك، فمَن الذي يُقدَّم؟
قال: «فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ»، والمراد بالأعلم بالسنة هنا الأفقه الذي يعرف الحكم بدليلٍ، وفيه إشارة إلى أنَّ الفقه إنما هو معرفة الحقِّ بدليله، إذ معرفة الأحكام من غير دليلٍ أو المتابعة والتقليد من غير معرفةٍ بالنص الشَّرعي ليست من الفقه
قال: «فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً»؛ ولذلك لأنَّهم في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يُهاجرون مُتتابعين، ومَن هاجر أولًا فإنه عادةً يكون أكثر علمًا ومعرفةً بالأحكام،
فإذا استويا في القراءة والفقه والهجرة، أو لم تكن تُسمَّى هجرة كما عندنا الآن، فإنه يُرجَّح إمَّا بتقدم الإسلام، أو بكبر السن.
وينبغي فيما يتعلق بالإمامة:
أن يتقدَّم الإمام، ويتراصَّ المأمومون في صفوفهم، ويُكمِلون الصفوف، الأَوَّل فالأول، وهذه السنة جاءت من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم
وكان -عليه الصلاة والسلام- أيضًا يقول: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا! كَانُوا يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ»،
والحقيقة أنَّ إحياء مثل هذه السُّنن، والحرص على تسوية الصَّف، لا شكَّ أنَّه أقرب إلى السنة، وأدعى إلى استقامة الصلاة؛ لأنَّ إقامة الصفوف مما يُعين على إقامة القلوب، والخشوع في الصلاة
والمشروع أن يتقدَّم الإمامُ على المأمومين؛ وذلك لحديث جابر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقامه وجَبَّار خلفه، وقد قام -عليه الصلاة والسلام- يُصلي واليتيم يُصلي بجوار أنسٍ خلف النبي، والعجوز من ورائهما.
وهذا فيه إشارة إلى تقدُّم الإمام، واليتيم كان مع أنسٍ، ثم العجوز من ورائهم، وفيه إشارة أيضًا إلى جواز صلاة المنفرد خلف الصف، كما هو مذهب جمهور أهل العلم، خلافًا للحنابلة الذين لا يُجيزون ذلك، ويحملون مثل هذا الحديث على حكمٍ يتعلق بمُصافة المرأة فقط، فيُفرِّقون بين مُصافة المرأة والرجل.
في حديث ابن عباس لما صلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم- عن يساره، قال: "فأقامني فجعلني عن يمينه"، وهو دليلٌ على مكان وقوف المأموم، فإذا كان منفردًا -يعني إذا كان بمفرده مع الإمام- فإنه يكون عن يمينه،
وهذا هو مذهب الجمهور عدم جواز التقدم على الإمام، وجواز الصلاة عن يمينه، لا عن يساره،
وإذا تقدَّم المأمومُ على الإمام بطلت الصلاةُ عند جمهور أهل العلم
وذهب بعضُ أهل العلم إلى جواز تقدم المأموم على الإمام، وشيخ الإسلام -رحمه الله- توسَّط في ذلك، فرأى أنَّ هذا من الواجبات، وأنَّ كلَّ واجبٍ يسقط مع العذر، فلو كان ثَمَّ عذرٌ، حيث لم يجد المأموم مكانًا، أو كان جاهلًا فتقدم، أو نحو ذلك، فإنَّه -والحالة هذه- عند شيخ الإسلام لا تبطل صلاته؛ لأنَّه ترك واجبًا مع عذرٍ.
ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب: وجوب سعي المأموم عند سماع الإقامة، ومشروعية سعيه عند النداء:
فوجوبه عند سماع الإقامة لقوله -عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا»، وهذا أمرٌ قد عُلِّقَ بسماع الإقامة: «فَامْشُوا عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»
وهذا الأمر -وهو ما يتصل بوجوب سعي المأموم للجماعة عند سماع الإقامة- مأخوذٌ من هذا الحديث، بل وأُخِذ من هذا الحديث معنًى آخر،
وهو: أنَّ إدراك الصلاة يكون بإدراك أي جزءٍ من أجزائها، ولو لم تكن ركعةً، حيث استدلَّ به مَن قال -وهم جمهور أهل العلم- بأن إدراك الصلاة يكون بأي جزءٍ من أجزائها، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال في هذا الحديث: «فَمَا أَدْرَكْتُمْ»، و"ما" من صيغ العموم، فتشمل أيَّ شيءٍ، أي تكبيرةٍ، ولو لم تكن ركعةً، «فَصَلُّوا» فأثبت له الصلاة، «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
وهذا لم يُخصصه الجمهور بمَن أدرك ركعةً من الصلاة، قالوا: هذا خاصٌّ بما يجب السَّعي إليه بسماع الإقامة، وهي الصَّلوات الخمس فحسب، فالجمعة مثلًا يجب السعي إليها بسماع النداء: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾
ولذلك فرَّقوا فحملوا ذاك -وهو إدراك الركعة- على صلاة الجمعة، أو على الوقت، كما أشرنا إلى الإدراكات في حينها، وحملوا هذا على الصلوات الخمس المفروضات
هل انقطاع صلات الإمام مُؤذنٌ ببطلان صلاة مَن خلفه من المأمومين أم لا؟
المذهب الأول: يقول شيخ الإسلام: "لا ارتباطٌ بينهما"، فصلاة الإمام مُستقلة عن صلاة المأمومين، وهذا يعني أنَّ فائدة الإمامة هي تكثير الجماعة، ومن فوائدها أيضًا -كما لا يخفى عليكم- تحصيل السنة، والإتيان بالواجب.
والقائل بهذا المذهب هو الشافعي
والحجة في هذا القول: حديث النبي -صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ أَحْسَنُوا -يعني الأئمَّة- فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»، وهو دالٌّ على أنَّ إحسانهم في صلاتهم وإصابتهم للسنة يسري فيه الأجرُ والفضلُ إلى مَن وراءهم، وأن خطأهم في ذلك إنما يكون عليهم، لا على مَن ائتمَّ بهم.
أمَّا المذهب الثاني: فيقولون أنَّها مُنعقدة بصلاة الإمام، يعني أنَّ صلاة المأموم مُرتبطةٌ تمامًا بصلاة الإمام، فلو أحدث الإمامُ في صلاته بطلت صلاة المأمومين، ولو ترك ركنًا فالأمر كذلك، فهي متأثرةٌ بها على كل حالٍ.
وعلى هذا فمَن ائتمَّ بمُحدثٍ ناسيًا حدثه، يعني مَن ائتمَّ بإمامٍ مُحدثٍ قد نسي حدثه، فإنَّه يُعيد الصلاة، كما أنَّ الإمام يجب عليه أيضًا أن يُعيد، وهذا هو مذهب الحنفية، وهو رواية عن أحمد.
قال شيخُ الإسلام: "المذهب الثالث: مُنعقدةٌ بصلاة الإمام"،
قال: "فإذا كان ثَمَّ عذرٌ بأن يكون المأمومُ غير عالمٍ بأنَّ الإمام أحدث، فعندئذٍ الأصل في صلاته الصحَّة، لكن لو كان يعلم واستمرَّ في الصلاة حتى انتهت الصلاة، فيكون عندئذٍ غير معذورٍ"
وهذا المذهب هو مذهب مالك وأحمد، وإذا اجتمع هذان الإمامان فلا تبتعد عمَّا أخذا به؛ لعنايتهما بالسنة كثيرًا
مسألة ائتمام المأمومين بالإمام إذا كان ذلك عن بُعْدٍ:، ولو كان بين الإمام والمأموم حائل
ويشترط الحنابلةُ أن يكون غير منفردٍ، يعني لو صلى اثنان، وكانا في المسجد يأتمَّان بالإمام، فهذا عند جمهور أهل العلم صحيح.
أمَّا الحالة الثانية: إذا كان خارج المسجد، وهذا يقع كثيرًا، وهذا له صور متعددة
مذهب الحنابلة يشترط أن يرى المأمومُ الإمامَ أو مَن وراءه، ولو في بعض الصلاة، وأن يمكن الاقتداء به، وألا يحول بينهما طريقٌ تسير فيه الدَّواب، أو تجري فيه السفنُ، فإذا حال ذلك فإنَّه عندئذٍ ينقطع الاقتداء.
أمَّا المالكية: فيشترطون السَّماع، ولو لم يكن هناك رؤية لمَن وراء الإمام، أو للإمام، ولو كان هناك فاصلٌ، فهم يُوسِّعون أكثر من الحنابلة في هذا الباب.
والشَّافعية يشترطون رؤية الإمام، أو بعض المأمومين، ولو كان ثَمَّ فاصلٌ.
إذن المالكية والشافعية لا إشكال عندهم في وجود فاصلٍ، كما هو الحال عند الحنابلة، ولذلك هم يشترطون إمَّا الرؤية أو السَّماع للإمام ومَن خلفه.
أمَّا الحنفية والحنابلة فيُضيِّقون، حيث يشترطون ألا يكون هناك فاصلٌ،
قال شيخُ الإسلام: "أمَّا صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائلٌ، فإن كانت الصُّفوف متصلةً -كما هو الحال في الحرم مثلًا، لمَن صلى في السَّاحات، والصفوف متصلة- جاز باتفاق الأئمَّة، سواء خارج المسجد، أو في المسجد -ما دامت الصفوفُ متصلةً-
وإن كان بينهما طريقٌ أو نهرٌ تجري فيه السفن"، يعني كان هناك فاصلٌ مثل الصلاة في العمائر البعيدة قليلًا عن الحرم، وهناك طرقات تسير فيها السَّيارات، ولا يُصلِّي فيها الناس.
لا ريب أنَّ ذلك جائزٌ مع الحاجة مطلقًا"
نخرج من كلام شيخ الإسلام تجويزه الصلاة في العمائر المجاورة للحرم إذا اشتدت الحاجةُ لذلك، كما في حال الزِّحام الشَّديد، ولو لم تكن الصفوف متصلةً، أو وُجِد حائل
&&&&&&&&&&&&&&&
مسألة: أهل الأعذار:
ويُراد بأهل الأعذار المرضى، والمُسافرين، ونحوهم، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
والمريض لا تسقط عنه الصلاةُ لمرضه، وإنما يأتي بها على حاله التي يقدر عليها، والمرض الذي يمنع من صلاة الجماعة هو المرض الذي يذهب معه خشوعُه فيما لو كان خشوعه وطمأنينته يذهبان لو صلى مع الجماعة؛ للمشقة التي تكون عندئذٍ،
الذين يتوسَّعون في القعود، فتجد بعضَهم يمشي إلى المسجد، وربما يقف عند المحل، فإذا جاء القيامُ في الصلاة جلس، وهذا نوعٌ من التَّفريط.
فينبغي ألا يُصار إلى الجلوس في الصلاة إلا بقدره، فإن كان ثَمَّ ألمٌ في ظهره، أو في رجله، أو نحو ذلك مُعتبرٌ، فإنه ينظر: إن كان يستطيع أن يقف بعضَ الصلاة فليقف، ثم يجلس ما عدا ذلك،
البعض إذا جلس يجلس كما يجلس في جلسة التَّشهد، وهذا مخالفٌ للسنة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا جلس تربَّع، فكان يُصلي مُتربِّعًا.
والتَّربع صفته معروفة لديكم، بحيث أنَّه يفرد رِجْلَيه يمينًا ويسارًا، ويُدخلهما في بعضهما، كما هي جلسة كثيرٍ من الناس الآن، ولا يفترش كما هو الحال في الجلسة بين السَّجدتين، أو جلسة التَّشهد.
وإن لم يستطع أن يُصلي قاعدًا فيُصلي على جنبٍ، ويكون ذلك على جنبه الأيمن؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُعجبه التَّيمُّن، فإن لم يتمكَّن من هذا ولا ذاك فإنه يُصلي مُستلقيًا على ظهره، فيُصلي على ظهره ورجلاه إلى القبلة، بحيث أنَّه لو أُقيم كانت صلاته كما هي حال صلاة المأموم أو الإمام المشروعة عند وقوفه.
وهل له إذا تعذَّر عليه ذلك -يعني الصلاة مُستلقيًا- أن يُصلي بالإيماء أو بالإشارة؟
هناك خلافٌ في ذلك بين أهل العلم، ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك حديثٌ صحيحٌ، لكن عموم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] يُفيد ذلك، وإن خالف فيه شيخُ الإسلام، حيث يرى أنَّه -والحالة هذه- تسقط عنه الصلاة، فلم تثبت، ولم تُشرع، يعني الصلاة بالإيماء لمَن لم يستطع الصلاة في تلك الأحوال.
مسألة: الجمع: فإن شقَّ على المريض أن يُصلي كلَّ صلاةٍ في وقتها، فإنَّه عندئذٍ يُشرع له الجمع.
فقد جمع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في المدينة من غير سفرٍ ولا مطرٍ، وهذا يكون مع الحاجة، وهو محمولٌ على أنَّه أراد ألا يُحرِج أمَّته، فيُحمل على وجود الحاجة عندئذٍ.
&&&&&&&&&&&&&&
المُسافر:
فمشروع الجمع في حقِّه والقصر، حيث إنَّ المسافر أيضًا من أهل الأعذار؛ لأنَّ السفر قطعةٌ من العذاب.
وضابط السفر عند جمهور أهل العلم ما كان على مسافة أربعة بُرُدٍ، وهي تقريبًا تُساوي الآن ما يُقارب الاثنين وثمانين كيلو، وبعضهم يزيدها قليلًا إلى ثمانٍ وثمانين،
وبعضهم ينقصها إلى أن تكون في السَّبعين، ما بين اثنين وسبعين، إلى ثمانٍ وسبعين.
المُعتبر عندئذٍ ما عدَّه الناسُ سفرا لان :
فإذا كان الحدُّ غير مذكورٍ أو مُعيَّنٍ شرعًا، فإن المُعتبر عندئذٍ هو عُرف الناس الصحيح، وعُرف الناس في الأسفار الآن يتفاوت من مكانٍ إلى آخر، ومن زمانٍ إلى آخر، فيُسن له عندئذٍ أن يَقْصُرَ، بل يُشرَع له ذلك بشكلٍ متأكِّدٍ، حتى قال بعضُ أهل العلم بوجوبه؛
والظاهر الاستحباب؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101]، وهذا نفيٌ للجناح، فيدل على الجواز
وله أيضًا أن يُفطِر في رمضان، هذا للمسافر؛ لأنَّه معذورٌ، وقد ترخَّص برخص السفر
ويكون المسافرُ مسافرًا بمُفارقته عامرَ قريته، بأن يخرج من عامر قريته، فلا يترخَّص وهو لا يزال في المدينة، فإذا خرج من عامر القرية فعندئذٍ يصدق عليه أنَّه أسفر عنها، فيكون مُسافرًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق