صلاة التطوع
وإنَّ من أبواب التطوع أنواعًا كثيرةً، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: سجود التلاوة، وسجود الشُّكر، فهي من أفعال التطوع، وإن لم تكن صلاةً، إلا أنها أحد أجزاء الصلاة.
ومن ذلك مثلًا: السُّنن الرَّواتب، وصلاة الوتر.
صلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، وغير ذلك من أنواع الصَّلوات
التَّطوعات تسُدُّ الخلل، وتمحو -بإذن الله تعالى- ما يقع من نقصٍ وقصورٍ في العبادة، فقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمِ الصَّلَاةُ، فَيَقُولُ اللهُ -وَهُوَ أَعْلَمُ: انْظُرُوا صَلَاةَ عَبْدِي، أَتَمَّهَا أَمْ أَنْقَصَهَا؟» فإن كانت تامَّةً كُتبت له تامَّة، وإن كان قد انتقص منها شيئًا قال: «انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟» فإن كان له تطوع قال: «أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرْضَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ» ثم تُؤخَذ الأعمال على ذلك. أخرجه أحمد، وأهل السنن، وصححه الألباني.
سجود التلاوة :
وسجود التلاوة قد جاء في القرآن في قرابة أربعة عشر موضعًا
حكمه من حيث الأصل هو: الاستحباب، فهو مسنونٌ، وهذا هو قول جمهور أهل العلم من: المالكية، والشافعية، والحنابلة
قول الحنفية، وهو اختيار ابن تيمية- أن السجود واجب.
قول جمهورُ أهل العلم أقوى)
سؤالٌ: هل يُشرَع لسجود التلاوة تكبيرٌ؟ وهل تُشترط له الطَّهارةُ؟ وهل يجب له استقبالُ القبلة؟
هذه الأسئلة كلها تعود إلى مسألةٍ واحدةٍ، وهي: هل سجود التلاوة صلاة، فيأخذ حكمها، وشروطها، أم لا؟
هذه المسألة مما اختلف فيها الفقهاءُ، والراجح فيها أنَّ سجود التلاوة ليس صلاةً، وإنما هو جزءٌ من أجزاء الصلاة، فلا يأخذ حكمها
ولذلك اختلف الفقهاء في حكم التكبير له، فإذا أردت أن تسجد للتلاوة هل تقول: الله أكبر وتسجد، أم تسجد مباشرةً من غير أن تُكبِّر؟ سواء كان ذلك في صلاتك، أو كان ذلك خارج الصلاة، ويتبين هذا أكثر فيما كان خارج الصلاة
ذهب الحنفية -وهذا رواية عن بعض الشافعية وبعض الحنابلة- إلى أنه يُكبِّر للسجود، وإن كان لا يُكبر للرفع منه.
أمَّا القول الثاني فهو قول الجمهور: أنَّه يُكبِّر للسجود، ويُكبِّر عند الرفع منه.
قولٌ ثالثٌ، وهذا القول هو مذهب الحنفية في قولٍ عندهم، وهو أيضًا قولٌ عند المالكية، فإنهم اختاروا ما اختاره أيضًا شيخُ الإسلام ابن تيمية: في أنَّه لا يُكبِّر عند السجود، لا ابتداءً، ولا رفعًا
(لا يُشرَع رفع اليدين عند سجود التلاوة؛ لأنَّ الوارد في ذلك هو التكبير على ضعفٍ فيه، أمَّا رفع اليدين فإنَّه لم يرد، ولأجل القياس على سجود الصلاة أيضًا، فسجود الصلاة لا يُشرع فيه رفع اليدين)
سجود التلاوة ليس صلاةً من حيث اشتماله على أحكامها، سواء كان ذلك في التكبير ورفع اليدين، أو في استقبال القبلة والطهارة ونحو ذلك، فإنَّه أيضًا يجوز إيقاعه في أوقات النهي، على الراجح من أقوال أهل العلم.
ماذا يقول في سجود التلاوة إذا سجد؟
يقول الذكر الوارد في السُّجود، وهو "سبحان ربي الأعلى
ويقول أيضًا: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللَّهمَّ اغفر لي".
إلا أنَّ ثَمَّ ذكرًا جاء بخصوصه في سجود التلاوة، ومنه ما جاء عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في سجود التلاوة: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ»، وهذا الحديث فيه ضعفٌ، لكن يشهد له حديثُ عليٍّ الصحيح، وفيه: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ».
وقد جاء في حديث ابن عباس أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سجد قال: «اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلَهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ»، فهذا جاء عند الترمذي، وحسَّنه، كما حسَّنه النووي وابن حجر، فإن قال هذا فحسن.
سجود التلاوة مسنونٌ للقارئ والمستمع، ولذلك لا يُشرَع للمُستمع أن يسجد إذا لم يسجد القارئ؛ لأنَّ القارئ في حقِّه كالإمام مع المأموم.
&&&&&&&&&&&&&&&&&
سجود الشكر:
وسجود الشكر مسنونٌ إذا تجددت نعمةٌ، أو اندفعت نقمةٌ،
يكون السجودُ في غير الأحوال المعتادة، فلا يسوغ مثلًا لشخصٍ يسجد للشكر أن يقول: تذكرت نعمة الله عليَّ بالإسلام، أو شكرتُ الله -جل وعلا- على ما مَنَّ عليَّ به مثلًا من ولدٍ، وزوجةٍ، ومالٍ، أو يقول: تأمَّلتُ فنظرت في صحتي، فوجدتُ أنني أتمتع بالصحة والعافية، فسجدتُ شكرًا لله
فهذه النعم المستقرة لا يسجد لها شكرًا، وإنما يشكر الله عليها ذكرًا وفعلًا، لكن من غير أن يخصها بسجود
لا تجب له الطهارة، ولا استقبال القبلة، ولا أيضًا التكبير، ولا رفع اليدين من باب أولى؛ وذلك لأن المرء يُبشَّر بمثل هذا على سبيل المفاجأة، فلذلك كان الأكمل في حقِّه أن يُبادر بالسجود، ولو أمكنه أن يكون على طهارةٍ كان أكمل، سواء كان ذلك في سجود التلاوة، أو كان في سجود الشكر، وهو أحوط عند القائلين بإيجاب أو باشتراط الطهارة، لا سيَّما في سجود التلاوة
الفروق بين سجود التلاوة وسجود الشكر: أن سبب سجود التلاوة هو قراءة آية سجدة، بينما سبب سجود الشكر هو السُّرور أو النعمة الطارئة، فذاك سببه شرعي، وذاك سببه كوني.
سجود التلاوة يُشرع في الصلاة وخارجها، بينما سجود الشُّكر لا يُشرع إلا خارج الصلاة، بل لو أتى بسجود الشكر في الصلاة لبطلت؛ لأنَّه أتى بفعلٍ ليس منها،
&&&&&&&&&&&&&&
صلاة التطوع :
وصلوات التطوع يُراد بها الصلاة غير المفروضة،
آكد صلوات التطوع: الرَّواتب
ويُراد بالرواتب السنن الدائمة المُستمرة، وهي تابعة للفرائض، ولذلك قدَّمها الفقهاءُ على غيرها، ومنزلتها في صلوات التطوع تأتي بعد صلاة الوتر
تُشرع النوافل في البيت على سبيل الأفضلية
سؤال إذا كنت في مكة، فما الأفضل: أن تُصلي النافلة في الحرم، أم تُصليها في البيت؟ وما الدليل؟ أو كنت في المدينة.؟
{الأفضل في البيت}.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الحديث عن فضل النافلة في البيت وهو في المدينة ويعلم بمضاعفة الأجر في مسجده
الأقرب أن السنن الرواتب عددها اثنا عشر.
جاء من الأدلة ما يدل على صلاته -عليه الصلاة والسلام- سننًا قبل أو بعد الفرائض، ولم تكن من الرَّواتب، ما الفرق بينها وبين الرواتب؟
الفرق الأهم: أنها لم تكن على سبيل المداومة والمحافظة.
من ذلك مثلًا الأربع قبل العصر، وفيها حديث أحمد وأبي داود والترمذي، وحسَّنه: «رَحِمَ اللهُ امْرَءًا صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا».
وهذا بناءً على القول بصحة هذا الحديث، وإلا فإنَّ بعض أهل العلم قد ضعَّف هذا الحديث، وذلك لتفرد الراوي -وسمُّوه عاصمًا- به عن غيره من الرواة الذين هم أحفظ منه، ولذلك لم يُصحح هذا الحديث شيخُ الإسلام ابن تيمية، بل كان يُنكره جدًّا، وعليه أيضًا سار ابنُ قيم الجوزية، فرأوا أنَّ هذا الحديث لا يصح عن خير البرية -عليه الصلاة والسلام
ومن الأحاديث أيضًا حديث عبد الله بن مُغفَّل المُزني، ولكنه حديث صحيح، وهو: "«صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، لِمَنْ شَاءَ» كراهية أن يتخذها الناس سنة".
والأصل في هذه السنة -وهي سنة ما قبل المغرب- والمراد بها بعد الأذان؛ لأنَّ ما كان قبل الأذان فهو من أوقات النهي، بل هو من أوقات النهي المُغَلَّظ؛ لأنَّ الشمس تكون عندئذٍ بين قرني شيطانٍ.
إذن المراد بها ما كان بين الأذانين، كما جاء في الحديث الآخر في الصحيح: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» ثلاثًا، وقال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ» "كراهية أن يتَّخذها الناسُ سنةً".
آكدها سنة الفجر؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قالت عائشة: "لم يكن على شيءٍ من النوافل أشد تعاهُدًا منه على ركعتي الفجر"، كما جاء ذلك في الصَّحيحين، وفي حديثها الآخر الذي أخرجه مسلم قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
لم يكن يدعها في حضرٍ ولا سفر
قال ابنُ القيم: "لم يكن يدعها هي والوتر سفرًا وحضرًا"
كما أنَّها تُخَفَّف، ولذلك كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث عائشة "يُخفف الرَّكعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني أقول: هل قرأ بأم الكتاب؟" يعني هل تمكَّن من أن يقرأ؟! لكونه يختصر في قراءته، وذلك دالٌّ على تخفيفه الشَّديد.
يُشرع فيها أن يقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، في الركعتين، كما جاءت أيضًا قراءته -عليه الصلاة والسلام- فيها بـ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136]، وبقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64].
هل يُشرع قضاء الرَّواتب أم لا؟
مَن فاته منها شيءٌ بعذرٍ فإنه يُشرَع له قضاؤه؛
وفي حديث أم سلمة: لما شُغِل عن الرَّكعتين بعد صلاة الظهر، قضاهما بعد صلاة العصر، والحديث متفق عليه.
إذن نشير هنا إلى أنَّه إنما يقضي مَن كان يُحافظ على الصلاة الرَّاتبة، أمَّا مَن لم يكن محافظًا عليها فإنَّه عندئذٍ لا يقضيها.
هل تُقضَى في أوقات النهي؟
الجمهور على أنَّها لا تُقضَى في أوقات النهي؛ لعموم أدلة النهي
وهذا مخالفٌ لقول الشافعية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد قالوا بقضائها حتى لو كان ذلك في أوقات النهي؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أم سلمة المتقدِّم.
لذلك قوَّى البعضُ ما ذهب إليه المُحقِّقون من أنَّ السنن الرواتب تُقضَى بعد انقضاء أوقات النهي، فلا حاجةَ عندئذٍ لفعلها فيها، وفيه جمعٌ بين الأدلة؛ لأنَّ وقتها عندئذٍ لا يفوت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق