الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

الفقه ( المحاضرة السادس عشر )

                                       

مسألة،
 لو قال قائل: إذا كان عليَّ وضوء وهو يدافع البول أو الريح، لكن لو قضى حاجته، لم يكن عنده ماء يتوضأ به،
ويشكل عليه أنه ليس عنده ماء فيضطر إلى التيمم، فما هو الأوفق في حقه؟
يقضي حاجته ويتيمم
لأن جاء النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، لكن لم يأت النهي عن الصلاة بالتيم

مسألة أخرى: لو قال شخص أنا.. لو وقع عنده أيضًا مدافعة للأخبثين، وقال: لو أني قضيت الحاجة ثم توضأت خرج الوقت، فأيهما عندئذ يقدَّم؟ هل يصلي في الوقت، ولاحظ أن شرط الوقت هو أهم الشروط، أم يكون على حاله التي هو عليه مدافعًا للأخبثين، ويصلي في الوقت حتى يتمكن من إدراك هذا الشرط؛ لأنه لو لم يصنع ذلك خرج عليه الوقت.؟
نقول: إن كانت المدافعة شديدة فلا يدري ما يقرأ معها، أو كيف يصلي وهي عليه، وربما خشي أن يخرج منه أيضًا الريح مثلاً، أو أحد الأخبثين وهو يصلي، فإنه ينبغي ألا يكون ثمَّ خلاف في تقديم عندئذ قضائه حاجته، ثم وضوئه ولو خرج الوقت.
أما إن كانت الحال دون ذلك، يعني يمكنه أن يواصل في الصلاة، يمكنه أن يعقل شيئًا منها، لا يخشى أن يخرج عليه شيء أثناءها، ولكنه أيضًا يدافع كما جاء في النص «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»، فهو يدافع ذلك، فعندئذ نفصَّل

نقول: إن كانت الصلاة تُجمع إلى ما بعدها، مثل كانت صلاة الظهر مثلاً، فيمكنه أن يجمعها مع العصر لو خرج وقتها، فإنه لا إشكال عندئذ من الجمع؛ لأن الجمع للحاجة، وهذه حاجة ظاهرة، إن كانت لا تُجمع، كما لو كانت صلاة الفجر، أو كانت صلاة العصر، آخر وقتها، أو صلاة العشاء آخر وقتها، فثم قولان: جمهور أهل العلم يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين؛ لأن شرط الوقت هو أهم الشروط، وهذا القول وهو قول الجمهور، وهو يقوم -كما ذكرنا- على أدلة الشارع التي جاءت وتتابعت في التأكيد على أهمية شرط الوقت

القول الثاني: يقضي حاجته ويصلي، ولو خرج الوقت، وهذا الحقيقة قول قوي؛ لأنه امتثال للنص، ولأنه متلبث في عذر يمنعه من الصلاة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان».

أما كراهية الصلاة بحضرة الطعام، وهي الشق الثاني في الحديث، فيمكن أن نقيدها بقيود:
القيد الأول: أن يكون هذا الطعام حاضرًا، بمعنى: أن يكون قد تم إعداد الطعام وتجهيزه
(الطعام المقدم الجاهز للأكل)
القيد الثاني :
أن يكون الطعام مما يُقدر على تناوله حسًّا وشرعًا، يعني بمعنى أحيانًا الشخص يكون صائم، فلا قيمة لحضور الطعام في مثل تلك الحالة، سواءً كان صوم فرضًا أو نفلاً، أو يكون هناك منع حسي، يكون مريضًا، أو يكون هناك ما يمنعه من أكل هذا الطعام،
القيد الثالث
أضاف بعض الفقهاء أيضًا: تتوق النفس إليه، فلو لم يكن الشخص يتوق إلى الطعام، الطعام حاضر، ولا مانع، ولكنه لا رغبة له فيه، وهذا القيد الذي ذكره الحنابلة وغيرهم، له وجه الحقيقة؛ لأن المقصد ظاهر من مثل هذا المنع، لما في ذلك من اشتغال الذهن وانصراف القلب وعدم الخشوع، أو وضعف الخشوع في مثل تلك الحالة..
ربما يكون ممن لا يحب مثل هذا الطعام، أو شخص ليس جائعًا، فكيف نقول عندئذ أن لك عذرًا في ترك الصلاة؟ هذا -كما ذكرنا- غير وارد في مثل تلك الحالة.

هل هذا النفي «لا صلاة» نفي للصلاة، هل هو نفي للصحة أو للكمال، يعني لو صلى وهو يدافعه الأخبثان، أو صلى وهو بحضرة طعام، هل صلاته صحيحة أم باطلة؟
{صحيحة}.
صحيحة، نعم هو قول الجمهور، يرى الجمهور أنه نفي للكمال فيكره للمرء أن يصلي في هذه الحال
لكن لو صلى فصلاته صحيحة،

هل يقوم حال ما يقضي نهمته؟ أو أن قيامه يكون بعد فراغه من الأكل تمامًا؟ أو هو بمجرد اللقمة واللقمتين ليسد شيئًا من جوعته؟
الأقرب -والله أعلم- أنه لا يقوم حتى يقضي من الطعام نهمته، يعني حتى لا يكون هناك تعلق بهذا الطعام، بحيث أنه يكون شبع منه أو كاد،

أيضًا مما هو مكروه في الصلاة: افتراش الرجل ذراعيه في السجود، والافتراش بهذه الطريقة، بحيث أنه يضع ذراعه على الأرض، فيكون كما هو حال السباع،

إذن: مشابهة الحيوانات في الصلاة كلها من مواضع الكراهة التي أكد الشارع على الابتعاد عنها.

أيضًا تغميض العينين هذا من مواضع الكراهة لأنه من أفعال اليهود
ولذلك أشار ابن القيم في كتابه العظيم "الهدي النبوي" المشهور بـ"زاد المعاد" إلى هذا، ثم قال: "وكرهه جماعة؛ لأنه فعل اليهود -يعني تغميض العين- وأباحه جماعة ولم يكرهوه؛ لأنه أقرب إلى تحصيل الخشوع، قال: والصواب إن كان لا يخل بالخشوع، فهو أفضل -يعني فتح العينين- وإلا فقد يكون مستحبًا لا مكروهًا وهو أقرب لقصد الشرع"، يعني إذا كان المرء يحتاج إلى تغميض العينين لأجل أن يخشع، مثل أن يكون في جهته ما يشغله، من تصاوير، أو من أناس، أو من أشكال وألوان، فإنه عندئذ إذا أغمض عينيه، وكان ذلك له أخشع، فليس مكروهًا، بل كما يقول ابن القيم قد يقال بأنه يستحب، وهذا الفقه الحقيقة،

مسألة الصلاة في الكنيسة، لاسيما وأن الكيسة فيها أيضًا التصاوير، وفيها ما يشغل الإنسان ونحو ذلك، الفقهاء اختلفوا فيها على أقوال، منهم من منع هذا مطلقًا، وهذا مذهب مالك، ومنهم من أذن في الصلاة في الكنيسة مطلقًا، وهو قول لبعض أصحاب الإمام أحمد، وقول ثالث وهو مأثور عن عمر -رضي الله تعالى عنه- وعن غيره، وهو قوي، التفصيل: إن كان فيها صور لم يصل فيها؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يدخل الكعبة حتى محى ما فيها من الصور، ولذلك جاء عن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: "إنا لا ندخل كنائسهم والصور فيها"، وهذا منقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية، منقول عنه اختياره.

المكروهة أيضًا ما يخص جبهته بما يسجد عليه؛ لأن ذلك من شعار الرافضة، فكرهه الفقهاء بما فيه من التشبه بأهل الباطل.

ومن المكروهات: عقص الشعر، ما المراد بعقص الشعر؟ أي ليه وإدخال أطرافه في أصوله، وكفه -أي الشعر- وكف ثوبه ونحوه، أي نحو كف الثوب، وهو أيضًا جمع الشعر على الرأس وشده بشيء حتى لا ينحل، وهذا كما لا يخافكم يصنعه النساء كثيرًا.

هل النهي هذا يشمل النساء؟
قال
الحافظ العراقي صاحب الألفية الشهيرة، والمحدث المعروف، قال: "وهو مختص بالرجال دون النساء؛ لأن شعورهن عورة يجب سترها في الصلاة وفيه مشقة عليها في نقضه يعني على المرأة مشقة في أن تؤمر بنقضه للصلاة، وقد رخَّص لهن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ألا ينقضن شعورهن في الغسل"، مع أن النقض أحوج لإيصال الماء فهنا من باب أولى

مسائل السهو:
المسألة الأولى: أسباب السهو،
إما أن يكون زيادة، أو نقصًا، أو شكًا،

أن يكون ثم شك، والشك يا إخوة لا يخل من حالتين
إما أن يكون شك من غير ترجح.
أو يكون شك مع ترجح.

فإن كان شكًا من غير ترجح :
يسجد للسهو، ويكون ذلك قبل السلام

وإن كان مع ترجح :
فإنه يسجد بعد السلام،

حكم سجود السهو مشروع، والمشروع يطلق، فيراد به المستحب، ويراد به الواجب عند الفقهاء، وهذا يشير إلى مسألة، وهي: هل يشرع سجود السهو على ترك المسنون؟ أم لا؟

الحقيقة أن هذه المسألة مما ذكره الفقهاء، وقالوا: إذا ترك الإنسان قولاً أو فعلاً من المسنونات، وكان قد اعتاد على فعله، فإنه يستحب له أن يسجد سهوًا لتركه

أما من لم تكن عادته أن يأتي بهذه السنة؛ لأنها غير واجبة أساسًا فلذلك قد يكون بعض الناس أصلاً لا يأتي بها، مثل رفع اليدين إذا أراد أن يكبر لتكبيرة الإحرام، أو إذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، لو ما رفع يديه، هل يسجد للسهو وهو لا يعتاد ذلك؟، فنقول عندئذ لا يسجد للسهو،


هل يشرع ذلك في جميع الصلوات سجود السهو؟
الضابط يا إخوة: أنه مشروع في كل صلاة فيها سجود، أما إذا كان الصلاة إذا كان لا سجود فيها، فإنه لا يسجد للسهو فيها، مثل ماذا؟ مثل صلاة الجنازة، لأنه في حقيقة الأمر هذه الصلاة لم يُشرع فيها سجود من أصله، فكيف نشرع فيها سجودًا في جبرها؟

وكذلك لو كان سجود مثلاً تلاوة، أو سجود شكر، لو شخص في سجود التلاوة سهى، فنقول: يسجد للسهو؟ قالوا: هذا لا يتصور أيضًا، لماذا؟ لأنه سيؤدي إلى أن يكون الجبر أكثر من الأصل

وكذالك من سجد للسهو سهى، كيف يسهو في سجود السهو؟ يعني مثلاً سجد ثلاث سجدات، أو سجد سجدة واحدة، أو سجد ثم رفع ولم يذكر شيئًا، تصورتم؟ فإن هذا كله لا يُشرع فيه سجود السهو؛ لأنه سيؤدي إلى التسلسل،

إذا كان السهو عن نقص سجد قبل السلام، وإذا كان عن زيادة سجد بعد السلام، وإن كان عن شك فإنه يتحرى الصواب، فإن غلب على ظنه يعني مال إلى أحد الأمرين عمل به وسجد بعد السلام، وإن لم يغلب على ظنه استوى عنده الأمران فإنه يبني على اليقين وهو الأقل وعندئذ يسجد قبل السلام، ، وهذا رواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام، وهذا القول عندي هو أظهر الأقوال؛ لأن فيه جمعًا بين النصوص

مسألة من سهى مرارًا هل تكفيه سجدتان؟ أم لكل سهو سجدتان؟
تكفيه سجدتان

هل يلزم المأموم أن يسجد للسهو؟ الظاهر أنه لا يلزم المأموم ذلك إلا تبعًا لإمامه وهو قول عامة أهل العلم؛


ملاحظه
(إذا سلم قبل تمام صلاته ناسيًا، وهذه من حالات الزيادة، إن لم يذكر إلا بعد زمن طويل أعاد الصلاة من جديد، لكن إن ذكر بعد دقيقة أو دقيقتين أو ثلاث زمن يسير، فإنه يرجع ويكمل، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في قصة ذي اليدين.)

(النقص لا يخلو إما أن يكون نقص للأركان، أو نقصًا للواجبات، إن كان نقصًا لتكبيرة الإحرام، فلا صلاة له، وإن كان نقصًا يعني ترك شيئًا غير تكبيرة الإحرام، فإذا وصل إلى موضعه من الركعة الثانية التغت الركعة الأولى، وقامت هذه مقامها، ويسجد للسهو بعد السلام، فأما إن لم يصل إلى موضعه من الركعة التي تليها فإنه يجب عليه أن يعود إلى الركن المتروك، فيأتي به وبما بعده ثم يسجد للسهو بعد السلام.)





فقه العبادات ( المحاضره الخامسه عشر )

                   

مُفسدات الصلاة، ومكروهاتها،

الخشوع :
إن الخشوع في الصلاة من واجباتها، وتركه إمَّا أن يكون من مُبطلاتها، أو مكروهاتها، فكان موضوعها الحسن أن يكون هنا بين المكروهات والواجبات

 الأسباب المعينه على الخشوع :
 && إستحضار عظمت من تريد الوقوف بين يديه
&& أن يتعلم المؤمنُ صفةَ الصلاة
&& أن يتعلم المؤمنُ أذكارَ الصلاة وأن يفقهها
&& أن تتدبر الذِّكْر الأعظم في الصلاة، وهو كتاب الله -سبحانه وتعالى- فتدبر القرآن له أثرٌ عجيبٌ في الخشوع في الصلاة، فإنما نزل لنتدبر هذا الكلام من الله -سبحانه وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾


المفسدات: فيُراد بها المُبطلات، والمُبطلات إنما تكون بترك ركنٍ، أو شرطٍ، وهو قادرٌ عليه، فإنَّ ذلك يُبطل الصلاةَ، سواء كان ذلك عمدًا أو سهوًا أو جهلًا، فإنَّه لا يُعذر المرء بترك الرُّكن أيًّا كان ذلك، ولابد أن يأتي به.

وكذا لو ترك شرطًا: كالوضوء، أو استقبال القبلة، فلو صلى جهلًا إلى جهةٍ غير جهة القبلة، فإنَّه يُؤمَر بالإعادة، عمدًا كان ذلك -كما ذكرنا- أو سهوًا أو جهلًا؛ وذلك لأنه ترك ما لا تتم العبادةُ إلا به، وما لا تتم العبادة إلا به يبطل بتركه.

أمَّا ترك الواجب فإنه كذلك تبطل به الصلاةُ إذا كان عمدًا، فإن كان سهوًا فإنَّه يأتي بسجود السَّهو،

ومن المُبطلات للصلاة
الكلام عمدًا، والقَهْقَهة، والحركة الكثيرة، وهذه ثلاث مُبطلات سردناها في موضعٍ واحدٍ؛ وذلك لأنَّ تلك الأشياء ليست من الصلاة، وهذه الصلاة كما قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»، كما روى ذلك مسلمٌ

ابن المنذر قد نقل الإجماعَ على أنَّ الضحك يُفسِد الصلاة، وهذا  يُحمَل على ما كان منه قهقهة، أمَّا ما كان يسيرًا، أو لا يكاد يبين، فإنَّ القول بعدم إبطاله للصلاة قوي، لاسيَّما إذا كان مثله يصعب دفعه

مما يُبطل الصلاةَ عند كثيرٍ من الفقهاء: الحركة الكثيرة المُتوالية عُرْفًا بغير ضرورة

بعض الفقهاء ضبط هذا بالحركتين من غير جنس الصلاة، وبعضهم ضبطها بالثلاث، وبعضهم بالأربع.
والظَّاهر أنه لا دليل على مثل هذا التحديد، وليست الحركة الكثيرة بالحدِّ، وإنما هي -كما ذكرنا- بالعُرْف
ولذلك لابُد أن تكون كثيرةً ومُتواليةً، بحيث لا تكون مُتفرقةً في الصلاة
وأيضًا أن تكون لغير ضرورةٍ،

فأمَّا إذا كانت لضرورةٍ فإنَّه والحالة هذه لا تبطل معها الصلاة، ولذلك قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ»، ولا يُتصور أن يقتل شخصٌ عقربًا أو حيَّةً في الصلاة وهو يقف خاشعًا لا يتحرك من مكانه، كيف يقتلها؟! بنظره! فلابُد إذن أن يُتابعها، وأن يأخذ حجرًا أو عصًا أو نحو ذلك فيضربها، وسيتحرك من موقعه، فهذا كله مما أُمِر به، وهو لا يُفسد الصلاة؛ لأنَّه لضرورةٍ، كما لا يخفى عليكم.

من السنن التي ينصرف عنها كثيرٌ من الناس، فتجد البعضَ وهو يُصلي إذا جاءه صغيرٌ دفعه مثلًا، أو تنحنح فرَوَّعَه، والسُّنَّة في هذا أن يحمله معه ويُصلي، فإذا ركع وضعه، وإذا قام حمله معه

وقد جاء من أنواع الحركة المشروعة في الصلاة أيضًا: رد المار بين يدي المصلي

الواجب من الحركة، وهو الذي يتوقَّف عليه صحة الصلاة، وهذا من ألوانه أو أشكاله فيما إذا كان مُتَّجهًا لغير القبلة، فيجب عليه عندئذٍ أن يُغيِّر من اتجاهه إلى القبلة، فهذه حركة واجبة.

والمباح من أنواع الحركة: ما يكون يسيرًا، واليسير للحاجة، أو الكثير إذا كان للضَّرورة،

وهناك من الحركات ما يكون مندوبًا، وهذا مثاله ما لو كان مكان صلاته مُشغِلًا له، كما لو كانت فيه صورٌ، وتزحزح عنه قليلًا؛

ما يكون مكروهًا، وهذا كما لو كانت الحركةُ يسيرةً لغير حاجةٍ، ومن صور ذلك: النظر إلى الساعة في الصلاة، فهذه من صور الحركة المكروهة؛

أمَّا المُحَرَّم فهو ما لو كانت الحركةُ كثيرةً متواليةً لغير حاجةٍ ولا ضرورةٍ،فهذا مما يُبطل الصلاة


مسألة السُّترة؛
الأصل في حكمها الاستحباب، وهذا مذهب جمهور أهل العلم؛

مقدار السُّترة: فهي كما قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ»، والْمُؤْخِرَةُ هي: ما يُوضع فوق البعير ونحوه مما يُتَّكأ عليه، وهي عادةً تُقارب الثُّلثي ذراع، أقل من ذراع.

ولم يصح في السترة حديث الخَطِّ ونحوه، وإنما يصلي المرء إلى شيءٍ يستره، وهذا يكون بمقدار هذه الْمُؤْخِرَة

هل تبطل الصلاةُ بمرور الناس بين يدي المُصلي؟
نقول: إن كان من وراء السُّترة فلا شكَّ أنَّ السترة تحجزه دونهم، ولا تبطل عندئذٍ الصلاة، أمَّا إذا كان ذلك دونها، فتقطع هذه الصَّلاة:
  المرأة، والحمار، والكلب الأسود على قولٍ.

والقول الثاني: يقطع الصلاةَ الكلبُ الأسود فقط.
والقول الثالث: أنَّه لا يقطع الصلاةَ شيءٌ.
وهذا الثالث -وهو القول بأنَّه لا يقطع الصلاةَ شيءٌ- هو مذهب جمهور أهل العلم، واستدلُّوا على هذا بحديث أبي سعيدٍ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَؤُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ»، والحديث عند أبي داود، وقد جاءت أيضًا روايات أخرى بمعناه.

وهذا القول قويٌّ، وهو أنَّ الكلب الأسود، والمرأة، والحمار إذا مرَّت بين يدي المُصلي دون السُّترة -يعني قريبةً منه- فلم تحُل بين المُصلي وبينها سُترة، فإنَّه عندئذٍ تنقطع صلاتُه، وتلزمه إعادتها.
وهذا القول هو رواية عند الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية،


                                    &&&&&&&&&&&&&&

مكروهات الصلاة:

الالتفات في الصَّلاة
والالتفات أنواع: فهناك التفاتُ قلبٍ، والتفاتٌ بالوجه، والتفاتٌ بالبدن.

أمَّا الالتفات بالقلب فيُعنَى به ترك الخشوع، وهذا -كما ذكرنا- قد يكون مُحرَّمًا، وقد يكون مكروهًا، فأمَّا كونه مُحرَّمًا فيما إذا ذهب بأصل الخشوع، وقد يعود على الصلاة عندئذٍ بالإبطال،
وأمَّا المكروه فإذا كان يسيرًا لا يُؤثِّر، أو لا يغلب على الصلاة، ولا يذهب بأصل خشوعها،

أمَّا الالتفات بالبدن كله -وهذا هو النوع الثالث من أنواع الالتفات- فإنَّه يُبطِل الصلاة، لماذا يُبطل الصلاة؟
{لأنَّه أخلَّ بشرط استقبال القبلة}.

إذن متى يجوز الالتفات؟
يجوز الالتفات إذا كان يسيرًا، أو كان لحاجةٍ، ما لم يكن ذلك بالبدن، فإنما يكون للضَّرورة، كما هو الحال في صلاة الخوف،
حتى في حالة الالتفات بالبدن في الضَّرورة فإنَّ المرء يسعى إلى إصابة القبلة ما أمكنه ذلك

فمن حالات جواز الالتفات: الحاجة، كما جرى للنبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حُنين، حين أرسل عينًا تترقب العدو، فكان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُصلي ويلتفت نحو الشِّعْب الذي تأتي منه العين، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضًا أمر من أصابه الوسواسُ أن يتفُل عن يساره ثلاث مراتٍ، وألا يتفُل قِبَلَ وجهه، وهذا فيه إشارةٌ إلى جواز الالتفات للحاجة.
ومثله المرأة التي يكون معها صغيرُها، فتضطر إلى أن تلتفت حتى تنتبه إليه، فلا يضيع عنها، وهذا -كما ذكرنا- فيه حاجةٌ تُجيز عندئذٍ هذا الالتفات


أمَّا الالتفات بالبصر فيُكرَه لعموم النَّهي، ومنه رفع البصر إلى السَّماء، وهذا قد يصل إلى حدِّ التحريم: «أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ»، كما قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم

من المكروهات في الصلاة: ما يمكن أن نُشير إليه بوضع اليد على الخَاصِرة، حيث إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يُصلي الرجلُ مُخْتَصِرًا

أيضًا من المكروهات: تشبيك الإنسان أصابعه في الصلاة:

وهكذا كل صفةٍ كانت تَشِي أو تُشعِر بالانصراف عن الخشوع أو ضعفه، فإنَّها تكون عندئذٍ مكروهةً، ما لم تعد على أصل الخشوع فتكون عندئذٍ محرَّمة

ومن المكروهات أيضًا: فرقعة الأصابع:
المكروهات في الصلاة: أن يجلس فيها مُقْعِيًا كإقعاء الكلب:

ومن المكرهات نقرةٍ كنقرة الدِّيك، وإقعاءٍ كإقعاء الكلب، والتفاتٍ كالتفات الثَّعلب"

أيضًا مما يُكرَه: أن يدخل في الصلاة وقلبُه مُشتغلٌ بمُدافعة الأَخْبَثَين، أو كان بحضرة طعامٍ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ»، والحديث متَّفقٌ عليه.
ويُراد هنا بقوله: «لَا صَلَاةَ» يعني لا صلاةَ كاملة، وليس المراد: لا صلاةَ مُجزئة، أو صحيحة

قاعدة - كلُّ ما نافى كمالَ الخشوع فإنَّه يكون عندئذٍ مكروهًا
وقد يذهب أصل الخشوع فيكون عندئذٍ مُحرَّمًا




الخميس، 26 ديسمبر 2013

الفقه (الدرس الرابع عشر)



بعد السلام نحرص على الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم

مخالفات يقع فيها بعض الناس بع السلام من الصلاة
ألا يذكر بعد الصلاة إلا ما ورد، لاسيَّما فيما يكون متَّصلًا بها،
بعض الناس يرفع يديه للدُّعاء بعد الصلاة، وهذا أقرب إلي الإبتداع .
بعض الناس يُردد هذه الأذكار بصوتٍ جماعيٍّ، ويجتمعون على هذا، وهذا لم يُنقَل عن النبي -صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابه .

أركان الصلاة:
أربعة عشر ركنًا، والبعض يجعلها اثني عشر ركنًا
وأيًّا كان هذا أو ذاك فإنَّه عادةً يعود إلى تقسيم الرُّكن الواحد إلى أكثر من قسمٍ، فمثلًا بعضهم يجعل الرَّفعَ من السُّجود ركنًا، والجلسة بين السَّجدتين ركنًا، وبعضهم يجعل هذا وهذا ركنًا واحدًا، وبعضهم يجعل الاعتدالَ من الركوع ركنًا، والركن الكائن بين مجرد الرفع والقيام والانتصاب قائمًا ركنًا آخر، وبعضهم يُدمجه فيجعل هذين الرُّكنين ركنًا واحدًا، فبناءً على الدَّمج والجمع تكون الأركان اثني عشر ركنًا، وبناءً على التفريق تكون أربعة عشر ركنً

الأركان القوليَّة:
 تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والتَّشهد الأخير، والتَّسليم.

وقلنا: الواجب:بمعنى الرُّكن، لكن أردنا أن يشتمل على الشَّرط؛ لأنَّه أمر بإسباغ الوضوء، والمراد بإسباغ الوضوء الوضوء الواجب المُجْزِئ، ومن المعلوم أنَّ الوضوء شرطٌ، ولذلك إن قلنا أنَّه واجبٌ لا تصلح أو تصح الصلاةُ إلا به، فلعله يشمل ما كان شرطًا -كالأمر بإسباغ الوضوء وما كان ركنًا -كباقي الأركان

 تكبيرة الإحرام : والمشروع عند قولها رفع اليدين استحبابًا.

قراءة الفاتحة: وقراءة الفاتحة ركنٌ لا تصح الصلاة إلا به؛
وهذا الرُّكن بلا إشكالٍ فيما يتصل بالإمام والمُنفرد، فيجب عليهم قراءة الفاتحة، ولا تصح صلاتُهم من غير قراءتها عند عامَّة أهل العلم
فقراءة المأموم قد اختلف الفقهاءُ فيها على أقوالٍ، من أشهر هذه الأقوال القول القائل بوجوبها على الإمام والمنفرد، دون المأموم؛ وذلك لحديث أبي هريرة أنهم كانوا يقرؤون خلف إمامهم، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فانتهى الناس عن القراءة خلف الإمام، هذا عند أبي داود، وهو أصح عندهم من حديث عُبادة: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟!» قلنا: نعم، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».

الإمام أحمد يذهب -كما هو قول الجمهور- إلى عدم وجوب القراءة على المأموم، واستدلَّ على ذلك بالآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، قالوا: إنَّ هذه الآية كما جاء في النص إنما نزلت في الصلاة: "اجعلوها في صلاتكم"، وهذا القول قوي في حقيقة الأمر لماذا؟
لأنَّ التَّأمين أيضًا هو إشراكٌ للمأموم وإثباتٌ للحكم له، وإصغاؤه لا انشغاله عن هذا الدعاء المتضمن في الفاتحة بقراءته هو الأقرب لمقصود الشَّارع.
وممن اختار هذا القول شيخُ الإسلام -رحمه الله تعالى.
ومن أدلتهم أيضًا أنَّ الإنسان إذا كان يستمع لهذه القراءة فله حكم مَن قرأ؛ بدليل أنَّه يُسنُّ للمُستمع المُنصِت إذا سجد القارئُ أن يسجد معه، وهذا دليلٌ على أنَّه كالتالي حُكمًا، كأنما هو قد تلاها. هذا هو القول الأول

أمَّا القول الثاني -وهو رواية- فهو وجوب القراءة على الإمام والمنفرد والمأموم.
وكما ذكرنا هم يتَّفقون في إيجابه على الإمام والمنفرد، وإنَّما الكلام عن المأموم،
والقول الثاني: الوجوب، وهو قول بعض أهل العلم، وممن اختار هذا القول الشَّيخان ابنُ باز وابنُ عُثيمين
وهذا قد استُدلَّ له بمثل الأدلة المتقدمة، والتي أعلَّها بعضُهم، أو ضعَّفها، مثل: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، كما تقدمت الإشارةُ إليه، ولما جاء في عموم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»
مع كون هذه الأحاديث قد حملها أصحابُ القول الأول على غير المأموم، أو ضعَّفوها، أو خصُّوها بمثل ما ذكرنا من

والقول
 الثاني له قوة، وهو أحوط، وإن كان الأول قويًّا، لاسيَّما إذا كان ذلك فيما يجهر فيه الإمامُ بالقراءة، فإذا جهر الإمامُ بالقراءة فإنَّه لا يتوجه القولُ بقراءة المأموم للفاتحة عندئذٍ، لاسيَّما إذا لم يتمكَّن من قراءتها، كأن لا يكون ثَمَّ وقتٌ للقراءة.
أمَّا في السرية إذا كان مأمومًا: فإنَّ القول بالقراءة لا شكَّ هنا أنَّه قويٌّ، وهو الاحتياط، سواء كان ذلك في السرية من الجهرية، يعني في الثالثة مثلًا، أو الرابعة، أو كان ذلك في السِّرية الرُّباعية: كالظهر، والعصر.

فلا يكاد يكون الترجيحُ فيها ظاهرًا ظهورًا بيِّنًا؛ لاختلافهم في الأحاديث الواردة فيها، وسبب الخلاف -كما أشار إليه ابن رُشدٍ في "بداية المجتهد"- هو اختلاف هذه الأحاديث من حيث الثُّبوت والنَّظر والاستدلال، فكان سببًا رئيسًا في مثل تلك المسألة.

الرُّكن الثالث من الأركان القوليَّة: التشهد الأخير: ويُراد بالتشهد الأخير هنا الذِّكْر الوارد في ذلك؛ لأنَّ التشهد الأخير يشتمل على قولٍ وفعلٍ، فأمَّا القول فهو الذِّكْر، وأمَّا الفعل فهو الجَلسة أو الجِلسة نفسها، وهذا دلَّ على ركنيته عندهم قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ، وَالصَّلَوَاتُ ...» الحديث
وهو دالٌّ على الأمر بالتَّشهد، وقد جاء ما هو أصلح منه، وهو أنَّه -عليه الصلاة والسلام- كان يُعلمهم التَّشهد كما يُعلمهم السورةَ من القرآن، كما جاء ذلك أيضًا في الصحيح، في مسلم.
وفي هذا النص فائدتان: الأولى: وجوب التَّشهد وفرضيته، والثانية: وجوب الالتزام فيه بما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والالتزام بذلك لقوله: "كما يُعلمنا السورة من القرآن

من الأركان: السلام: وذلك لما تقدم من قوله: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»؛ ولأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- داوم على السلام وواظب عليه، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وهذا الحديث مثل قوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ذاك أصلٌ في الحج، وهذا أصلٌ في الصلاة
يحسن هنا أن أشير إلى أنَّ المذهب عندنا -وهو مذهب الحنابلة- أنَّ التَّسليمتين ركنٌ، التَّسليمتان الأولى والثانية،
وثَمَّ رواية أخرى في المذهب أنَّه سنة، وهذا من المُفارقات: أن يكون الفعلُ ركنًا في روايةٍ، وسنةً في روايةٍ أخرى، وله نظائر، مثل: السَّعي عند الحنابلة، فقد جاء فيه أنَّه ركنٌ، وجاء فيه أنَّه واجبٌ، وجاء فيه أنه سنةٌ
والأصل في قول الاستحباب أو قول الوجوب 
ما جاء من الصَّوارف في ذلك، ومن ذلك ما جاء في حديث عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه سلَّم تسليمةً واحدةً في قيام الليل، والقاعدة في ذلك أنَّ ما ثبت في النَّفل يثبت في الفرض، إلا إذا دلَّ دليلٌ على الخصوصية كما هو معلومٌ.
وهذا الصَّارف في التَّسليم قويٌّ، وهو ما جعل القائلين بالتَّسليم يقولون بالاستحباب.

توسُّطٌ عند الشَّافعية، فقالوا: بوجوب التَّسليمة الأولى، واستحباب الثانية

أمَّا القائلون بإيجاب التَّسليمتين وكونهما ركنًا، فقولهم -في حقيقة الأمر- قويٌّ؛ لِمَ تقدَّم من أدلةٍ، ومنها أيضًا حديث جابرٍ مرفوعًا: «إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَيُسَلِّمْ عَلَى صَاحِبِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا»، أو «يُسَلِّمْ عَلَى أَخِيهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ»، والحديث في مسلمٍ.
وهذا أيضًا مما يُقويه 
العدل منه -عليه الصلاة والسلام- إذا سلَّم على مَن عن يمينه يُسلِّم على مَن عن يساره.

والحنفية قالوا بالاستحباب المُطلَق

والظاهر -والله أعلم- أنَّ الأقرب ما ذهب إليه الشَّافعيةُ؛ وذلك لأنَّ وروده عن الصَّحابة -رضي الله تعالى عنهم- مع ما جاء فيه من الحديث المرفوع مُعتَبر في صرف دلالة التَّسليمة الثانية على الوجوب، كما أنَّ فيه أيضًا جمعًا بين الأدلة، حيث إنَّ ما جاء من أدلةٍ في إيجاب التَّسليم أو إطلاقه تُحمَل على المرة الأولى، أو التَّسليمة الأولى، وهذا -كما ذكرنا- مُعتَبرٌ.
ثم إنَّه الذي يمكن أن يكون فيه احتياطٌ للعبادة من جهة تصحيحها وإبطالها؛ لأننا إذا قلنا أنَّ كلا التَّسليمتين ركنٌ، فكيف يكون هذا مع ثبوته عن الصَّحابة -رضي الله تعالى عنهم؟! وهل كانوا يجهلون هذا الرُّكن؟! وهل يمكن أن نقول بإبطال صلواتهم؟! وهل سنُبطل صلاةَ الناس عندئذٍ؟!
والأركان الفعليَّة في الصلاة كثيرةٌ، وهي تربو على الثَّمانية، وقد تصل إلى العشرة بحسب التفصيل الذي ذكرناه من جمعٍ وفصلٍ.
الركن الأول: فهو القيام:
فإذا قمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فالقيام حقُّه التقديم، وهو أول الأركان الفعليَّة، والأصل فيه قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمران بن حُصَين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»، والحديث في البخاري، وحديث المُسيء صلاته كما تقدَّم: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ».
فالقيام لابد منه، وهو ركنٌ للقادر عليه، وعليه يُحمَل الحديث: «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ»، كما جاء ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصَّحيحين.
يمكن جمع الأدلة بينه وبين ما جاء في إطلاق رُكنية القيام ووجوبه، حيث يُحمَل هذا على مَن كان في النَّفل، لا على مَن كان في الفرض.
وهذا يُؤيده فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كان يُصلي النَّافلة على راحلته في السفر، وهو دالٌّ على عدم وجوب القيام، ولو كان ركنًا لأوقف دابته وصلى قائمًا
ولذلك نقول: يجب على المرء أن يكون حسب قُدرته، فبعض الناس يقول: أنا إذا طال بي القيام تعبت، نقول: قُمْ، فإذا خشيتَ على نفسك -ولو لم يحل بك الألمُ الشديدُ- تنزل أو تجلس، فنحن لا نُكلِّف الناسَ أن يُصيبهم الألم أو المرض حتى يجلسوا، ولكن إذا غلب على الظن بإشارة الطبيب أنَّ المرء إذا وقف مدةً وقدَّرها فإنه يتضرر، فإنَّه عندئذٍ يجلس فيما دونها، لكن لا يعني هذا ألا يقوم البتة.
ولذلك ينبغي أن يُلاحَظ هذا، فإذا كان المرءُ يستطيع أن يقوم مُعتمدًا على عصًا مثلًا، أو بجوار جدارٍ، أو نحو ذلك، فإنَّه يفعل ذلك؛ لعموم الأدلة في ذلك

فإذا كان بوسعه أن يقوم ولو بقيامٍ جزئيٍّ فليفعل ذلك، وحدُّ القيام أن يكون إلى الوقوف أقرب منه إلى الرُّكوع، فإن كان إلى الرُّكوع أقرب أو الجلوس أقرب، فلا يصدق عليه أنَّه عندئذٍ قائمٌ
أمَّا إذا خشي على نفسه مرضًا أو ضررًا فإنَّ له عندئذٍ أن يُصلي بلا قيامٍ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239]، والرُّكوب -كما لا يخفى عليكم- ليس قيامًا.
ومن الأركان: الركوع:
وقد أجمع العلماءُ عليه، كما أجمعوا على السُّجود أيضًا.
ومن الأركان كذلك: الاعتدال من الركوع: وقد عبَّر الفقهاء به، ولم يقولوا: الرفع، مع كونه أنسبَ؛ خوفًا من أن يُظن أنَّ المراد بذلك مجرد الرفع؛ لأنَّ الاعتدالَ يلزم من الرفع، وليس مجرد الرفع فقط؛ ودليل ذلك حديث المسيء صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا».
ويُستثنى منه الرُّكوع الثاني في صلاة الكسوف، فإنه سنةٌ

ومن الأركان أيضًا: السجود: للآية المتقدمة، وللأحاديث المذكورة آنفًا، ولحديث: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»، أو «أَعْضَاءٍ»،

ومن الأركان أيضًا: الاعتدال في السجود
ومن الأركان -وهو الركن الثامن- الجلسة بين السَّجدتين: ودليله قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للمُسيء صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ» يعني من السُّجود «حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا».
ومنه أيضًا يُؤخَذ ركن: الطُّمأنينة في جميع هذه الأركان
ومن الأركان أيضًا: التشهد: والتَّشهد يُراد به -كما ذكرنا- هنا التَّشهد الأخير
أمَّا التشهد الأول فقد استُثني من ذلك؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- قام وتركه، ثم جبره بسجود سهوٍ، مما يدل على أنَّه واجبٌ وليس ركنًا، وهذا من الفوارق بين ما كان واجبًا، حيث يُجبَر بسجود السَّهو، وما كان ركنًا، حيث لا يُجبر عندئذٍ.

ومن الأركان أيضًا عندهم: جلسة التشهد الأخير: وقد حُكِي الإجماعُ عليها
فهم اختلفوا في التَّشهد نفسه، واتَّفقوا على جلسته، أمَّا التشهد نفسه فقد ذكرنا أنَّه ركنٌ عند الحنابلة، وهو أيضًا مذهب الشافعية، لكن المالكيَّة والحنفية قالوا أنَّه سنة، قالوا أنَّ التشهد الأخير -وهو الذِّكْر نفسه- سنة؛

أمَّا الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- فهي من الأركان عند الحنابلة؛ وذلك للآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وحديث كعب أيضًا، قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا كيف نُسلِّم عليك، فكيف نُصلي عليك؟ فقال قولوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ...» الحديث.
والأمر فيه يقتضي الوجوب، والأصل في الوجوب الفرضية، وأنَّ الصلاة لا تصح إلا به، أو العبادة لا تصح إلا به.
ولذلك ثَمَّ قولٌ آخر بأنَّ التشهد الأخير -يعني هذا الذِّكْر- واجبٌ، وهو مذهب الشَّافعي، ورواية عند أحمد؛ وذلك لحديث فَضَالة لما سمع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يدعو في صلاته ولم يُصلِّ على النبي، فقال: «عَجِلَ هَذَا».
وقال -عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ لِيَدْعُو بِمَا شَاءَ»، والحديث عند أحمد وأبي داود والترمذي، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
ولو كان هذا ركنًا لأمره بالإعادة، فلمَّا لم يأمره بالإعادة دلَّ ذلك على أنَّ الأمر هنا على سبيل الإيجاب لا الفرضيَّة، لا الرُّكنية، ولا يمكن أن نجعله ركنًا مع هذا

والحقيقة أنَّ هذا القول قويٌّ، وإن كان ثمَّة قولٌ ثالثٌ -كما ذكرنا- بالاستحباب؛ لأنَّ الأدلة التي استدلَّ بها المُوجِبون والتي جعلوها ركنًا ليست ظاهرةً على ما ذهبوا إليه، والأصل براءة الذِّمة.

والحق أنَّ القول برُكنية الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التَّشهد بعيدٌ، والقول بالاستحباب قويٌّ، وهذا قول ابن عثيمين 
وهو رواية عند الحنابلة، وإن كان الوجوبُ أحوط، فيُصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم- أمَّا الصلاة على الآلِ فسنَّة بلا إشكالٍ.

ومن الأركان الترتيب:
والأصل فيه حديث المسيء صلاته أيضًا؛ لأنَّه قال فيه: «ثُمَّ»، وثُمَّ تدل على الترتيب؛ ولفعله -عليه الصلاة والسلام- الصلاةَ مُرتبةً على هذا النحو، وقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».

ومن الأركان الطُّمأنينة: 
كما أشرنا- هي ركنٌ في جميع هذه الأركان؛ للأحاديث، ولأنَّه لا يُسمَّى الرُّكوع ركوعًا، ولا السجود سجودًا، ولا الاعتدال اعتدالًا، ولا الجلوس جلوسًا، إلا بالطُّمأنينة، كما أشار إليه شيخُ الإسلام
وعليه فلابُد أن يعود كلُّ فَقَارٍ إلى مكانه، وأن يكون قادرًا على إيقاع الذِّكْر الواجب في ذلك أو المشروع فيه.

أمَّا الواجبات: فالتَّشهد الأول، وجلسته.
ويُلاحَظ أنَّ الواجبات في الصلاة إمَّا أن تكون: فعليةً، أو قوليةً. فآل تشهد قوليه .وجلسته فعليه 
أيضًا التَّكبيرات بشكلٍ عامٍّ، عدا تكبيرة الإحرام، فإنها تُعد واجب  ( قوليه)
هذه التَّكبيرات إنما تكون في ركن الانتقال نفسه، لا فيما قبل أو بعد ذلك.

ومن الواجبات أيضًا ما يتصل بالتَّسميع والتَّحميد: سمع الله لمَن حمده، اللَّهم ربنا ولك الحمد، أو اللهم ربنا لك الحمد.
فهذا الذِّكْر -التَّسميع والتَّحميد- واجبٌ عند الحنابلة على الإمام والمنفرد، أمَّا المأموم فإنَّه يقتصر على التَّحميد؛ لحديث أنسٍ مرفوعًا: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، والحديث متَّفق عليه.

يُقال: وهذا يُخصِّص عمومَ حديث أبي هريرة، وفيه: «ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» متَّفقٌ عليه.
بينما أخذ المالكية والشَّافعية بوجوب التَّسميع والتَّحميد على الإمام والمنفرد والمأموم؛ لعموم حديث أبي هريرة المذكور.
وما ذكره الحنابلة من تخصيص هذا العموم الحقيقة أنَّه قويٌّ، وفيه جمعٌ بين الأدلة.
ومن ذلك أيضًا قوله: "سبحان ربي العظيم"، و"سبحان ربي الأعلى"، في الركوع، وفي السُّجود، "سبحان ربي العظيم" في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" في السُّجود؛ لأدلةٍ، منها قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]، قال -صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، قال -صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ».
وإن كان في ذلك ضعفٌ حَدَا بالجمهور إلى أن يعدوا التَّسبيحات مُستحبَّةً، وليست واجبةً.
والقول بالإيجاب -وهو الذي عليه المذهب- يستند إلى مثل هذا الدليل، وهو لا شكَّ أحوط.

ومن ذلك أيضًا قوله: "ربِّ اغفر لي" بين السَّجدتين؛ وذلك لحديث حُذيفة، وفيه: «رَبِّي اغْفِرْ لِي، رَبِّي اغْفِرْ لِي»، وفي حديث ابن عباسٍ: «رَبِّي اغْفِرْ لِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي».
والجمهور أيضًا على استحباب هذا، والحنابلة يقولون في مثل هذه النُّصوص بالإيجاب؛ لحديث: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».





فقه العبادات ( الدرس الثالث عشر )


 أول أركان الصلاة القولية هو: تكبيرة الإحرام، وأول أركانها الفعلية: القيام في الصلاة؛ لأنَّ القيام ركنٌ من أركانها كما هو معلومٌ، ثم تأتي الفاتحة لتكون الركنَ الثاني من الأركان: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، كما في المتفق عليه
المشروع له أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين سورة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يُطيل الرَّكعتين الأوليين من الظهر، ويُخفف الأُخريين، ويُخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقِصار المُفصل، وفي العشاء بوسطه، وفي الصُّبح بطواله"، والحديث عند النسائي، وقد صححه ابنُ حجر.

يُستحب في هذه القراءة، أن تكون جهرًا في صلوات الليل، وهي المغرب والعشاء، وألحقت بها الفجر؛ لكونها في العَتَمة،
وأمَّا صلوات النهار فالسنة أن يُسرَّ بها، ولم يقل بوجوب الجهر أو الإسرار في تلك الصَّلوات؛ لأنَّ ذلك إنما كان من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وعليه فإنه لم يأتنا دليلٌ يأمرنا بهذا، وينهانا عن ذلك حتى نقول: لا يجوز الجهر في السرية، ولا يجوز السر في الجهرية، وإنما هو على الاستحباب، وهو مذهب جمهور أهل العلم.

وبعد ذلك يُكبِّر للركوع، والتكبير عند الركوع واجبٌ في الانتقال، وهكذا التكبيرات في الصلاة غير تكبيرة الإحرام تُعدُّ من الواجبات
صفته أن يضع يديه على ركبتيه، حتى يُمكِّن يديه منهم
فلابد أن يُفرِّج أصابعه، ويقبض ركبته بيده
ثم هَصَرَ ظهره"، والمراد بهصر الظهر أن يكون مُستقيمًا، بحيث لا يميل إلى الأرض، ولا يميل إلى الارتفاع، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كلُّ فَقَارٍ مكانه
وبعد ذلك
يرفع من الركوع حتى يعود كلُّ فَقَارٍ إلى مكانه، بحيث يكون مستوي وهذا ركن
وعند رفعه من الركوع يقول: "سمع الله لمن حمده" إذا كان إمامًا أو مُنفردًا، فإن كان مأمومًا فإنَّه يقول: "اللهم ربنا ولك الحمد"، أو "ربنا ولك الحمد"
وأمَّا المأموم، فلا يُشرع له عندئذٍ إلا أن يقول: "ربنا ولك الحمد"، ولا يجمع بين هذين الذِّكْرين.
والأصل عند رفعه من الركوع أن يُعيد يديه إلى موضعهما المعتاد عند القيام، وهو كما ذكرنا إمَّا أن يكون على الصدر، أو فوق سرَّته، أو دون ذلك، وإن كان الصَّدر أقرب إلى الثبوت

هل يبتدئ عند النزول من ركوعه إلى سجوده برُكبتيه، أو بيديه؟
وهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهلُ العلم: فمنهم مَن قال بتقديم الرُّكبتين على اليدين، وهذا منقولٌ عن أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة: أحمد، وأبو حنيفة، والشافعي، وهو منقولٌ أيضًا عن عمر بن الخطاب،
لحديث أبي هريرة جاء فيه من قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ»، فنهى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن أن يبرك الرجلُ كما يبرك البعير، والبعير إذا برك يُقدِّم يديه، يُقدِّم اليدين على الرِّجْلين، ولذلك كان هذا مما لا يُشرَع للمرء أن يصنعه، وهو تقديم اليدين على الرُّكبتين.
ثم قال الجمهور الذين يقولون أنَّ النزول يكون على الرُّكبتين لا على اليدين، قالوا: إنَّ هذا هو مقتضى الوضع الطبيعي، أن ينزل الإنسانُ شيئًا فشيئًا، والرُّكبتان أقرب إلى الأرض من اليدين.
ولذلك يمكن أن نقول أنَّ القول هذا محكي عن عامَّة أهل العلم، وعن جماهيرهم، وهو الموافق للطبيعة،

صفة السجود يجب أن تكون على الأعظم السَّبعة،
أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْقَدَمَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ»، والأنف يتبع الجبهة-
لا يصح السُّجود إلا بها
وعند سجوده يُجافي عَضُدَيه عن جنبيه،  وهذا كان فعله -عليه الصلاة والسلام- حتى إنه يُرى بياض إِبْطَيه من شدة مجافاته، وقيل: لو شاءت أن تمر البهيمة -وهي صغار الغنم- من تحته لمرت، كما روى مسلمٌ.
عند السُّجود نُراعي مسألة أن يكون مُعتدلًا في سجوده، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ»، أي: اجعلوه سجودًا معتدلًا، فلا ينزل البطن على الفَخِذ؛ لأنَّ بعض الناس تجد بطنه يكاد يلاصق فخذه، وفخذه يكاد يُلاصق ساقَه، وبعض الناس -يعني هذا- يجمع سجوده، حتى يكون ضيقًا، وبعض الناس يكاد يستلقي على بطنه، وهذا أقرب إلى البدعة منه إلى السنة.
والرُّكبتان في السُّجود لا يضمهما إلى بعضها، بل يُفرِّقهما، وهذا مقتضى الاعتدال، كما أنَّ القدمين بعكسهما، يضمهما ولا يُفرِّقهما؛ وذلك لما جاء من حديث عائشة لما فقدت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فوقعت يدها على بطن قدميه وهما منصوبتان، وهو ساجدٌ يصلي -عليه الصلاة والسلام.
أمَّا الكفَّان في السجود فيستحب أن يضع راحتيه -يضع هاتين الراحتين- على الأرض مبسوطتين، بحيث لا يقبضهما، مضمومتي الأصابع؛ لحديث وائل بن حجر: "وإذا سجد ضمَّ أصابعه"، فلا يُفرِّجها كما يفعل في الركوع، وكما أشرنا، والسنة فيهما أن يكونا حَذْو أُذنيه، أو منكبيه.
وصفة الجلوس بين السَّجدتين كصفة الجلوس في التشهد الأول، وهي الافتراش، ما معنى الافتراش في الجلوس؟
{هو أن يفترش رِجْلَه اليسرى ويجلس عليها}.
يفترش رِجْلَه اليسرى، بحيث تكون رجلُه اليسرى غير مُنتصبةٍ، ويجلس عليها، أمَّا اليمنى فإنه ينصبها
هذا هو الافتراش، وهو الذي يكون في جميع جلسات الصلاة، إلا جلسة التشهد الأخير
وأما اليدان
فإنَّه يضعهما على الفخذين، وأطراف الأصابع عند الرُّكبتين، وتكون اليسرى مبسوطةً، مضمومة الأصابع، متجهةً إلى القبلة، ويكون طرف المرفق عند طرف الفَخِذ، بمعنى أنَّه لا يُفرِّجها، بل يضمها إلى الفخذ
أمَّا اليمين فجاء في حديث وائل بن حجر عند أحمد أنه يقبض منها الخِنْصَر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويرفع السَّبابة ويُحرِّكها عند الدعاء
ومن السنة في هذه الجلسة -وهي جلسة ما بين السَّجدتين- الإطالة في ذلك؛ لما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث أنس: "أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقعد بين السَّجدتين، حتى نقول: قد أوهم، وكان إذا رفع رأسَه من الركوع يقوم واقفًا حتى نقول: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السُّجود يجلس حتى نقول: قد نسي"، وفيه الإشارة إلى هذه السنة.

أمَّا الذِّكر بينهما فالأصل فيه الدعاء بالمغفرة؛ لحديث حذيفة في السنن، أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول بين السَّجدتين: «رَبِّي اغْفِرْ لِي»، وقد جاء أيضًا من حديث ابن مسعودٍ عند أبي داود أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «رَبِّي اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي»، وهذا الحديث -وإن أشار ابن حجر إلى ضعفه- إلا أنه من جملة الأدعية والأذكار.

وهنا نشير إلى مسألةٍ، وهي: إذا رفع من السُّجود، وكان ذلك في قيامه في الرَّكعة الأولى أو الثالثة، هل يجلس جلسةً تُسمَّى الاستراحة، أم لا يجلس هذه الجلسة؟
جاء في حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه كان ينهض على صُدور قدميه، وفيه إشارة إلى أنَّ النهوض لا يكون على اليدين، وأيضًا فيه إيماءٌ وإشارةٌ إلى أنَّه لا يجلس للاستراحة، وهذا هو مذهب أحمد، بل قال -رحمه الله: "أكثر الأحاديث على هذا

ومَن لم يقل بها يُجيب عن الأحاديث التي وردت فيها جلسة الاستراحة بأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- فعلها للحاجة
 عندما كبر؛ وذلك لأنها جاءت في حديث مالك بن الحُوَيْرِث، وهو -في حقيقة الأمر- إنما جاء إلى المدينة في آخر عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما كبر وثقُل -عليه الصلاة والسلام- وبذلك جاءت في حديث مالك، وجاءت في حديث أبي حُميد
وتُحمَل على الحاجة إليها، أو في هذا جمعٌ بين الأحاديث؛ لأنَّ أكثر الأحاديث لم تأتِ بها، كما أشار الإمامُ أحمد، وهذا هو المذهب
والقول الثاني -وهو قول أكثر أهل الحديث- مشروعية جلسة الاستراحة مُطلقًا للكبير وغيره، وتكون في كلِّ صلاةٍ.
والقول بالتوسط -كما ذكرنا- هو الأقرب، وهو اختيار ابن قُدامة، وابن القيم، وفيه تجتمع الأحاديث.

وهنا أشير إلى أنَّ هذا القول -وهو مشروعية الاستراحة، سواء على سبيل الإطلاق، أو على سبيل الاحتياج- لا يُصار إليه بالنسبة للمأموم، فلا يفعل ذلك مع الإمام؛ لأنَّه يتأخَّر عنه، والواجب عليه أن يتابعه، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُأْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»، ومن صور الاختلاف التأخُّر عن الإمام، ففي هذه الحالة مُتابعة الإمام أفضل، ولو أتى بها جاز في هذه الحالة؛ لأنها يسيرة، لا تكاد تقطع الائتمام،

بعد ذلك تكون الصِّفة الثانية، وصفتها كالصِّفة الأولى، لكنَّه لا يستفتح، ولا يستعيذ؛ لأنَّ الاستعادة إنما تكون في الركعة الأولى، وهي تكفي.

ويُضاف إلى الركعة الثانية مما ليس موجودًا في الركعة الأولى: التَّشهد، فيجلس للتشهد، كما هو واردٌ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وجاء ذلك في أحاديث كثيرةٍ، منها حديث ابن مسعود، وفيه صفة التَّشهد: «التَّحِيَّاتُ للهِ، وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، وهذا اللفظ في الصَّحيحين.
وقد جاء عند مسلمٍ من حديث ابن عباس: «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ للهِ»، ثم الباقي مثل الأول، وقد جاءت صيغٌ أخرى، والسنة أن يُنوِّع الإنسانُ كما ذكرنا
أمَّا معنى "التَّحيات" فالمراد بها: جميع أنواع التعظيم.
"التَّحيات لله، والصَّلوات" يراد بها الدعاء، وجميع الصلوات من نوافل ومفروضات.
وأمَّا قوله: "والطيبات"، فالطيب هو كل طيبٍ من قولٍ أو فعلٍ.
بعد ذلك عندنا "السلام عليك أيها النبي"، فقيل: السلام هنا اسمٌ من أسماء الله، وكونه على النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني بحفظه، ورعايته -سبحانه وتعالى- وقيل -وهو أيضًا قوي- أنَّ المراد بالسلام هنا: السلامة من كل شَرٍّ في الدنيا والآخرة، من الآفات، ومن العقوبات، ومن الاعتداء على سنته، والانتهاك لشريعته -صلى الله عليه وسلم- وهذا خبرٌ، لكنه بمعنى الدُّعاء.

وصفة جلسته للتشهد الأول: أن يفترش، كما جاء ذلك في حديث أبي حميد: "إذا جلس في الرَّكعتين جلس على رِجْلِه اليسرى، ونصب اليمنى"، كما تقدم قبل قليلٍ في الجلسة بين السَّجدتين، وقد جاء في حديث ابن الزبير عند مسلمٍ: "وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى".ً

تنبه: "وضع يده اليسرى على رُكبته اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى".
إذن: اليد اليمنى مسحوبةً قليلًا، بينما اليسرى أطول، فتصل إلى الركبة.
"ووضع إبهامَه على أصبعه الوسطى"، كيف يضع إبهامَه على أصبعه الوسطى؟ ما هي الصورة؟
يضع إبهامَه على أصبعه الوسطى، وهذا كالمُتهيِّئ للدعاء.
وفي حديث ابن عمر عند مسلمٍ: "ويده اليسرى على رُكبته اليسرى، باسطًا عليها، وقبض أصابعه كلها"، كيف قبض أصابعه كلها؟
بحيث إنه لا يضع الإبهام على الوسطى وإنما يقبض.
يحرك الأسبابه عند الدعاء فقط

والسنة في هذا التشهد أن يُخففه، بحيث لا يُطيل، كما هو الحال في التشهد الثاني، وهذا هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد جاء في الحديث: "كأنما يجلس على الرَّضْفِ"، وهي الحجارة المُحْمَاة، وإن كان فيه ضعفٌ، لكن ظاهر السنة دالُّ على هذا المعنى، ولذلك يُنبه إليه ويُشار بالعناية به، وهو عدم الإطالة، حيث جاء في صحيح ابن خزيمة: "أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو، ثم يُسلِّم".

ثم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم
{اللَّهمَّ صلَّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
اللَّهمَّ بارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ}.
هذه الصلاة الإبراهيمية، وجاء أيضًا بعد الصلاة -كما في حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة- التَّعوذ بالله من أربعٍ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ» اللَّهمَّ إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيى والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال"، وهذا من أجمع الدعاء، وأنفعه، وأعظم. وهو مستحب أستحباباً مؤكد

ثم بعد ذلك يدعو بما شاء كما جاء في حديث ابن مسعودٍ، وفيه: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو بِهِ»، وهذا من مواطن الإجابة، ولذلك جاء أنَّ من الأدعية الواردة هنا ما كان منه -عليه الصلاة والسلام- من دعائه في دُبُر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» على القول بأنَّ دُبر الصلاة هو ما كان في آخرها قبل السلام.

وهل يُشرَع الدعاء قبل السلام أم لا يُشرع؟
هذا فيه كلامٌ لأهل العلم، فمنهم مَن لا يقول بمثل ذلك، والحقيقة أنَّ القول بمشروعية الدعاء ظاهرٌ من السنة.

صفة التَّورُّك:
الصفة الأولى أنَّ الرِّجْل اليمنى منصوبةٌ، واليسرى مفروشة، فيفترش عندئذٍ رِجْلَه اليسرى، وينصب رجلَه اليمنى، فيفترش اليسرى ويُخرجها من الجانب الأيمن، كما جاء في حديث أبي حُميد

الصورة الثانية يفرش اليمنى، ويجعل اليسرى بين فخذ وساق اليمنى، يعني الرِّجْل اليسرى يجعلها بين الفخذ والسَّاق فيُدخلها بينهما، وهذا مع جعل إليته على الأرض، ولذلك سُمِّي تورُّكًا، وهذه الصفة جاءت في مسلمٍ، من حديث ابن الزبير.

والمشروع أن يكون التَّورُّك في التشهد الأخير فقط، وهو مذهب الحنابلة، إذا كان في الصلاة تشهدان، أمَّا إذا كان فيها تشهدٌ واحدٌ، فإنه وإن كان أخيرًا إلا أنَّه لا يُشرع عند الحنابلة فيه التَّورُّك، خلافًا للشافعية؛ لأنَّ القاعدة عند الشافعية أنَّه يكون في كلِّ تشهدٍ يعقبه سلام، وأمَّا الحنفية فيفترش عندهم في التَّشهدين.

والأقرب ما ذهب إليه الحنابلة؛ وذلك لما جاء في البخاري من حديث أبي حُميدٍ، وفيه: "فإذا جلس في الرَّكعتين جلس على رِجْله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدَّم رجلَه اليسرى، ونصب الأخرى"، قدَّم يعني افترشها، "ونصب الأخرى وقعد على مقعدته".

فإذا فرغ من التَّشهد، ثم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم الاستعاذة مما أمر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالاستعاذة منه، ثم تخير من الدُّعاء أعجبه إليه، ثم يُسلِّم، والتسليم يكون عن يمينه وعن يساره، كما في حديث جابر: "كنا إذا صلينا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله"، وهذا عند مسلمٍ، فإن قيل: على مَن يُسلِّم؟ فيُقال أنَّه إذا كانت معه جماعةٌ وهو إمامٌ فإنه يُسلِّم عليهم، وإذا لم تكن معه جماعةٌ فالسلام يكون على الملائكة الذين عن يمينه، وعن شماله، واستحضار هذا مهمٌّ عند المسلم، فإنَّه وهو يُسلِّم يُسلِّم على هؤلاء الملائكة

هل تختلف صلاةُ المرأة عن صلاة الرجل؟
الجواب: لا؛ لعدم التفريق بينهما،

إذن هذه الأركان القولية: تكبيرة الإحرام، قراءة الفاتحة، التشهد الأخير، التسليم.
وأمَّا الأركان الفعلية: فإنَّ أفعال الصلاة كثيرٌ منها هي من الأركان، فلو أردنا أن نعدَّ بعضَ الأركان في الصلاة فإننا نقول: القيام، والركوع، والرفع منه، والسُّجود، والجلسة بين السَّجدتين، ولاحظوا أنَّ هذه كلها واردة في حديث المسيء صلاته، وهو أصلٌ في الأركان.

وهذا -بإذن الله تعالى- ما سنشير إليه في مطلع الدرس القادم، بحيث نأتي على هذه الأركان، ثم نأتي على الواجبات، ثم نأتي على المسنونات -إن شاء الله تعالى.







فقه العبادات (الدرس الثاني عشر)


صفة الصلاة

ويسبق هذا ما يصطلح عليه أهلُ العلم بـ"آداب المشي إلى الصلاة"،
ومن أهم هذه الآداب: أن يأتي إلى الصلاة في سكينةٍ ووقارٍ؛
وذلك لقوله -عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، وفي لفظٍ: «فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعُونَ»، وأصل الحديث في الصَّحيحين.
ومن الأداب ذكر دخول المسجد
والصَّحيح فيه هو ما كان من الدُّعاء بالرحمة عند الدخول، وبالفضل عند الخروج، فلا يصح إثبات البسملة، وإنما يقول: «اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ»، وإذا خرج قال: «اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ»، وهذا هو الحديث الوارد عند مسلم
ومن الآداب أيضًا: تقديم الرِّجْل اليُمنى عند الدُّخول، واليُسرى عند الخروج، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُعجبه التَّيمُّن في تنعُّله، وتَرَجُّله، وطهوره، وفي شأنه كله

باب: صفة الصلاة، وهي كيفيتها
تبدأ بتكبيرة الإحرام

فائده :أكثر أحاديث تسوية الصُّفوف هي من الأحاديث الصِّحاح التي جاءت في البخاري ومسلم، أو في أحدهما، وهذا يؤكِّد أنَّ مسألة تسوية الصف هي أقرب ما تكون إلى الوجوب،. إلا أنَّ ذلك لا يقتضي بطلان الصلاه
بل إنَّ الصلاة تصح ولو مع عدم التَّسوية، مع كون مَن لم يُسَوِّ صفَّه مع مَن بجواره قد حام حول الإثم، فيوشك أن يرتع فيه.

وأول ما يبدأ في صلاته يبدأ بتكبيرة الإحرام، وذلك محل إجماعٍ، وقد جاء في أحاديث كثيرةٍ، منها حديث أبي هريرة: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»، والحديث في الصَّحيحين.

تكبيرة الإحرام- ركنٌ من أركان الصلاة؛ وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول فيه: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»، فإنما يُحرِم بها ويدخل فيها بهذا التكبير، وهو تكبيرة الإحرام.
لكن ما مواضع التكبير في الصلاة؟
مواضع التكبير تكون عند الانتقالات، فإذا شرع في الصلاة فإنَّه يُكبِّر تكبيرة الإحرام، ثم إذا أراد أن يركع يكبر، وإذا رفع من الرُّكوع، وإذا أراد أن يسجد، وإذا رفع من السُّجود.

وتختص أربع مواضع عندنا برفع اليدين، فليس كلُّ مواضع التكبير تُرفع فيها اليدان، وإنما تُرفع في هذه المواضع الأربعة:
الموضع الأول: عند تكبيرة الإحرام.
الموضع الثاني: عند الرُّكوع، فإذا أراد أن يركع رفع يديه.
الموضع الثالث: عند الرفع من الرُّكوع، فيرفع يديه إذا قال: سمع الله لمَن حمده.
الموضع الرابع: إذا رفع من التَّشهد الأول.
وهذه المواطن الأربعة قد جاءت فيها أحاديث تدلُّ عليها دون غيرها، منها حديث ابن عمر أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- "كان يرفع يديه حَذْو منكبيه -والمَنْكِبَان يُراد بهما الكَتِفان- إذا افتتح الصلاة عند تكبيرة الإحرام، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، ولا يفعل ذلك في السُّجود"، الحديث متفق عليه.
بقي التشهد الأول: أيضًا جاء ما يدل على أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رفع يديه بعد قيامه من التشهد الأول كما في الصَّحيح.
ذكرنا أنَّه يرفع يديه إلى المنكبين، وهذا جاء في حديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رفع يديه حَذْو مَنْكِبَيه، وفي مسلمٍ أنه -عليه الصلاة والسلام- في حديث مالك ابن الحُوَيْرِث: "رفع يديه حذو أُذُنَيه".
وجمع بعضُ أهل العلم بينهما –كالشافعي- بأنَّ رفعه لليدين يكون من ابتداء المنكبين، وينتهي حَذْو الأذنين.
وهناك جمعٌ آخر بأن يُقال أنهما صفتان: صفة حذو الأُذنين، وصفة حَذْو المنكبين.والأمر واسع

وصفة وضع اليدين عند إرسالهما بعد التكبير: أن يقبض الكوعَ، ويضع اليد على الذِّراع، كما جاء في حديث وائل بن حُجْر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قبض بيمينه على شماله".
ووردت السنة بوضع اليد على الذِّراع أيضًا من غير قبضٍ، كما في صحيح البخاري، من حديث سهل بن سعد أنَّه قال: "كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجلُ يده اليمنى على ذراعه اليُسرى في الصلاة".
وفي صفةٍ ثالثةٍ أيضًا: يضع اليد اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى والرُّسْغ والسَّاعد؛ لحديث وائل بن حجر: "ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفِّ اليسرى والرُّسْغ والسَّاعد".
إذن عندنا صفة وضع اليد اليمنى فوق اليسرى فوق السُّرة، وهذه هي الصفة الأولى: فوق السُّرة، وتكون على البطن.
والثانية: أن يضع يده اليمنى فوق اليُسرى تحت السُّرة، ويكون أشبه ما يكون بمنطقة -ماذا يمكن أن نسميها؟- السُّرة، بل هي تحتها.
ثم الثالثة: يضع يده اليمنى على اليُسرى فوق صدره.

والأقرب إلى السنة إذن هو ما جاء في حديث وائل بن حُجْر، وهو عند ابن خزيمة، وفيه: "صليتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره"، وهذه الصفة هي الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
& دعاء الاستفتاح
من أشهرها: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك

وقد جاء في الصَّحيحين من حديث أبي هريرة: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ».
إلا أنَّه لا يُجمَع بين هذه النوعين، وإنما يُذكَر أحدهما؛ لأنَّه لم يُنقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه جمع بين هذه الاستفتاحات.  ودعاء الإستفتاح مستحب

بعد ذلك: يستعيذ، ويُبَسْمِل، فالله -جل علا- يقول: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

قد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بسملته في الصلاة، ومن غير جهر
وهذا هو قول الجمهور، وهو عدم استحباب الجهر، استحباب البسملة مع عدم استحباب الجهر بها.
وذهب شيخُ الإسلام -رحمه الله- إلى قولٍ وسطٍ بين هذا وذاك، يعني بين استحباب البسملة والجهر بها مطلقًا، وبين عدم ذلك مطلقًا، وقال: "إذا كانت هناك حاجةٌ للجهر -كمصلحة التعليم ونحوها- فلا بأس به، وهذا هو الذي تجتمع به الأدلة"

مسألة: قراءة الفاتحة:

إذا استفتح، ثم بسمل، ثم استعاذ، يقرأ الفاتحة، وهي ركنٌ من أركان الصلاة، فأول الأركان القولية في الصلاة هي تكبيرة الإحرام، وثانيها هي قراءة الفاتحة.
وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، وهذا دالٌّ على رُكنيتها، والحديث في المتفق عليه.
ولذلك فإنَّه لو لحن فيها فإنَّ صلاته لا تصح إن كان اللحنُ يُحيل المعنى،
فلو قال: "صراط الذين أنعمتُ"، فقد اختلف هنا المعنى تمامًا، فأحال المعنى، فعندئذٍ لا يجوز ذلك، ولا تصح صلاة
لو قال: "ولا الظالين"، فنطق الضَّاد ظاءً، فالأصل: "الضالين"
يُقال: الأصل أنه إذا أبدل حرفًا بآخر، فإنَّ الفاتحة لا تصح عندئذٍ؛ لأنه لم يقرأها، لم يصدق عليه أنَّه قرأها، لكن إبدال الضَّاد بالظاء هذا فيه وجهان عند أهل اللغة، والصَّحيح صحته، وفيه وجهان عند الفقهاء، والصحيح صحته، وهو المشهور عند الحنابلة؛ وذلك لتقارب المخرَجين، ولصعوبة التفريق بينهما
الاحتياط والسنة والمشروع أن تقرأ ذلك بالضَّاد، لا بالظاء.
ثم بعد ذلك يقرأ ما تيسر من القرآن مع الفاتحة، وذلك في الرَّكعتين الأُوليين، سواء كانت ثنائية، أو كانت ثُلاثية، أو رباعية؛ وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي قتادة: "كان يقرأ في الركعتين الأُوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يُطوِّل في الأولى، ويقصر في الثانية، ويُسمِعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الأُخْرَيين بفاتحة الكتاب".

هل يجوز للإنسان أن يقرأ بسورةٍ واحدةٍ في ركعتين؟
جاء ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما فعل في الزلزلة وغيرها، وفي قصة الرجل الذي كان يقرأ في كلِّ ركعةٍ سورة الإخلاص، فلمَّا سأله النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك قال: "إنها صفة الرحمن، وإني أحبها"، فبشَّره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالبشارة العظيمة منه -عليه الصلاة والسلام- فقال: «فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّكَ»،

ثم يُكبِّر للركوع، والتكبير هنا ليس كتكبيرة الإحرام؛ لأنَّ تكبيرة الإحرام ركنٌ، والتكبير هنا وفي سائر الصلاة واجب أمَّا رفع اليدين فهو مُستحب
والتكبير واجبٌ قولي، ورفع اليدين سنة فعلية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه يبدأ النطقَ بالتكبير من حين أن ينحني راكعًا.
وصفة الركوع أشرنا إليها هنا، وهي أن يضع يديه على رُكبتيه، ويُمَكِّن ركبتيه من يديه؛

وذلك لحديث أبي حُميدٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- "كان إذا كبَّر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من رُكبتيه -فيقبض الرُّكبة كأنما يمسكها- ثم هَصَر ظهره" بحيث يكون مستقيمًا، فهَصْر الظَّهْر يعني جعله مُستقيمًا، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كلُّ فَقَارٍ إلى مكانه
وذكر الركوع :
سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»"، وهذا يصدق على المرة الواحدة، فتكون هي الذِّكْر الواجب، وما زاد عليها فهو مُستحب
&وكان ركوعه المُعتاد -كما يقول ابن القيم- بقدر عشر تسبيحات

ثم إذا رفع قال: "سمع الله لمَن حمده" هذا بالنسبة للإمام أما المأمون فيقول ربنا ولك الحمد
السنة عندئذٍ أن يضع يده اليمنى على ذراعه اليُسرى، يعني إذا رفع من الركوع،

التكبير للسُّجود من الواجبات، فيُكبر إذن: الله أكبر، هل يرفع يديه؟ لا يرفع يديه.
يكون على أعضائه السَّبعة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ» وأشار بيده إلى أنفه، فالأنف من الجبهة حكمًا، لا حقيقةً، إذن أشار على الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه، «وَعَلَى الْيَدَيْنِ، وَعَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ»، كم صارت؟ سبعة، فهذه مأمورٌ الإنسان أن يسجد عليها.

ولا يجوز له أن يرفع شيئًا من أعضائه تلك حال سجوده، فإن فعل ذلك في جميع السجود فلا يصح، لكن إن فعله في شيءٍ من السُّجود صح








فقه العبادات ( الدرس الحادي عشر)


الصلاة بِمَ تُدرك؟
إذا كان الوقتُ هو كما بيَّنا فبِمَ يُدرَك هذا الوقت؟
والإدراك إذا أُطلق فيُراد به ثلاثة أنواع: إدراك الوقت، وإدراك الجماعة، وإدراك الجمعة.
وكلامنا هنا في مثل هذا الموضع في شرط الوقت يتركز على إدراك الوقت، لكن كلامهم عن إدراك الوقت والجماعة متقارب، فجمهور أهل العلم من الحنفية والشَّافعية والحنابلة أيضًا على أنَّ الصلاة تُدرَك بتكبيرةٍ، أنَّ الصلاة يُدرَك وقتُها بتكبيرةٍ، يعني مَن كبَّر العصر قبل أن تغرب الشمسُ ولو بدقيقةٍ فإنَّه يكون عندئذٍ قد أدرك العصر، ويكون فعله لهذه الصلاة أداءً لا قضاءً.وهذا الذي ذهب إليه الجمهور

أمَّا القول الثاني فهو مذهب المالكية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي رواية عند الحنابلة أيضًا، وهو أنَّ الإدراك للوقت إنما يكون بإدراك ركعةٍ، وليس مجرد تكبيرة.
 فإنه عندئذٍ يكون قد أدرك الصلاة، وأدرك وقت الصلاة.
ومثل هذا -طبعًا كما ذكرنا- الكلام في الإدراك -إدراك الوقت- ينسحب على إدراك الجماعة، والأصل فيهما حديثٌ ظاهرٌ، فقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، فعلَّق الإدراك هنا بالركعة، لا بالتكبير.

أمَّا الجمعة: فإنَّ الأمر فيها أيضًا أوضح من إدراك الجماعة؛ لأنَّ الجمعة قد جاء فيها النص كما في الصَّحيح: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ»، فهي تُدرَك بإدراك ركعةٍ منها.
فمَن دخل مع الإمام وأدرك ركعةً من صلاة الجمعة فإنَّه عندئذٍ يأتي بركعةٍ؛ لأنَّ صلاة الجمعة عبارة عن ركعتين،
لكن لو فاتته الرَّكعتان فإنه عندئذٍ يصلي ظهرًا؛ لأنه لم يُدرك الجمعة.




،،،،تأخير الصلاة عن وقتها من كبائر الذنوب

المشروع للمرء أن يأتي بالصلاة في أول وقتها، إلا ما ورد فيه تفضيل تأخير الصلاة، كالظهر والعشاء، وهذا مشروعٌ، لاسيَّما مع وجود مظنته في الظهر، فيكون الإِبْرَاد في شدة الحر لا في الشتاء، أمَّا العشاء فإنها على الإطلاق يُسنُّ تأخيرها


مسألة: قضاء الفوائت
الظاهر أنه يقضي هذه الفوائت إذا كانت مجموعةً بحسب الترتيب، فلو فاته يومٌ كاملٌ فإنه يبدأ بصلاة الفجر أولًا، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ولا يُقدم صلاةً على أخرى؛ لأنَّ القضاء يحكي الأداء، أي أنَّ القضاء يُشبه الأداء، وهي تُؤدَّى مرتبةً، فيجب أن تُقضَى كذلك مُرتبةً.



والملاحظ أنَّ بعض الناس يقوم ربما مثلًا بعد طلوع الشمس، ثم يقول: فاتتني الصلاة، خرج الوقت، لا عجلةَ، وربما أتم نومَه ثم قام إذا اشتدَّ الحرُّ ورمضت الفصال الساعة العاشرة، ثم يُصلي، أو التاسعة، ثم يصلي، يعني على راحته، ويقول: الوقت واسع؛ لأنَّ وقت الفجر قد ذهب.
وهذا خطأ؛ لأنَّ الوقت بالنسبة للنائم من حين استيقاظه، وعليه أن يُبادر بأداء تلك الصلاة، فكلَّما تأخَّر من غير عذرٍ كان يُخشَى عليه المأثم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، وهذا الأمر للوجوب، ويقتضي الفورية،

الترتيب هو الأصل كما ذكرنا، لكن هناك حالات يسقط فيها الترتيبُ، من هذه الحالات: النسيان:
فقد ينسى المرءُ الصلاة، فينسى قضاء الصلاة المتقدمة، ويقضي الصلاة التي تليها، مثلًا فاتته صلوات: الظهر والعصر والمغرب، فصلى العصر والمغرب، ثم ذكر أنَّه لم يصل الظهر، فعندئذٍ يصلي الظهر؛ لعموم الحديث: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
ومثله لو كان كذلك جاهلًا لا يدري: أيُّ صلاةٍ يُقدِّم؟ هل الظهر أو العصر؟ وهذا يكون مع جهلٍ شديدٍ، والجاهل في هذا يُعدُّ مُفرطًا، فيجب عليه أن يتعلم، فليس كلُّ جهلٍ يُعذر به المرءُ.
والدليل العام الذي يشمل النسيان والجهل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، فالخطأ يشمل الجهل وما كان في حكمه.
ومن الحالات أيضًا التي يُعذَر فيها أو يسقط فيها الترتيب:

خشية فوت الحاضرة:
فلو أنَّ شخصًا مثلًا فاتته صلاة الظهر، ثم جاء إلى صلاة العصر ولم يبقَ من وقتها إلا مقدار ما يؤدي به صلاة العصر، فلا نقول: صلِّ الظهر، ثم صلِّ العصر، فيكون قد فاته فرضان أوقعهما خارج الوقت، لا، نقول: صلِّ العصر؛ لأنَّ العصر فرضها يفوت، ثم بعد ذلك صلِّ صلاة الظهر.
إذن إذا خشي فوت الحاضرة فإنَّه يُقدِّمها على الصلاة المقضيَّة.

شرط ستر العورة:

هذا أحد شروط الصلاة، شرط الصلاة الأول ما هو؟ الطهارة، هذا شرط الصلاة الأول، وشرط الصلاة الثاني ما هو؟ الوقت، والشرط الثالث الذي بين أيدينا هو ماذا؟ ستر العورة.
هذا الشَّرط من الشروط المجمع عليها، كما هو الحال في شرط الطهارة، وشرط الوقت، فشرط ستر العورة مما حُكي الإجماع عليه، 

إنَّ الأولى أن يُعبَّر عن شرط ستر العورة بشرط أخذ الزينة، لماذا؟
أولًا: لأنَّه لفظ القرآن: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، وأخذ الزينة أعم من ستر العورة، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فيجب ستر العاتق في الصلاة، مع كونهم قد اتفقوا على أنَّ العاتق بالنسبة للرجل ليس من العورة، والمرأة كذلك يجب عليها أن تستر رأسَها، مع أنَّهم أيضًا اتَّفقوا على وجوب ستر المرأة لرأسها مع كون الرأس ليس من العورة بالنسبة للمرأة
إذن الكلام هنا -في حقيقة الأمر- هو فيما أعم من العورة، وبعض الفقهاء قال: إنَّ المقصود بالعورة هنا عورة الصلاة؛ لأنَّ عورة الصلاة تختلف عن عورة النظر، فعورة الصلاة أخص، وهذا تدلُّ عليه أدلةٌ، منها مثلًا الأمر بالحجاب بالنسبة للمرأة، كما قال تعالى: ﴿إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53]، ومن المعلوم أنَّ المرأة لا تُغطي وجهَها في الصلاة، بل لا يجب على الراجح أيضًا تغطية قدمَيها، بينما يجب عليها أن تُغطي وجهها على الراجح أيضًا في غير الصلاة؛ لهذه الآية، وغيرها من الآيات، ولحديث ابن مسعودٍ أيضًا، والحديث عند الترمذي، وإسناده صحيحٌ: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ»، وهو دالٌّ على وجوب تغطيتها لما لا يجب في الصلاة، وهو كما ذكرنا الوجه.


 والمراد بستر العورة في هذا الموضع ما تنطبق عليه الضَّوابط التالية، أو ما يمكن أن نُعنون له بـ:شروط اللباس في الصلاة؛ لأنَّ اللباس هو الذي يحصل به ستر العورة الواجب سترها في الصلاة:
أولًا: قلنا أن يكون الملبوس ثوبًا:    المراد بالثوب ما يستر البدن   سواء كان هذا الثوب   إزارًا، أو رداءً، أو قميصًا، أو غير ذلك
ثانيًا -أن يكون مباحًا: فلا يجوز الاستتار بما هو محرَّمٌ، كثوبٍ مسروقٍ، أو مغصوبٍ، أو ثوبٍ من حريرٍ،
ثالثًا-أن يكون طاهرًا لأنَّ مَن صلى بغير طاهرٍ فإنَّ صلاته لا تصح 
رابعًا-ألا يصف البشرة: فإن كان يصف البشرة بحيث يُرَى ما تحته، أو يُبين ما وراءه؛ فإنه عندئذٍ لا يصدق عليه تحقق السَّتر، ويكون عندئذٍ مما لا يتق معه شرط ستر العورة، فلا تصح الصلاة في مثل تلك الحال،

أنواع العورة في الصلاة
القسم الأول: ما يكون من العورة المُغَلَّظة: ونقصد المُغلَّظة في الصلاة، وليس المُغلظة في النظر، وهما السَّوءتان، وإنما المراد بالمُغلظة في الصلاة ما يجب معه ستر أكبر جزءٍ من البدن، وهذا يكون في عورة الحرَّة البالغة، فجميع بدنها عورة في الصلاة إلا وجهها، وأجاز بعضُهم كشف قدمها أيضًا
وهذا النوع جاءت النصوصُ بالدلالة عليه، كما في حديث عائشة المتقدم: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ»، والمراد بالحائض هنا المرأة البالغة،
فيُستثنى الوجه؛ لأنه ليس بعورةٍ، وذلك قائمٌ على الإجماع
ذهب شيخُ الإسلام -رحمه الله تعالى- إلى عدم وجوب ستر القدمين في الصلاة، وعلل ذلك بأنَّ النساء في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كن في البيوت يلبسن القُمُصَ، وليس لكل امرأةٍ ثوبان حتى يمكن معهما أن تستر قدميها؛ لأنه من المعلوم أنَّ المرأة إذا كان عليها قميصٌ ثم ركعت أو سجدت انكشفت أقدامُها، فلا يكفي مع ذلك عندئذٍ لبس القميص.
وسُميت هذه العورة مُغلظةً لأنها -كما تلاحظون- تجب على سائر الجسد، وهي تكون في المرأة البالغة.
ما ذهب إليه شيخُ الإسلام فيه قوة، لاسيَّما وأنَّه لم يُصحح ما يدل على ستر القدمين، فإذا لم يكن ثَمَّ دليلٌ عليه فإنَّ الأصل عدم اشتراطه؛ لأنَّ اشتراطه يُفضي إلى إبطال الصلاة في حالة انكشاف القدمين، وهذا قد يتأكَّد مع المشقة التي ربما تترتب على مثل ذلك
القسم الثاني: وهو العورة المُخفَّفة: وهي عورة ابن سبع سنين إلى عشر، وهذه العورة هي الفَرْجان فقط، وعُدت مخففةً لجواز كشف ما عداهم.
القسم الثالث: العورة المتوسطة: وهي عورة مَن عداهم، وتكون من السُّرة إلى الرُّكبة، يعني مَن عدا الحرَّة البالغة، ومَن عدا ابن سبع سنين، وهذا يصدق على الرجل البالغ، فالرَّجل البالغ عورته من السُّرة إلى الرُّكبة، ويصدق أيضًا على الأَمَة البالغة
يُستدلَّ لهذا بحديث عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده، أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ -عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ- فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ»، والحديث عند أبي داود.

وفي الصَّحيح -وهو أصح ما جاء في الباب- حديث أبي الدَّرداء، قال: "أقبل أبو بكر -رضي الله عنه- آخذًا بطرف ثوبه، حتى أدى عن ركبته"، كشف عن ركبتيه، "فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ»"، وأخذ من هذا جواز كشف الرُّكبة، وأنَّ الركبة والسُّرة ليستا من العورة، وإنما العورة هي ما دون السُّرة، وما فوق الركبة، وهذا مذهب جمهور أهل العلم.

شرط استقبال القبلة:
هذا من الشروط أيضًا المجمع عليها، والتي دلَّت عليها أدلةٌ كثيرةٌ، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150].
وأيضًا من الأدلة قوله -صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ».

متى يسقط استقبال القبلة؟
يسقط استقبال القبلة عند العجز عن ذلك، سواء كان ذلك لمرضٍ، أو لغيره،
وهناك مسألةٌ ربما تُشكل في الصلاة إلى القبلة بالنسبة للصحيح، وقد عدَّها بعضُهم عذرًا مُسقطًا، وهي ليست كذلك، وهي ما يكون من حالة صلاة الناس في الطَّائرة، والأصل في صلاة الطائرة أمور:
الأول: النَّافلة: يجوز أن يُصليها المرءُ، سواء كان في طائرةٍ، أو سيارةٍ إلى غير القبلة، أو على راحلته، كما جاء في حديث ابن عمر: «حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ»، فكان -عليه الصلاة والسلام- يُصلي كذلك.
وبالتالي لا تجب بالإجماع الصلاة إلى القبلة إذا كان المرءُ على سفرٍ، وهو على دابته، بل يُصلي حيث كان وجه رِكابه، لكن إذا كانت فريضةٌ فيجب عليه أن يقف ويُصلي، إذا لم يستطع إصابة القبلة والقيام بشروط الصلاة وهو على الدَّابة، فإن كان لا يستطيع الوقوف -كما هو الحال في السفينة أو الطائرة- فإنه يجتهد أن يأتي بالشُّروط كلها، فإن أتى بها -يعني بالشروط كلها- فلا حرج.

فإن اختلَّ أحد تلك الشروط -كشرط استقبال القبلة أو الأركان كالقيام ونحو ذلك- فإنَّه لا يخلو من أمورٍ: فإن كان يستطيع أداء الصلاة إذا وصل ولا يخرج وقتُها، يعني مثلًا سفره الساعة العاشرة صباحًا، وسيصل الساعة الرابعة، والمغرب الساعة السادسة، فإنه ينتظر حتى يصل فيُصلي الظهر والعصر جمعًا؛ لأنه مسافر، فوقتهما وقت واحد، لكن لو كان سفره الساعة العاشرة، ووصوله الساعة السابعة مساءً، فسيذهب عليه الظهر والعصر ووقتهما المجموع، فعندئذٍ يجب عليه في هذه الحالة أن يُصلي في الطائرة.
ونقول: في الطائرة يجب أن يُصلي إلى القبلة، فإن كانت الطائرةُ تذهب بعكس القبلة فإنه يتجه إلى القبلة، ويُعاكس اتجاه الطائرة.
ويجب عليه أيضًا أن يُصلي واقفًا، فيأتي بالقيام والركوع والسجود.
طيب، إذا ما استطاع؟ يعني لم يستطع أن يصلي، فليس هناك مكان، ففي بعض الطائرات يضعون مكانًا، وفي كثيرٍ من الطائرات –للأسف- لا مكان للصلاة، وإذا أردت أن تُصلي بالممر ربما زجروك ومنعوك، فماذا يفعل؟
إن وجد مكانًا آخر للصلاة، ولو كان محدودًا، فإنه يجتهد في أن يُصلي فيه، فإن لم يجد فإنه يتجه ولو كان على كرسيه إلى القبلة، وهذا لا يتعذَّر، فبعض الناس يجد أنَّه من العيب أن يُصلي واقفًا وينظر إلى الناس، وما في ذلك؟ هذا ركنٌ من أركان الصلاة، وليتعلم الناس ذلك، وليقوموا مثلك إذا كانوا ممن تجب عليهم الصلاة، فيفعلوا ذلك، حتى تضج الطائرةُ بالصلاة والتكبير.
أمَّا القيام فإنه يُصلي قائمًا، فإذا جاء الركوع أو السُّجود يُومِئ بقدر ما يستطيع، والقصد أنَّ المشقة تجلب التيسير، فلو تعذَّر هذا لسببٍ أو لآخر فإنه يُصلي على حاله التي يستطيع عليها.

بعد ذلك ننتقل إلى شرط: اجتناب النجاسة:
والدليل على هذا الشرط
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 5]، وأيضًا ما جاء في حديث أسماء في دم الحيض، قالت: جاءت امرأةٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، فكيف تصنع؟ قال: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ»، وهذا دالٌّ على وجوب التطهر من النجاسة
إن هذا الشَّرط يقتضي المنع من الصلاة في المواطن النَّجسة بكل عاملٍ، ومن تلك المواطن: الحمام من المواطن التي جاء النَّهي عن الصَّلاة فيها؛ وذلك لما يكون فيه من نجاسةٍ، وهو مظنةٌ لذلك، وهو مأوى للشياطين.
المراد بالحمامات هنا ما كان من الحُشُوش والكُنُف، أمَّا محل الاغتسال إذا لم تكن ثَمَّ نجاسة فيه، فإنَّه عندئذٍ قد يُقال بجواز الصلاة فيه، لكنَّهم يُطلقون الحمام ويُريدون به مكان المُغْتَسل، ويمنعون من الصلاة فيه؛ لأجل ما يكون فيه غالبًا من نجاسةٍ لا يخلو منها مثل هذا الموضع، أمَّا ما كان من الحُشُوش والكُنُف فالنَّجاسة فيها واضحة.
من الأدلة على هذا حديث: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ»، فهذا الحديث دلَّ على تحريم الصلاة في المقبرة
ومن ذلك: أعطان الإبل: والأعطان جمع عطن، ويُراد بها مناخ الإبل ومَبْرَكها،

والحنابلة يُضيفون إلى هذه المواطن: المجزرة، والمزبلة، خلافًا لجمهور أهل العلم،

نختم بشرط النية:
وهذا الشرط هو الشرط الأخير من الشروط المتعلقة بالصلاة، ودليله الحديث الشَّهير: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
وحقيقة النية العزم، وفائدتها في شرط الصلاة أن نُميز بين العبادة والعادة؛
وأيضًا تُميز بين العبادة والعبادة، بين صلاة الظهر وغيرها، وأيضًا تُخلِص لربك فيها.

انتهى.






فقه ( المحاضرة الخامسه )


كنا قد شرعنا في كتاب الطَّهارة، وشرحنا جملةً من الأبواب،
ونقف اليوم على ما يتصل بالمسح على الخُفَّين:
وهذا الباب -باب المسح على الخُفَّين- جاء بعد الحديث عن صفة الوضوء،
 وذلك لتعلُّقه بأحد أعضاء الوضوء، وهي الرِّجْلان، وإحدى حالات الطَّهارة للرِّجْلَين المسح،
 ولذلك جاء في آية الوضوء
: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُواوُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6]،
وهذه هي فروض الوضوء الأربعة مع الترتيب والمُوالاة، وهي ستة.
ثم قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ في قراءة سبعيَّة، فيكون عندئذٍ مسح الرِّجْل معطوفًا على مسح الرأس،
وهذا من أدلة إثبات المسح على الخُفَّين.
فأمَّا في قراءة حفصٍ عن عاصم فهي: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُم﴾ بالنَّصب،
فتكون الأرجلُ عندئذٍ معطوفةً على المغسولات المنصوبة؛ لأنها منصوبة،
وهذا يعني أنَّ فرضَها هو الغسل.
فانظر كيف كان في القرآن دليلٌ على الغسل والمسح في آيةٍ واحدةٍ باختلاف القراءة من النصب إلى الجرِّ،
وهذا يُشير إلى سعة كتاب الله -سبحانه وتعالى- وبركته، ولذلك وصفه الله -جل وعلا-
بالبركة فقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92]، والبركة هي الخير الكثير المُستقر.
شروط المسح على الخُفَّين:
وهي مسألة مهمة، وهذه الشُّروط يمكن أن نُجملها فيما يلي:
الشرط الأول: أن يكون الممسوحُ عليه مما يصدق عليه أنَّه خُفٌّ:
ويُراد بالخُفِّ ما كان مصنوعًا من الجلد ونحوه، مُغطِّيًا لظهر القدم إلى بداية السَّاق،
 يعني إلى فوق الكعبين، فيكون عندئذٍ خُفًّا.
ويلحق بما كان من الجلد ما كان في حكمه، كما هو حال ما نلبسه الآن مما يُسمَّى بالجوارب،
 أو الشُّراب، فهذه ليست من جلدٍ لكنَّها في حكم الجلد، من القطن والكتان ونحو ذلك،
 فالحكم فيها واحد، سواء كان صفيقًا ناعمًا أو لم يكن، وسواء كان مُخَرَّقًا أو كان غير مُخَرَّقٍ.
بمعنى أنَّ كلَّ قاعدةٍ فيما يُمسح عليه ضابطه: أن يصدق عليه أنَّه خُفٌّ أو ما في معناه؛
وذلك لأنَّ النص إنما جاء لإثبات الحكم فيما يُسمَّى خُفًّا، فأي قيودٍ تُضيف إلى
ذلك شرطًا لم يأتِ النص به فإنَّ الأصل عدمها، وإنما يُكتفى بما جاء به النص؛
 لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما مسح وشرع المسح لم يُقيِّد بهذه القيود، بأن يكون مثلًا:
 غير مُخَرَّقٍ، وبأن يكون صفيقًا، وبأن يكون مما يثبت بنفسه، ونحو ذلك.
الشرط الثاني: أن يكون المسحُ في المدة المشروعة:
ومدد المسح يمكن أن أُجملها في ثلاث مُددٍ:
المدة الأولى: هي ما يكون من مسح المُقيم:
ونريد بالمُقيم: الشَّخص المسافر، مثل حال أهل الرياض الذين يُقيمون في الرِّياض،
فإن أراد أحدُهم أن يمسح على خُفَّيه، فله عندئذٍ أن يمسح يومًا وليلةً.
والأصل فيه ما جاء في مسلمٍ من حديث عليٍّ: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل للمُقيم -
في المسح على الخُفَّين- يومًا وليلةً، وجعل للمُسافر ثلاثة أيامٍ بلياليهنَّ.
وهذا الحديث -حديث عليٍّ- يُفيدنا فائدتين:
الأولى: أنَّ مدة المقيم هي يومٌ وليلةٌ، ومدة المسح للمسافر هي ثلاثة أيامٍ بلياليهنَّ.
الآن استفدنا اختلاف مدة المقيم عن مدة المسافر.
أمَّا الفائدة الثانية: فهي أنَّ المدة إنما تُقدر بالزمن، لا بالصلوات، كما يفهم البعضُ أو يظن.
إذن المقيم يمسح يومًا وليلةً، والمسافر يمسح ثلاثة أيامٍ بلياليهنَّ؛ لأنَّ حاله تقتضي التَّوسعة والتَّرخيص،
 وقد شرع له أن يجمع، وأن يقصُر، وأن يُفطِر، فمن باب أولى أن يشرع له أن يتوسَّع في المسح،
 ولذلك كانت مدتُه ثلاثة أيامٍ بلياليهنَّ.
ولو مسح وهو مقيمٌ، ثم سافر، فإنَّ الحكم له يكون حكم السفر، وهكذا لو كان مسافراً ثم أقام،
 فإنَّ الحكم عنده عندئذٍ ينقلب إلى حكم المقيم.
وهذه قاعدة، سواء كانت في المسح، أو في الجمع والقصر، فمَن أدركته الرُّخصةُ
عند انتقاله من حالٍ إلى حالٍ، فالعبرة بالمآل.
ولذلك فلو أنَّ الشخص أدركته الصلاةُ وهو مسافرٌ، ولكنَّه وصل إلى بلده الذي يُقيم فيه، فإنَّه لا يقصرها،
وإنما يُصليها تامَّةً؛ لأنَّ المآل هنا قضى على الرُّخصة، وهذا تنبغي مُراعاته وفهمه.
إذن ذكرنا حالة المقيم، ثم حالة المسافر، وعندنا حالة ثالثة: بلا تأقيتٍ:
والمراد بحالة عدم التَّأقيت هنا لا أن يكون المسحُ بلا وقتٍ مطلقًا كما هو مذهب بعض الفقهاء:
كالمالكيَّة، وإنما الراجح أنَّ المراد في بعض النصوص التي جعلت من مدة المسح أزيد من اليوم والليلة،
 والثلاثة أيام بلياليهنَّ، أنَّ المراد بهذا حالة الضَّرورة، كما جاء في حديث عقبة بن عامر
 لما جاء من الشام إلى المدينة، فسأله عمرُ -رضي الله تعالى عنه- عن لبسه للخُفِّ،
فقال: "من جُمعته"، وقد كان أيضًا في يوم جمعة، مما يعني أنَّه قد مضى أسبوع كامل،
 والأسبوع أكثر من المدد
الواردة: اليوم والليلة، والثلاثة أيام بلياليهنَّ، فلو كان مسافرًا لاكتفى بالثلاثة، لكنَّه زاد إلى أن بلغ أسبوعًا.
فقال عمر -رضي الله تعالى عنه وهذا هو الشَّاهد: "أصبتَ السنة"، وهذا له حكم الرفع،
 فلو كان من عمر أُخِذ به -رضي الله تعالى عنه- إذ لم يُخالَف، فكيف وقد أثبت له حكم السُّنة؟!
 وهذا في مصطلح الحديث مما يثبت له حكم الرفع.
هذا -والله أعلم- حمله مَن ذهب إلى الجمع بين الأدلة -كشيخ الإسلام- وهو منهجٌ معروفٌ عنده،
 وقد ذكرنا لهذا أمثلةً، فذهب إلى أن يكون مختصًّا بحال الضَّرورة والحاجة التي تُسوِّغ ذلك.
عندنا مسألة في التَّأقيت، وهي مسألة: ابتداء مدة المسح:
متى تبدأ مدة المسح؟ هل تبدأ المدة من الحدث؟ أو تبدأ من اللبس؟ أو تبدأ من المسح؟
الظاهر -والله أعلم- أنَّ المدة تبدأ من حين المسح؛ لأنَّها هي الرُّخصة، فيُعلَّق ابتداء الحكم بها،
وهذا كما ذكرناه هو ظاهر النصوص، فالنصوص إنما جاءت بلفظ المسح، فيُقيَّد الحكم به.
ولذلك يقال بأنَّ الراجح كون الحكم مُعلَّق بالمسح، فتبدأ المدة من حين المسح؛ لنحسب عندئذٍ يومًا وليلةً،
 أربعٍ وعشرين ساعةً.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى.
وقد جاء عن عمر: "يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته".
وهذا يُفيدنا أنَّ الحكم يتعلَّق بالمسح، وأيضًا يُفيدنا أنَّ الحكم يتعلَّق بالمدة الزمنية؛ لأنَّه قال:
"إلى مثل ساعته"، يعني من الغد في مثل اللَّحظة الزمنية نفسها.
الشرط الثالث: أن يكون الماسحُ على الخُفِّ قد أدخل قدميه فيه وهو مُتطهِّرٌ:
وهذا الشَّرط يُراد به أن يكون مُتطهِّرًا من الحدث الأصغر والأكبر، وقد جاء في حديث المغيرة:
كنتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفرٍ، فأهويتُ لأنزعَ خُفَّيه فقال:
«دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، والمراد هنا بقوله: «أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»
ليس الخُفَّين، فليس المراد الخُفَّين، فالخُفَّان خبر ليس منصوب، وإنما المراد القَدَمَان،
 دعهما فإني أدخلت القَدَمَين في الخُفَّين وهما طاهرتان.
وهذا يشير إلى اشتراط أن يكون الإنسانُ متطهِّرًا الطهارة الكبرى والصُّغرى.
الشرط الرابع: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر:
يعني أن يكون المسحُ في الحدث الأصغر، وهذا مُستفادٌ من الشَّرط الذي قبله،
 ويمكن دمجه فيه، بمعنى أنَّه إذا كان عليه حدثٌ أكبر من جنابةٍ ونحوها، فإنَّه يلزمه حينئذٍ أن يغتسل،
 ولا يجوز له أن يمسح، والنَّاسي ربما ظنَّ أنه يُجزئه أن يغتسل ويمسح على خُفَّيه،
وهذا غير متصورٍ؛ لأنَّ الغسل تعميمٌ للجسد، ومعنى هذا أن يجري الماءُ حتى على قدميه،
ولذلك جاء في حديث أنسٍ مرفوعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم:
«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، وَلَبَسَ خُفَّيْهِ، فَلَا يَخْلَعْهُمَا إِنْ شَاءَ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ».
وهذا يقودنا إلى مُبطلات المسح على الخُفَّين:
مبطلات المسح على الخُفَّين هي نواقض الوضوء، ونواقض الوضوء هي:
1- الخارج من السَّبيلين.
2- النوم المستغرق: إذا كان مما ينتقض معه الوضوء  فإنَّه عندئذٍ يُبطل المسح على الخُفَّين،
 والمراد به النوم المُستغرق، الذي لا يُدرك الإنسانُ معه ما يُحيط به، أو يصدر منه،
 فإنَّه في تلك الحالة يكون قد انتقض وضوؤه ويلزمه معه أن يمسح إن كان في مدة المسح المشروعة،
 أمَّا إذا انتهت مدة المسح وقد انتقض وضوؤه، فإنَّه يجب عليه أن يخلع الخُفَّين.
ولذلك جاء في حديث صفوان بن عَسَّال: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-
يأمرنا إذا كنا سَفْرًا ألا ننزع خِفَافَنا ثلاثة أيامٍ ولياليهنَّ، إلا من جنابةٍ، ولكن من غائطٍ وبولٍ ونومٍ.
وهذا هو الشاهد: "ولكن من غائطٍ وبولٍ ونومٍ" فإنَّ تلك تنقض المسحَ،
ولكنَّها لا تُوجِب النزعَ، كما هو الحال في الجنابة.
هنا مسألة: حكم المسح:
لنفترض أنَّ رفيع الدين مسح على خُفَّيه اليوم عصرًا، وتحديدًا الساعة الرابعة عصرًا،
أو لنقل أنَّه مسح الساعة الثالثة ظهرًا، فمن الغد كان رفيع الدين قد مسح للظُّهر؛
 لأنَّ الظهر داخلٌ في وقت المسح، ثم جاء وقتُ العصر وأنت على طهارتك،
مع أنَّ الساعة الثالثة تُقارب أذان العصر عندنا، وينتهي وقت المسح،
فهل يجوز له أن يُصلي العصر؟ لأنَّ صلاة العصر ستكون بعد الثالثة؛ لأنَّ الأذان قبلها،
 والصلاة بعدها، فهل يجوز له أن يُصلي العصر بخُفَّيه اللَّذين مسح عليهما قبل انتهاء الوقت
ثم انتهى الوقتُ قبل أن يُصلي فيهما أم لا؟
هذه المسألة من المسائل الخلافية الكبرى، فجمهور أهل العلم على أنَّه لا يُشرَع للمرء أن يُصلي
بخُفَّين قد مسح عليهما إذا انتهت المدة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل للمُقيم يومًا وليلةً،
وللمسافر ثلاثة أيامٍ بلياليهنَّ، فإذا انتهت هذه المدة انتقض الحكمُ -حكم الطهارة- الذي ثبت له أثناءها.
وهذا القول قويٌّ، وذهب إليه -كما ذكرنا- جمهورُ أهل العلم من المذاهب الأربعة.
والقول الثاني في هذا رواية فقهيَّة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وممن أفتى به في هذه البلاد
 المباركة الشيخُ ابن عُثيمين -رحمه الله تعالى- وهو اختيار الشيخ ابن سعدي، وهو: أنَّ المسح لا
ينتقض بانتهاء المدة الزمنية المشروعة، وإنما يُقصَد من المدة المحددة شرعًا مدة إيقاع المسح،
 لا مدة الطهارة المُترتبة عليه.
بمعنى: أنَّه لا يُشرَع لرفيع الدين -جعلك الله اسمًا على مُسمًّى- أن يمسح بعد الساعة الثالثة،
 فإذا جاءت الساعة الثالثة فلا مسح، فإن كان على طهارةٍ سابقةٍ فتبقى، وإن لم يكن فإنَّه
والحالة هذه لا يُشرَع له أن يمسح، ويجب عليه أن يخلع خُفَّيه ويتوضأ للصلاة؛
 لأنَّ المدة الزمنية قد انتهت.
إذن هذا هو المقصود من المدة الزمنية للمسح، وليس المقصود منها -كما يشير شيخ الإسلام-
أن ننقض الطهارة، لماذا؟
شيخ الإسلام ينطلق في هذا من قاعدةٍ عظيمةٍ، وهي: أنَّ الطهارة ثبتت بدليلٍ،
وهو دليل المسح، دليل مشروعية المسح، فإذا ثبتت الطهارةُ بدليلٍ فإنَّها لا تنتقض إلا بدليلٍ،
ولا دليلَ، وهذا التَّقييد من المعلوم والظَّاهر والمتَّفق عليه أنَّ المقصود به هو مدة إيقاع المسح،
أمَّا كونه شرطًا لبقاء الطهارة فهو مختلفٌ فيه،
فإذا اختلفنا فلننظر الدليل، فنجد أنَّ الأصل -وهو بقاء الطهارة واستصحابها-
 أقوى، لماذا؟ لأنَّه يقينٌ، واليقين لا يزول بالشك؛ ولأنَّها طهارةٌ شرعيةٌ، فيكون حكمُها حكم الوضوء،
 والأصل في الوضوء أن يبقى، ولا ينتقض بالزمن، وألا ينتقض بأحد النَّواقض،
 وهذا هو حال المسح، فيُنتقض بأحد النَّواقض، كما لو نقض طهارتَه ببولٍ، أو غائطٍ، أو نومٍ، أو نحو ذلك.
ما حكم خلع الخف؟ هل خلع الخُفِّ ينتقض معه الوضوء أو لا؟
يعني مرةً أخرى: رفيع الدين جاء ليصلي الضحى يومًا، فتوضأ -ومعلومٌ أنَّ سنة الضُّحى
من السنن المتأكدة- فلمَّا فرغ منها كانت الساعة الحادية عشر تقريبًا، فبقي على طهارته،
إلا أنَّه قبل صلاة الظهر -والظهر داخلٌ في المدة الآن، وليس لنا علاقة بمسألة المدة-
خلع خُفَّيه لأيِّ سببٍ كان، فهل يجوز له أن يُصلي الظهر؟
لاحظوا! لم تنتقض طهارته، ولم تنتهِ المدة، ولم يقع أيُّ شيءٍ، إلا أنَّه خلع خُفَّيه،
فهل تنتقض الطهارةُ لمجرد الخلع أم لا؟
هذه المسألة أيضًا من المسائل الخلافية، والجمهور يرون أنَّ خلع الخُفِّ ناقضٌ للطهارة؛
 لأنَّ الطهارة إنما ثبتت على الخُفِّ، فهو قيدٌ وشرطٌ لبقائها، فإذا زال الشرطُ يزول المشروط.
وذهب شيخُ الإسلام -رحمه الله تعالى- وتبعه أيضًا على هذا الشيخ عبد الرحمن السعدي،
 وتلميذه ابنُ عثيمين، وهي رواية فقهيَّة أيضًا، وقولٌ لبعض الفقهاء المتقدِّمين والمُعاصرين
–ذهبوا إلى أنَّ المسح لا ينتقض، لماذا؟
قالوا: المسح لا ينتقض لأنَّ طهارته -كما تقدم- ثبتت بدليلٍ، فلا تنتقض هذه الطهارة إلا بدليلٍ،
 ولا دليلَ على النقض، ائتونا بدليلٍ على أنَّ الخلع يكون من ورائه نقضٌ للطهارة.
ثم إنَّ بقاء الطهارة يقينٌ، واليقين لا يزول بالشَّك.
ثم يمكن أن يُضاف إلى هذا ما قال الشيخ السعدي في مختاراته، حيث قال: "وهذا مثله
مثل مَن مسح على رأسه ثم حلقه"، فلو أنَّ شخصًا مسح على رأسه، ثم حلقه قبل الصلاة،
 فلا يُقال له: انتقضت طهارتك! فهذا مثله، فهو خلع الشعر تقريبًا، وهذا خلع الخُفَّ،
 فما دامت الطهارةُ قد ثبتت فإنَّها لا تنتقض بمثل هذا.
الجبيرة:
الجبيرة لها صلةٌ بالمسح من حيث كونها يُمسَح عليها، وإلا فالفروق بينها وبين الخُفِّ كثيرة،
ويُراد بالجبيرة: ما يُوضَع على الكسر ليلتئم، ويُسمَّى الآن بالجبيرة، وأحيانًا يُسمَّى لفائف،
أو نحو ذلك، فهذه ما حكمها؟
حكمها أنَّها طهارةٌ ضروريةٌ، ولذلك فإنَّه يُمسَح عليها، مثل مَن وضع جبيرةً على يده،
 وشرطها ألا تجاوز مقدار الحاجة، فلو كان الكسرُ في جزءٍ من اليد كالكفِّ مثلًا،
 فإنَّه لا يجوز له -إذا لم تكن ثم حاجة- أن يُجبِر كلَّ يده، فيُذهِب ما حقه الغسل بتغطية هذه الجبيرة.
إذن نحن نقول: إنَّ الجُرح ونحوه إن كان مكشوفًا فيجب غسله ما لم يتضرر،
وإن كان مستورًا فإنَّه عندئذٍ يُمسَح، وإن كان المسحُ يُلحِق به ضررًا فإنَّه عندئذٍ يلجأ إلى التيمم
–كما سيأتي- فهناك بعض الجروح التي ربما يُلحَق بها ضررٌ بالمسح.
الفرق بين الجبيرة والخفِّ:
1- الجبيرة مسحها عزيمةٌ، بخلاف الخُفِّ، فهو رُخصةٌ.
2- والجبيرة أيضًا تُمسَح كلها، بخلاف الخُفِّ، فإنما يُمسَح ظاهره.
وهذه صفةُ المسح على الخُفِّ:
أن يكون من ظاهر القدم، ولا يلزم التَّعميم فيه بجميع أجزائه، كما هو الحال في مسح الرأس،
وإنما يُعمم أكثر الظَّاهر، ولا يمسح الباطن، إذ لو كان الدينُ بالرأي لكان مسح أسفل الخُفِّ
أولى بالمسح من أعلاه؛ لمُلاقاة ذلك للأذى والقذر.
3- والجبيرة يجوز المسح عليها في الحدث الأكبر والأصغر، بخلاف الخُفِّ -كما تقدم.
4- وأيضًا لا يُشترط في المسح على الجبيرة أن تكون على طهارةٍ، فيمكن للمرء أن يتجبر
 -يعني تُوضَع الجبيرةُ عليه- وقد انتقضت طهارته؛ لأنَّها ضرورة، بخلاف الخُفِّ.
5- ولا يمكن للمرء أن يختار التَّوقيت المناسب للجبيرة، بخلاف الخُفِّ.




الفقه ( المحاضرة الرابعة )


الأصل في فروض الوضوء وأركانه هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]
 هذه أربعة أركان، وتُسمَّى عند بعض الفقهاء: فروض، ويُراد بالفروض هنا الأركان؛
لأنَّها جزءٌ من حقيقة وماهية الوضوء، فإنَّ الوضوء إنما يكون بغسل أو مسح ما حقَّه المسح من هذه الأركان،
 يُضاف إليها فرضان، أو ركنان، وهما: الترتيب، والمُوالاة، فأصبحت أركان الوضوء أو فروضه ستةً.
والدليل على انحصار هذه الفروض بهذه الآية هو التتبع والاستقراء، حيث لم نجد غير
 هذه الفروض مما يجب أو لا يصح التطهر إلا به.
المراد بالوضوء نفسه إن شئت أن تقول: نية رفع الحدث، أو الوضوء للصلاة، ونحوها،
 إذن نية رفع الحدث للصلاة ونحوها، هذا من التعريف.
والشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- عرَّف في كتابه الممتع الوضوء بقوله: "التَّعبُّد لله
-عز وجل- بغسل الأعضاء الأربعة على صفةٍ مخصوصةٍ".
الأعضاء الأربعة التي ذكرناها، وهي: الوجه، واليدان، والرأس، والقَدَمان.
ولذلك أشير هنا إلى قضيةٍ، وهي أنَّ أهم ما في الوضوء هو ما أشار إليه التَّعريفان،
 وهو كون الوضوء يقوم على نية رفع الحدث.
والنية هنا -يا إخوة وكذلك المُتابعين والمتابعات- وفي هذا المقام يُراد بها القصد،
وهي ملازمةٌ للعمل، والتَّلفُّظ بها بدعة، وهي من مواطن الوسوسة عند كثيرٍ من الناس،
 لا سيَّما من أخواتنا النساء، ولذلك من المهم جدًّا أن نتصور أنَّ النية لا تقتضي عملًا،
أقصد أن النية في ذاتها هي مجرد القصد الذي يُلازم العمل، ولا ينفصل عنه،
فمتى ابتغينا عزلَ النية أو فصلها عن العمل، كانت هذه النية عبئًا على النَّاوي،
 وأصبحت تُشكِّل هاجسًا يتطور إلى أن يكون وسواسًا -نسأل الله السلامة والعافية.
ولذلك قال الشَّافعي -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:
 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾[المائدة: 6]:
"هذا أمرٌ، وهو دالٌّ على استحباب التطهر لكلِّ صلاةٍ"، كأنَّ الله يقول:
إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وهو إشارة إلى أن التَّطهر يكون
عند القيام لكلِّ صلاةٍ، إلا أنَّه لما جاء أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ للصَّلوات الخمس
كلها وضوءًا واحدًا، دلَّ هذا على أنَّ الأمر مصروفٌ من الإيجاب إلى الاستحباب،
 والأصل في الأمر عند إطلاقه -كما هو الراجح عند أهل الأصول- أنَّه للوجوب،
ما لم يصرف ذلك صارفٌ، فلمَّا جاء فعلُ النبي -صلى الله عليه وسلم-
 الدال على عدم وجوب التَّطهر لكلِّ صلاةٍ، كان هذا صارفًا من الإيجاب إلى الاستحباب.
إذا أردنا أن نشرع الآن في الوضوء، فنقول: أول ما يُبدَأ به في الوضوء: التَّسمية،
 والتسمية هي: بسم الله، وذلك عند بداية الوضوء،
والأصل فيها حديث أبي سعيدٍ الخدري: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ».
وهذه المسألة مما اختلف فيها أهلُ العلم، بناءً على اختلافهم في صحة الحديث،
فمن أسباب الخلاف التي أشار إليها الإمامُ ابن تيمية في كتابه "رفع المَلام عن الأئمة الأعلام
" اختلاف العلماء في صحة الحديث؛ لأنَّ الحديث -كما أيضًا في القرآن- معلومٌ أنه هو مصدر الأحكام،
 فإذا كان الحديثُ ثابتًا أو كانت دلالةُ الآية غير نصيَّةٍ محتملة، فإنَّه عندئذٍ يقع الخلافُ بين الفقهاء،
 وهذا ما وقع بينهم في هذا الحديث.
ولذلك فإنَّ مَن ضعَّف هذا الحديث فإنَّه لم يقل بالإيجاب فيه، إلا أنَّ الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-
لديه قاعدة معروفة في أصول مذهبه، وهي: أنَّ الحديث الضعيف أحبُّ إليه من قول الرجال،
 ولذلك فإنَّه -رحمه الله تعالى- أخذ به، ومَن ضعَّف هذا الحديث قال أنَّه
 لا يثبت في هذا الباب شيءٌ، يعني في التسمية عند الوضوء.
فمع كون الحديث ضعيفًا إلا أنَّه يُعتمد عليه، لا سيَّما وهذا الحديث قد حسَّنه عددٌ من أهل العلم:
 كابن الصلاح، وابن حجر، والنووي، وغيرهم، وربما كان له أصلٌ عندهم،
 فمجموع طرقه تُصلحه لأجل أن يُحتج به عندهم، ولذلك أشار ابنُ تيمية وابنُ القيم إلى
 أنَّ مجموع هذا الحديث يُشعر بأنَّ له أصلًا.
لكن الحقَّ أنَّ ما ذهب إليه جمهورُ أهل العلم من: الحنفية، والمالكية، والشافعية،
وهو الاستحباب، أقرب، استحباب التَّسمية عند الوضوء، فهذا أقرب؛ لما ذكرنا
من أن الحديث في ثبوته نظر، لكن كون هذا الحديث قد ورد، وقد جاءت أحاديثُ
 أخرى في استحباب التسمية عند الشروع في الأعمال، فلا شكَّ أنَّ مثل هذه العبادة
هي مما يتجه تنزيل تلك الأحاديث التي جاءت بمشروعية التسمية عند  العبادات،
 ولذلك أخذ أهلُ العلم بمثل هذه الأحاديث العامَّة التي تُفيد مشروعية البسملة عند الابتداء،
فمع هذا الحديث ما يُقوِّيه، فجعلوه مما يُستحب عند الأعمال.
وهذا يمكن أن نُشير إليه بأنَّه قول أو اختيار الشَّيخين: ابن باز، وابن عثيمين -رحمهما الله تعالى-
 وهم من كبار علماء هذا البلد المبارك، ولذلك نُنبه إلى استحباب التسمية عند الشروع في الوضوء.
بعد ذلك يمكن أن ننتقل إلى ما يعقب التسمية، وهو: غسل الكفين ثلاثًا:
إذن إذا قلت: بسم الله، فإنَّك بعد ذلك تغسل كفيك ثلاث مراتٍ، والكَفَّان هما باطن اليدين،
 فهذان هما الكَفَّان، وهما الباطن، كما أنَّ لليد ظاهرًا أيضًا.
والدليل على غسل الكَفَّين ما جاء في حديث عبد الله بن زيد -رضي الله تعالى عنه.
وحديث عبد الله بن زيد وحديث حمران مولى عثمان بن عفان، يعني حديث عثمان بن عفان -
رضي الله تعالى عنه- هما أصل صفة وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم.
ولذلك ينبغي لطالب العلم وطالبة العلم أن يحفظا هذين الحديثين، فهما حديثان جليلان.
كون غسل الكَفَّين جاء في حديث ابن زيد، ولم يأتِ في حديث عثمان، يعني جاء في بعض الصِّفات
 في وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يأتِ في صفاتٍ أخرى؟!
{يدلُّ على استحباب غسل الكَفَّين، وعدم وجوبهما}.
لما توضأ عثمانُ -رضي الله تعالى عنه- وقال عندما فرغ من وضوئه:
"إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ بنحو وضوئي هذا". ولم يغسل كَفَّيه،
 دلَّ ذلك على أنَّ غسل الكَفَّين من المُستحبَّات، إذ لو كان واجبًا لما تركه عثمانُ
-رضي الله تعالى عنه- وهو يحكي صفةَ وضوئه -عليه الصلاة والسلام.
والحكمة -والله أعلم- من غسل الكَفَّين: كونهما آلة الوضوء، فينبغي أن يكونا نظيفين،
 وأن يبدأ بغسلهما قبل أيِّ شيءٍ آخر.
هذا ما يتصل بغسل الكَفَّين، ثم بعد غسل الكفين ننتقل إلى: المضمضة والاستنشاق:
ويُراد بالمضمضة: إدارة الماء في الفم، بحيث يصل إلى خلف الأضراس.
أمَّا الاستنشاق فيُراد به جذب الماء إلى الأنف بالنفس.
إذن المضمضة ما هي؟
إدارة الماء في الفم، بحيث يصل إلى خلف الأضراس، فأنت حين تأخذ الماء تتمضمض به،
ولذلك جاء: «تَمَضْمَضْ»، وفي الاستنشاق جاء: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا».
إذن المضمضة المشروعة لابُد فيها من إدارة الماء وتحريكه في الفم، بحيث يحصل المقصود
 منها، فليس المقصود من المضمضة مجرد بقاء الماء في الفم، وإنما المقصود تنظيف الفم، ومثله الاستنشاق.
ثم يستنشق بأن يجذبه؛ لأنَّ الاستنشاق لا يمكن أن يُتصور حقيقةً بإدخال الماء إلى الأنف
 إلا باستخدام النَّفَس، بخلاف الفم، فبمجرد فتح الفم يمكن عندئذٍ أن يدخل من غير جذبه بنفسه
والمذهب عند الحنابلة اعتبار المضمضة والاستنشاق من واجبات الوضوء؛ وذلك لأنَّها
 تدخل في حدِّ المواجهة، والله قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] والفم والأنف مما تحصل به المواجهة،
 وهذا يُقال لكلِّ ما تحصل به المواجهة من مُنحنى الرأس، وهو منبت الشعر تقريبًا،
 إلى أن تنتهي اللحية، مهما طالت، فهذا كله داخلٌ في الوجه، فيجب عندئذٍ غسله.
أمَّا الاستِنْثار فهو سنة، وإن كان لا شكَّ أنَّ طهارة الأنف لا تتم إلا بالاستنثار بعد الاستنشاق،
 حتى يزول ما بالمرء من أذًى.
وبالنسبة للحية فإنَّها تدخل في المُواجهة، فحكمها عندئذٍ أن تُغسَل؛ لأنَّها مما تحصل به المواجهة،
فإن كانت خفيفةً -يعني يظهر من ورائها الجلد- فيجب أن يغسلها كلها حتى يصل إلى الجلد،
 أمَّا إن كانت كثيفةً فيغسل ظاهرها كاملًا، ولا يجب عليه أن يغسل اللحية حتى يصل إلى منابتها،
 وإنما يُخلِّلها كما جاء في حديث لقيطٍ أيضًا.
والضابط بين الخفيفة والكثيفة هو ظهور البشرة، فإذا كانت البشرةُ تظهر فإنَّها عندئذٍ تكون خفيفةً،
فيجب أن يصل الماء إلى البشرة، وإذا كانت البشرة لا تظهر كما لو كانت كثيفةً،
فإنَّه يكفي أن يغسل ظاهرها -كما ذكرنا- ويُستحبُّ له أن يُخللها؛ لفعل النبي
-صلى الله عليه وسلم- والتَّخليل هو إدخال أصابعه في شعره.
أمَّا ما يتصل بسائر شعر الوجه، كالشارب مثلًا، وما يُسمَّى بالعَنْفَقَة أيضًا،
مما لا ينبت على اللحية، وما يتصل بنحو ذلك، فإنَّ الأصل في هذا أن يُغسَل أيضًا؛ لأنَّه داخلٌ في حدِّ المواجهة
-كما تقدم- وبالتالي يجب على المتطهر أن يغسله كله.
ننتقل بعد ذلك إلى: غسل اليدين إلى المرفقين:
والغسل -غسل اليدين إلى المرفقين- يُراد به من مبادئ أصابع اليد، يعني من بداية
 الأصابع إلى المرفق، والأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]
ولفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يُفسِّر النص الوارد.
والغسل ثلاثًا، وكله على سبيل الاستحباب، فالأصل في غسل كلِّ الأعضاء أن يكون ثلاثًا،
 إلا الرأس، فإنما يُمسَح واحدةً كما جاء عنه -رضي الله عنه: "ومسح برأسه واحدةً".
وبالتالي يُقال أنَّه يغسل أعضاءه ثلاثًا، لكن هذا على سبيل الاستحباب، لماذا؟
لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- غسل مرةً، مما يدلُّ على أنَّ الغسل ثلاثًا ليس على سبيل الإيجاب.
بعد ذلك ننتقل إلى: مسح الرأس:
أولًا: الفرق بين المسح والغسل أنَّ المسح لا يحتاج إلى إجراء الماء، فالمسح يكفي
فيه تبليل اليد، فإذا كانت اليد مُبللةً بالماء غيرَ ناشفةٍ أو يابسة، فإنَّه عندئذٍ يُجزئ المرء أن يمسح رأسَه بها.
والحكمة من جعل فرض الرأس -والله أعلم- هو المسح: التيسير على الناس،
 والصفة -صفة مسح الرأس- جاءت في حديث عبد الله بن زيد واضحةً جدًّا:
"بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه».
 فما كان من اللحية متَّصلًا ولو كان نازلًا تحصل به المواجهة مهما نزل،
 لكن ما كان من الرأس متصلًا نازلًا لا يحصل به التَّرأس، فيخرج عن مُسمَّى الرأس أساسًا،
 ولذلك كان المسحُ فقط فيما يصل إلى مُسمَّى الرأس، فيما كان مرتفعًا عن باقي الجسد،
 أما إذا نزل فإنَّه عندئذٍ يستوي مع الكتف، ويستوي مع الظَّهر، إلى آخره
مما لا يكون له عندئذٍ حكم الرأس، فيجب مسحه.
وهنا أُشير إلى أنَّه يتصل بالمسح أو بمسح الرأس الكلام على الباء في قوله:
 ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] فمَن قال أنَّ الباء هنا للتبعيض -كما ذهب إلى ذلك الحنفية-
 فإنَّه قال: لا يجب التَّعميم، ومَن قال أنَّ الباء للإلصاق -وهو قول جمهور أهل العلم-
 فيجب عندئذٍ أن يُعمم مسح رأسه كاملًا، مُلصقًا لهذا المسح، يعني ملصقًا ليديه برأسه،
وهذا هو الظاهر، وهو الراجح، كما بينا.
وهنا أشير إلى أنَّ من الرأس -كما قلنا- غسل الفم والأنف، ومن الرأس أيضًا مسح الأذنين،
فالأذنان من الرأس، وهكذا فعل -عليه الصلاة والسلام- لما مسح برأسه، ثم أدخل أصبعيه
السَّبَّاحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، وهذا يعني أن تُدْخِل السَّبَّاحة،
 وهذه تسمية لها بأشرف ما يمكن أن تصنع، خلافًا لما يشتهر عنها بأنَّها السَّبَّابة؛
لأنَّ المرء إذا تسابَّ هو وغيره أشار بها إلى غيره -نسأل الله ألا نستخدمها إلا في تسبيحٍ، لا في غيره.
فيُدخِل السَّباحة في صِمَاخ الأذن، يعني في أصل الأذن، ثم بعد ذلك يمسح بالإبهام ظاهر الأذن،
 وهذا يعني أنَّه لا يُشرَع له أن يمسح التَّجاويف، كما يفعل البعض، فالنبي -
صلى الله عليه وسلم- أدخلها في صِمَاخ أذنيه، في داخل الأذن، ثم كأنَّما يسد بها
 عن الصوت تمامًا في موضع سدادة الصوت، ثم يمسح بالإبهام من الظَّاهر، من الخارج،
أمَّا التَّجاويف الأخرى فليست داخلةً كما يصنع البعض، وربما بالغ في مثل هذا،
 وهو غير واردٍ عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
هنا يمكن أن أشير إلى قضيةٍ، وهي: أنَّ مسح الأذنين من فروض الوضوء؛
 لأنَّه داخلٌ -كما ذكرنا- في الرأس، ولأنَّه لم يُنقَل في صفة وضوئه -
عليه الصلاة والسلام- أنَّه ترك مسح أذنيه، ولهذا أشير إلى قضيةٍ،
وهي أنَّه لا يُشرع أخذ ماءٍ جديدٍ للأذنين، بل لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-
أنَّه أخذ ماءً جديدًا للأذنين، وهذا -في حقيقة الأمر- يرد هنا، ويرد في المضمضة والاستنشاق،
فلم يثبت أيضًا عنه -عليه الصلاة والسلام- أنَّه فصل بين المضمضة والاستنشاق،
 بل كان يُمضمض من كفٍّ واحدٍ، يفعل ذلك ثلاثًا، كما جاء في حديث عبد الله:
"فمضمض واستنشق من كَفٍّ واحدٍ".
بعض الناس يتمضمض ثلاث مراتٍ، ثم يستنشق ثلاث مراتٍ، وهذا خطأ،
وإنما يُمضمض ويستنشق من كَفٍّ واحدٍ ثلاث مراتٍ، وهكذا إذا مسح رأسَه،
 فلا يأخذ ماءً جديدًا، بل بنفس اليدين، وفي نفس الحالة، فيُدخل أصبعيه السَّباحتين في أذنيه،
ثم يمسح ظاهر أذنيه، هذا هو أكمل الوضوء الوارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-
 ويكون -كما ذكرنا- ثلاثًا ثلاثًا، إلا في الرأس مرةً واحدةً، لكن جاء في حديث ابن عباسٍ
عند البخاري: "أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ مرةً مرةً".
وهنا يمكن أن نُشير إلى قضيةٍ، وهي: ما يتصل بمسح الرأس، أو بما ورد من حديث المغيرة:
 "أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- مسح على ناصيته"، وأنَّ هذا قد استدلَّ به البعضُ على
 أنَّ المسح إنما يكون لبعض الرأس.
والحقيقة أنَّ هذا الحديث اختصره بعضُ الرواة، وإلا فإنَّ في الصحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-
مسح على النَّاصية وعلى العمامة، فدلَّ على أنَّ المسح لم يكن لبعض الرأس، إنما كان على كامل الرأس،
 وهو المسح على العمامة، حيث أخذت العمامةُ حكم الباقي، فلمَّا كان بعضُ الرأس قد كُشِف،
 فإنَّ الإنسان يمسحه، هذا يُؤكِّد التعميم، فإذن لو كانت القضية للتبعيض لاكتفى
بمسح الناصية دون العمامة، أو العمامة دون الناصية، فلمَّا جمع في المسح بينهما،
 مع كونهما مختلفتين: فالعمامة لها جنس، والرأس لا شكَّ أنَّ لها جنسًا آخر وحقيقةً أخرى،
 فدلَّ هذا على اشتراط ووجوب التعميم، وهو أيضًا دليلٌ على خلاف مَن استدلَّ به، بل هو دليلٌ عليه.
وهنا أُشير إلى الحكمة من فرض المسح في الرأس دون الغسل، وربما قدمنا بها،
 وهي التيسير؛ لأنه لو كان شعرُ الإنسان كثيرًا فإنَّ الغسل عندئذٍ سيشق عليه،
وربما أصابه نوعٌ من الضَّرر، لا سيَّما عند وجود البرد والهواء ونحو ذلك،
وهذا من حكمة الله -سبحانه وتعالى.
ننتقل بعد ذلك إلى آخر ما يتصل بالوضوء، وهو: غسل الرِّجْلَين إلى الكعبين:
ويُراد بالكعبين: العَظْمَان النَّاتئان اللذان بأسفل السَّاق من جانبي القدمين.
لاحظوا الصورة، هنا الكعب كما يُشير إليه السهم، وهو يقع فاصلًا بين القدم نفسها والساق،
ومن أكثر الأخطاء التي يقع فيها الناس ما يكون من ترك المنطقة التي هي خلف الكعب،
وهي خلف القدم أيضًا، وهي العَقِب، ولذلك قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»؛
لأنَّ وضوء المرء عندئذٍ لا يتم، بل يجب عليه أن يُعيده، فلمَّا رأى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-
رجلًا في قدمه قدر القطعة من الظفر، أمره أن يرجع فيُحسِن وضوءه، وهذا خطر، فيجب أن نُنبه الناسَ إليه.
ودليل غسل الرِّجلين قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]، وهذا هو الفرض الرابع من فروض الوضوء.
قلنا:
الفرض الأول: الوجه.
والفرض الثاني: اليدان.
والفرض الثالث: الرأس.
والفرض الرابع: الرِّجْلَين.
ننتقل إلى الفرض الخامس بعد ذلك، وهو:
الترتيب بين هذه المغسُولات:
ما دليل الترتيب؟ ولماذا كان الترتيب فرضًا وركنًا من أركان الوضوء؟
 فلو أنَّ شخصًا قدَّم غسل الرِّجْلَين على مسح الرأس، أو مسح الرأس على غسل اليدين،
 أو غسل اليدين على غسل الوجه، كان وضوؤه غير صحيحٍ.
لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُنقَل عنه ولو مرةً واحدةً أنَّه خالف هذا الترتيب،
 فنلتزم ما ورد عنه -عليه الصلاة والسلام- يُؤكِّد هذا أنَّ الآية أدخلت الممسوح بين المغسولات،
ففي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾
 ثم ماذا قال؟ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
ولاحظ "أرجلكم" معطوف منصوب، فيكون إذن معطوفًا على المغسولات؛ لأنَّه قال:
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ مفعول منصوب، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أقصد في الآخر، فنُصِب،
 فكان العطفُ على المغسولات، فكان فرضُ الرِّجْل الغسل، بينما في الرأس قال:
﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وهذه قراءة سبعيَّة، وهي قراءة حفص، بينما هناك قراءة أخرى سبعية،
 وهي: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ وهي دالَّةٌ على مسح الخُفِّ كما استدلَّ بها أهلُ العلم.
إذن لما أدخل الممسوح بين المغسولات دلَّ هذا على أنَّ الترتيب مقصودٌ،
إذ لو كان الترتيبُ غير مقصودٍ لأُخِّر الممسوح بعد المغسولات؛
ليكون كلُّ شيءٍ مع جنسه الذي هو فيه.
وهنا مسألةٌ يمكن أن نُشير إليها، وهي: أنَّ البعض ربما مثلًا يغتسل،
فهل إذا اغتسل يُجزئه أن يُصلي باغتساله هذا أم لا؟ ولماذا؟
الجواب: أنَّه إذا اغتسل غسلًا عن جنابةٍ فإنَّه يُجزئه عن وضوئه؛ لأنَّ الله يقول:
﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، وهذه الطَّهارة كبرى، فتشمل الصُّغرى؛
 لأنَّ الزيادة في المبنى تزيد الزِّيادة في المعنى.
لكن إذا كان غسلًا مُستحبًّا فإنَّه لا يُجزئه عن وضوئه إلا إذا رتَّبه، يعني
 وهو يغتسل تمضمض مثلًا واستنشق، وغسل وجهه، وغسل يديه، وغسل رِجْلَيه،
 وهو يغتسل، فعندئذٍ يُجزئ، وإلا فإنَّه لا يجزئه، لماذا؟ لأنَّه فَقَدَ شرطَ أو ركنَ أو فرضَ الترتيب.
ومثله طبعًا مَن يسبح في مسبحٍ ونحو ذلك، لا يكفيه أن يخرج من غير أن يُرتِّب،
 ما لم يكن -كما ذكرنا- غسلًا عن واجبٍ.
نختم بالمُوالاة:
وهي الفرض السادس، والمراد بالموالاة ألا يفصل بفاصلٍ عُرْفًا بين الأعضاء المغسولة،
 وهذا لم يرد فيه ضابطٌ، يعني لم يرد في قدر هذا الفاصل ضابطٌ.
وَكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ *** بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ
فالعُرْف هو الذي يضبط هذا.
ومن أدلة المُوالاة أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا وفي ظهر قدمه لمعةٌ مثل الظُّفر،
وكان يُصلي، فأمره أن يُعِيد الوضوءَ والصلاةَ، وأيضًا جاء في روايةٍ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ»،
وهذا إن دلَّ فإنما يدل على اشتراط المُوالاة.
ومن هنا أُشير إلى أننا قد فرغنا مما يتعلَّق بفروض الوضوء، وهي مسألةٌ مهمةٌ،
وتعم الحاجة إليها، ونحتاج إلى أن نُعرِّف الناسَ بها، وأن نُنبههم عليها،
لا سيَّما وأنَّ بعضهم لا يتوضأ الوضوء المشروع، بل المشروع في حقِّ الناس أن يُسْبِغوا الوضوء على المكاره،
 كما قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَرْفَعُ اللهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ، وَيَحُطُّ بِهِ الْخَطَايَا»،
 وذكر من ذلك -عليه الصلاة والسلام: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ،
 وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ».
مساله ،،، مَن ليس لديه يدان، ولا رجلان، فضلًا عن أن يكون له قدمان.
هذا يكفيه أن يغسل أصلَ الطَّرف؛ لأنَّه لا يدان ولا قدمان له.
ومَن كانت له أطراف صناعية، هل يغسلها أم لا؟
الأقرب: نعم، فيغسل تلك الأطراف؛ لأنَّها أصبحت في حكم الحقيقية، ولا يُكلَّف نزعها ثم غسل أصلها.
وقد يختلف هذا عمَّا يكون ملبوسًا فوق العضو: كالبارُوكة مثلًا لمَن احتاجت إلى ذلك ولبستها،
 وإلا فإنَّ الأصل عدم مشروعيَّتها لمَن لم تحتج إليها، فإنَّه عندئذٍ الأقرب أن يتم خلعها، ويُمسَح الرأس من غيرها؛ لأنَّه لا يصدق عليها أنَّها من الرأس، فهي جزءٌ مُنفصلٌ عنه.
فالقاعدة في الأطراف المُقَطَّعة التي ذكرناها هي: ما قُطِع سقط فرضه، ففرض اليدين الغسل،
فيسقط هذا، ويبقى الأصل فقط.
قد يرد عندنا أيضًا سؤالٌ هنا، وهو ما يتصل بتركيبة الأسنان، فكثيرٌ من الناس لديهم أسنان،
فهل يجب عليهم أن يخلعوها أم لا؟
لا يجب عليهم خلع الأسنان، لحديث أسعد بن عَرْفَجَة لما اتَّخذ أنفًا من ذهبٍ، فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-
لم يأمره بخلع هذا الأنف وغسل أصله، وهكذا السِّنُّ، وكذلك لبس النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-
 الخاتم، وأقرَّه للصحابة، وكانوا يلبسون خواتمهم، ولم يكن يأمرهم بخلعها، وهذا فيه نوعٌ من التيسير،
 وهو مما يُستدلُّ به على عدم خلع مثل تلك الأشياء.
من المسائل المهمَّة هنا: ما يُوضَع على البَشَرَة من كريماتٍ ونحوها من الدُّهون،
 فالأصل في مثل تلك الأشياء أنَّها إذا كانت حائلًا بين الماء والبشرة -
يعني لم تكن خفيفةً بحيث يصل الماءُ إلى البشرة- فيجب عندئذٍ أن تتم إزالتها.