مسألة،
لو قال قائل: إذا كان عليَّ وضوء وهو يدافع البول أو الريح، لكن لو قضى حاجته، لم يكن عنده ماء يتوضأ به،
ويشكل عليه أنه ليس عنده ماء فيضطر إلى التيمم، فما هو الأوفق في حقه؟
يقضي حاجته ويتيمم
لأن جاء النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، لكن لم يأت النهي عن الصلاة بالتيم
مسألة أخرى: لو قال شخص أنا.. لو وقع عنده أيضًا مدافعة للأخبثين، وقال: لو أني قضيت الحاجة ثم توضأت خرج الوقت، فأيهما عندئذ يقدَّم؟ هل يصلي في الوقت، ولاحظ أن شرط الوقت هو أهم الشروط، أم يكون على حاله التي هو عليه مدافعًا للأخبثين، ويصلي في الوقت حتى يتمكن من إدراك هذا الشرط؛ لأنه لو لم يصنع ذلك خرج عليه الوقت.؟
نقول: إن كانت المدافعة شديدة فلا يدري ما يقرأ معها، أو كيف يصلي وهي عليه، وربما خشي أن يخرج منه أيضًا الريح مثلاً، أو أحد الأخبثين وهو يصلي، فإنه ينبغي ألا يكون ثمَّ خلاف في تقديم عندئذ قضائه حاجته، ثم وضوئه ولو خرج الوقت.
أما إن كانت الحال دون ذلك، يعني يمكنه أن يواصل في الصلاة، يمكنه أن يعقل شيئًا منها، لا يخشى أن يخرج عليه شيء أثناءها، ولكنه أيضًا يدافع كما جاء في النص «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»، فهو يدافع ذلك، فعندئذ نفصَّل
نقول: إن كانت الصلاة تُجمع إلى ما بعدها، مثل كانت صلاة الظهر مثلاً، فيمكنه أن يجمعها مع العصر لو خرج وقتها، فإنه لا إشكال عندئذ من الجمع؛ لأن الجمع للحاجة، وهذه حاجة ظاهرة، إن كانت لا تُجمع، كما لو كانت صلاة الفجر، أو كانت صلاة العصر، آخر وقتها، أو صلاة العشاء آخر وقتها، فثم قولان: جمهور أهل العلم يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين؛ لأن شرط الوقت هو أهم الشروط، وهذا القول وهو قول الجمهور، وهو يقوم -كما ذكرنا- على أدلة الشارع التي جاءت وتتابعت في التأكيد على أهمية شرط الوقت
القول الثاني: يقضي حاجته ويصلي، ولو خرج الوقت، وهذا الحقيقة قول قوي؛ لأنه امتثال للنص، ولأنه متلبث في عذر يمنعه من الصلاة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان».
أما كراهية الصلاة بحضرة الطعام، وهي الشق الثاني في الحديث، فيمكن أن نقيدها بقيود:
القيد الأول: أن يكون هذا الطعام حاضرًا، بمعنى: أن يكون قد تم إعداد الطعام وتجهيزه
(الطعام المقدم الجاهز للأكل)
القيد الثاني :
أن يكون الطعام مما يُقدر على تناوله حسًّا وشرعًا، يعني بمعنى أحيانًا الشخص يكون صائم، فلا قيمة لحضور الطعام في مثل تلك الحالة، سواءً كان صوم فرضًا أو نفلاً، أو يكون هناك منع حسي، يكون مريضًا، أو يكون هناك ما يمنعه من أكل هذا الطعام،
القيد الثالث
أضاف بعض الفقهاء أيضًا: تتوق النفس إليه، فلو لم يكن الشخص يتوق إلى الطعام، الطعام حاضر، ولا مانع، ولكنه لا رغبة له فيه، وهذا القيد الذي ذكره الحنابلة وغيرهم، له وجه الحقيقة؛ لأن المقصد ظاهر من مثل هذا المنع، لما في ذلك من اشتغال الذهن وانصراف القلب وعدم الخشوع، أو وضعف الخشوع في مثل تلك الحالة..
ربما يكون ممن لا يحب مثل هذا الطعام، أو شخص ليس جائعًا، فكيف نقول عندئذ أن لك عذرًا في ترك الصلاة؟ هذا -كما ذكرنا- غير وارد في مثل تلك الحالة.
هل هذا النفي «لا صلاة» نفي للصلاة، هل هو نفي للصحة أو للكمال، يعني لو صلى وهو يدافعه الأخبثان، أو صلى وهو بحضرة طعام، هل صلاته صحيحة أم باطلة؟
{صحيحة}.
صحيحة، نعم هو قول الجمهور، يرى الجمهور أنه نفي للكمال فيكره للمرء أن يصلي في هذه الحال
لكن لو صلى فصلاته صحيحة،
هل يقوم حال ما يقضي نهمته؟ أو أن قيامه يكون بعد فراغه من الأكل تمامًا؟ أو هو بمجرد اللقمة واللقمتين ليسد شيئًا من جوعته؟
الأقرب -والله أعلم- أنه لا يقوم حتى يقضي من الطعام نهمته، يعني حتى لا يكون هناك تعلق بهذا الطعام، بحيث أنه يكون شبع منه أو كاد،
أيضًا مما هو مكروه في الصلاة: افتراش الرجل ذراعيه في السجود، والافتراش بهذه الطريقة، بحيث أنه يضع ذراعه على الأرض، فيكون كما هو حال السباع،
إذن: مشابهة الحيوانات في الصلاة كلها من مواضع الكراهة التي أكد الشارع على الابتعاد عنها.
أيضًا تغميض العينين هذا من مواضع الكراهة لأنه من أفعال اليهود
ولذلك أشار ابن القيم في كتابه العظيم "الهدي النبوي" المشهور بـ"زاد المعاد" إلى هذا، ثم قال: "وكرهه جماعة؛ لأنه فعل اليهود -يعني تغميض العين- وأباحه جماعة ولم يكرهوه؛ لأنه أقرب إلى تحصيل الخشوع، قال: والصواب إن كان لا يخل بالخشوع، فهو أفضل -يعني فتح العينين- وإلا فقد يكون مستحبًا لا مكروهًا وهو أقرب لقصد الشرع"، يعني إذا كان المرء يحتاج إلى تغميض العينين لأجل أن يخشع، مثل أن يكون في جهته ما يشغله، من تصاوير، أو من أناس، أو من أشكال وألوان، فإنه عندئذ إذا أغمض عينيه، وكان ذلك له أخشع، فليس مكروهًا، بل كما يقول ابن القيم قد يقال بأنه يستحب، وهذا الفقه الحقيقة،
مسألة الصلاة في الكنيسة، لاسيما وأن الكيسة فيها أيضًا التصاوير، وفيها ما يشغل الإنسان ونحو ذلك، الفقهاء اختلفوا فيها على أقوال، منهم من منع هذا مطلقًا، وهذا مذهب مالك، ومنهم من أذن في الصلاة في الكنيسة مطلقًا، وهو قول لبعض أصحاب الإمام أحمد، وقول ثالث وهو مأثور عن عمر -رضي الله تعالى عنه- وعن غيره، وهو قوي، التفصيل: إن كان فيها صور لم يصل فيها؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يدخل الكعبة حتى محى ما فيها من الصور، ولذلك جاء عن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: "إنا لا ندخل كنائسهم والصور فيها"، وهذا منقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية، منقول عنه اختياره.
المكروهة أيضًا ما يخص جبهته بما يسجد عليه؛ لأن ذلك من شعار الرافضة، فكرهه الفقهاء بما فيه من التشبه بأهل الباطل.
ومن المكروهات: عقص الشعر، ما المراد بعقص الشعر؟ أي ليه وإدخال أطرافه في أصوله، وكفه -أي الشعر- وكف ثوبه ونحوه، أي نحو كف الثوب، وهو أيضًا جمع الشعر على الرأس وشده بشيء حتى لا ينحل، وهذا كما لا يخافكم يصنعه النساء كثيرًا.
هل النهي هذا يشمل النساء؟
قال
الحافظ العراقي صاحب الألفية الشهيرة، والمحدث المعروف، قال: "وهو مختص بالرجال دون النساء؛ لأن شعورهن عورة يجب سترها في الصلاة وفيه مشقة عليها في نقضه يعني على المرأة مشقة في أن تؤمر بنقضه للصلاة، وقد رخَّص لهن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ألا ينقضن شعورهن في الغسل"، مع أن النقض أحوج لإيصال الماء فهنا من باب أولى
مسائل السهو:
المسألة الأولى: أسباب السهو،
إما أن يكون زيادة، أو نقصًا، أو شكًا،
أن يكون ثم شك، والشك يا إخوة لا يخل من حالتين
إما أن يكون شك من غير ترجح.
أو يكون شك مع ترجح.
فإن كان شكًا من غير ترجح :
يسجد للسهو، ويكون ذلك قبل السلام
وإن كان مع ترجح :
فإنه يسجد بعد السلام،
حكم سجود السهو مشروع، والمشروع يطلق، فيراد به المستحب، ويراد به الواجب عند الفقهاء، وهذا يشير إلى مسألة، وهي: هل يشرع سجود السهو على ترك المسنون؟ أم لا؟
الحقيقة أن هذه المسألة مما ذكره الفقهاء، وقالوا: إذا ترك الإنسان قولاً أو فعلاً من المسنونات، وكان قد اعتاد على فعله، فإنه يستحب له أن يسجد سهوًا لتركه
أما من لم تكن عادته أن يأتي بهذه السنة؛ لأنها غير واجبة أساسًا فلذلك قد يكون بعض الناس أصلاً لا يأتي بها، مثل رفع اليدين إذا أراد أن يكبر لتكبيرة الإحرام، أو إذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، لو ما رفع يديه، هل يسجد للسهو وهو لا يعتاد ذلك؟، فنقول عندئذ لا يسجد للسهو،
هل يشرع ذلك في جميع الصلوات سجود السهو؟
الضابط يا إخوة: أنه مشروع في كل صلاة فيها سجود، أما إذا كان الصلاة إذا كان لا سجود فيها، فإنه لا يسجد للسهو فيها، مثل ماذا؟ مثل صلاة الجنازة، لأنه في حقيقة الأمر هذه الصلاة لم يُشرع فيها سجود من أصله، فكيف نشرع فيها سجودًا في جبرها؟
وكذلك لو كان سجود مثلاً تلاوة، أو سجود شكر، لو شخص في سجود التلاوة سهى، فنقول: يسجد للسهو؟ قالوا: هذا لا يتصور أيضًا، لماذا؟ لأنه سيؤدي إلى أن يكون الجبر أكثر من الأصل
وكذالك من سجد للسهو سهى، كيف يسهو في سجود السهو؟ يعني مثلاً سجد ثلاث سجدات، أو سجد سجدة واحدة، أو سجد ثم رفع ولم يذكر شيئًا، تصورتم؟ فإن هذا كله لا يُشرع فيه سجود السهو؛ لأنه سيؤدي إلى التسلسل،
إذا كان السهو عن نقص سجد قبل السلام، وإذا كان عن زيادة سجد بعد السلام، وإن كان عن شك فإنه يتحرى الصواب، فإن غلب على ظنه يعني مال إلى أحد الأمرين عمل به وسجد بعد السلام، وإن لم يغلب على ظنه استوى عنده الأمران فإنه يبني على اليقين وهو الأقل وعندئذ يسجد قبل السلام، ، وهذا رواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام، وهذا القول عندي هو أظهر الأقوال؛ لأن فيه جمعًا بين النصوص
مسألة من سهى مرارًا هل تكفيه سجدتان؟ أم لكل سهو سجدتان؟
تكفيه سجدتان
هل يلزم المأموم أن يسجد للسهو؟ الظاهر أنه لا يلزم المأموم ذلك إلا تبعًا لإمامه وهو قول عامة أهل العلم؛
ملاحظه
(إذا سلم قبل تمام صلاته ناسيًا، وهذه من حالات الزيادة، إن لم يذكر إلا بعد زمن طويل أعاد الصلاة من جديد، لكن إن ذكر بعد دقيقة أو دقيقتين أو ثلاث زمن يسير، فإنه يرجع ويكمل، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في قصة ذي اليدين.)
(النقص لا يخلو إما أن يكون نقص للأركان، أو نقصًا للواجبات، إن كان نقصًا لتكبيرة الإحرام، فلا صلاة له، وإن كان نقصًا يعني ترك شيئًا غير تكبيرة الإحرام، فإذا وصل إلى موضعه من الركعة الثانية التغت الركعة الأولى، وقامت هذه مقامها، ويسجد للسهو بعد السلام، فأما إن لم يصل إلى موضعه من الركعة التي تليها فإنه يجب عليه أن يعود إلى الركن المتروك، فيأتي به وبما بعده ثم يسجد للسهو بعد السلام.)