بعد السلام نحرص على الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم
مخالفات يقع فيها بعض الناس بع السلام من الصلاة
ألا يذكر بعد الصلاة إلا ما ورد، لاسيَّما فيما يكون متَّصلًا بها،
بعض الناس يرفع يديه للدُّعاء بعد الصلاة، وهذا أقرب إلي الإبتداع .
بعض الناس يُردد هذه الأذكار بصوتٍ جماعيٍّ، ويجتمعون على هذا، وهذا لم يُنقَل عن النبي -صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابه .
أركان الصلاة:
أربعة عشر ركنًا، والبعض يجعلها اثني عشر ركنًا
وأيًّا كان هذا أو ذاك فإنَّه عادةً يعود إلى تقسيم الرُّكن الواحد إلى أكثر من قسمٍ، فمثلًا بعضهم يجعل الرَّفعَ من السُّجود ركنًا، والجلسة بين السَّجدتين ركنًا، وبعضهم يجعل هذا وهذا ركنًا واحدًا، وبعضهم يجعل الاعتدالَ من الركوع ركنًا، والركن الكائن بين مجرد الرفع والقيام والانتصاب قائمًا ركنًا آخر، وبعضهم يُدمجه فيجعل هذين الرُّكنين ركنًا واحدًا، فبناءً على الدَّمج والجمع تكون الأركان اثني عشر ركنًا، وبناءً على التفريق تكون أربعة عشر ركنً
الأركان القوليَّة:
تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والتَّشهد الأخير، والتَّسليم.
وقلنا: الواجب:بمعنى الرُّكن، لكن أردنا أن يشتمل على الشَّرط؛ لأنَّه أمر بإسباغ الوضوء، والمراد بإسباغ الوضوء الوضوء الواجب المُجْزِئ، ومن المعلوم أنَّ الوضوء شرطٌ، ولذلك إن قلنا أنَّه واجبٌ لا تصلح أو تصح الصلاةُ إلا به، فلعله يشمل ما كان شرطًا -كالأمر بإسباغ الوضوء وما كان ركنًا -كباقي الأركان
تكبيرة الإحرام : والمشروع عند قولها رفع اليدين استحبابًا.
قراءة الفاتحة: وقراءة الفاتحة ركنٌ لا تصح الصلاة إلا به؛
وهذا الرُّكن بلا إشكالٍ فيما يتصل بالإمام والمُنفرد، فيجب عليهم قراءة الفاتحة، ولا تصح صلاتُهم من غير قراءتها عند عامَّة أهل العلم
فقراءة المأموم قد اختلف الفقهاءُ فيها على أقوالٍ، من أشهر هذه الأقوال القول القائل بوجوبها على الإمام والمنفرد، دون المأموم؛ وذلك لحديث أبي هريرة أنهم كانوا يقرؤون خلف إمامهم، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فانتهى الناس عن القراءة خلف الإمام، هذا عند أبي داود، وهو أصح عندهم من حديث عُبادة: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟!» قلنا: نعم، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
الإمام أحمد يذهب -كما هو قول الجمهور- إلى عدم وجوب القراءة على المأموم، واستدلَّ على ذلك بالآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، قالوا: إنَّ هذه الآية كما جاء في النص إنما نزلت في الصلاة: "اجعلوها في صلاتكم"، وهذا القول قوي في حقيقة الأمر لماذا؟
لأنَّ التَّأمين أيضًا هو إشراكٌ للمأموم وإثباتٌ للحكم له، وإصغاؤه لا انشغاله عن هذا الدعاء المتضمن في الفاتحة بقراءته هو الأقرب لمقصود الشَّارع.
وممن اختار هذا القول شيخُ الإسلام -رحمه الله تعالى.
ومن أدلتهم أيضًا أنَّ الإنسان إذا كان يستمع لهذه القراءة فله حكم مَن قرأ؛ بدليل أنَّه يُسنُّ للمُستمع المُنصِت إذا سجد القارئُ أن يسجد معه، وهذا دليلٌ على أنَّه كالتالي حُكمًا، كأنما هو قد تلاها. هذا هو القول الأول
أمَّا القول الثاني -وهو رواية- فهو وجوب القراءة على الإمام والمنفرد والمأموم.
وكما ذكرنا هم يتَّفقون في إيجابه على الإمام والمنفرد، وإنَّما الكلام عن المأموم،
والقول الثاني: الوجوب، وهو قول بعض أهل العلم، وممن اختار هذا القول الشَّيخان ابنُ باز وابنُ عُثيمين
وهذا قد استُدلَّ له بمثل الأدلة المتقدمة، والتي أعلَّها بعضُهم، أو ضعَّفها، مثل: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، كما تقدمت الإشارةُ إليه، ولما جاء في عموم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»
مع كون هذه الأحاديث قد حملها أصحابُ القول الأول على غير المأموم، أو ضعَّفوها، أو خصُّوها بمثل ما ذكرنا من
والقول
الثاني له قوة، وهو أحوط، وإن كان الأول قويًّا، لاسيَّما إذا كان ذلك فيما يجهر فيه الإمامُ بالقراءة، فإذا جهر الإمامُ بالقراءة فإنَّه لا يتوجه القولُ بقراءة المأموم للفاتحة عندئذٍ، لاسيَّما إذا لم يتمكَّن من قراءتها، كأن لا يكون ثَمَّ وقتٌ للقراءة.
أمَّا في السرية إذا كان مأمومًا: فإنَّ القول بالقراءة لا شكَّ هنا أنَّه قويٌّ، وهو الاحتياط، سواء كان ذلك في السرية من الجهرية، يعني في الثالثة مثلًا، أو الرابعة، أو كان ذلك في السِّرية الرُّباعية: كالظهر، والعصر.
فلا يكاد يكون الترجيحُ فيها ظاهرًا ظهورًا بيِّنًا؛ لاختلافهم في الأحاديث الواردة فيها، وسبب الخلاف -كما أشار إليه ابن رُشدٍ في "بداية المجتهد"- هو اختلاف هذه الأحاديث من حيث الثُّبوت والنَّظر والاستدلال، فكان سببًا رئيسًا في مثل تلك المسألة.
الرُّكن الثالث من الأركان القوليَّة: التشهد الأخير: ويُراد بالتشهد الأخير هنا الذِّكْر الوارد في ذلك؛ لأنَّ التشهد الأخير يشتمل على قولٍ وفعلٍ، فأمَّا القول فهو الذِّكْر، وأمَّا الفعل فهو الجَلسة أو الجِلسة نفسها، وهذا دلَّ على ركنيته عندهم قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ، وَالصَّلَوَاتُ ...» الحديث
وهو دالٌّ على الأمر بالتَّشهد، وقد جاء ما هو أصلح منه، وهو أنَّه -عليه الصلاة والسلام- كان يُعلمهم التَّشهد كما يُعلمهم السورةَ من القرآن، كما جاء ذلك أيضًا في الصحيح، في مسلم.
وفي هذا النص فائدتان: الأولى: وجوب التَّشهد وفرضيته، والثانية: وجوب الالتزام فيه بما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والالتزام بذلك لقوله: "كما يُعلمنا السورة من القرآن
من الأركان: السلام: وذلك لما تقدم من قوله: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»؛ ولأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- داوم على السلام وواظب عليه، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وهذا الحديث مثل قوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ذاك أصلٌ في الحج، وهذا أصلٌ في الصلاة
يحسن هنا أن أشير إلى أنَّ المذهب عندنا -وهو مذهب الحنابلة- أنَّ التَّسليمتين ركنٌ، التَّسليمتان الأولى والثانية،
وثَمَّ رواية أخرى في المذهب أنَّه سنة، وهذا من المُفارقات: أن يكون الفعلُ ركنًا في روايةٍ، وسنةً في روايةٍ أخرى، وله نظائر، مثل: السَّعي عند الحنابلة، فقد جاء فيه أنَّه ركنٌ، وجاء فيه أنَّه واجبٌ، وجاء فيه أنه سنةٌ
والأصل في قول الاستحباب أو قول الوجوب
ما جاء من الصَّوارف في ذلك، ومن ذلك ما جاء في حديث عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه سلَّم تسليمةً واحدةً في قيام الليل، والقاعدة في ذلك أنَّ ما ثبت في النَّفل يثبت في الفرض، إلا إذا دلَّ دليلٌ على الخصوصية كما هو معلومٌ.
وهذا الصَّارف في التَّسليم قويٌّ، وهو ما جعل القائلين بالتَّسليم يقولون بالاستحباب.
توسُّطٌ عند الشَّافعية، فقالوا: بوجوب التَّسليمة الأولى، واستحباب الثانية
أمَّا القائلون بإيجاب التَّسليمتين وكونهما ركنًا، فقولهم -في حقيقة الأمر- قويٌّ؛ لِمَ تقدَّم من أدلةٍ، ومنها أيضًا حديث جابرٍ مرفوعًا: «إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَيُسَلِّمْ عَلَى صَاحِبِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا»، أو «يُسَلِّمْ عَلَى أَخِيهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ»، والحديث في مسلمٍ.
وهذا أيضًا مما يُقويه
العدل منه -عليه الصلاة والسلام- إذا سلَّم على مَن عن يمينه يُسلِّم على مَن عن يساره.
والحنفية قالوا بالاستحباب المُطلَق
والظاهر -والله أعلم- أنَّ الأقرب ما ذهب إليه الشَّافعيةُ؛ وذلك لأنَّ وروده عن الصَّحابة -رضي الله تعالى عنهم- مع ما جاء فيه من الحديث المرفوع مُعتَبر في صرف دلالة التَّسليمة الثانية على الوجوب، كما أنَّ فيه أيضًا جمعًا بين الأدلة، حيث إنَّ ما جاء من أدلةٍ في إيجاب التَّسليم أو إطلاقه تُحمَل على المرة الأولى، أو التَّسليمة الأولى، وهذا -كما ذكرنا- مُعتَبرٌ.
ثم إنَّه الذي يمكن أن يكون فيه احتياطٌ للعبادة من جهة تصحيحها وإبطالها؛ لأننا إذا قلنا أنَّ كلا التَّسليمتين ركنٌ، فكيف يكون هذا مع ثبوته عن الصَّحابة -رضي الله تعالى عنهم؟! وهل كانوا يجهلون هذا الرُّكن؟! وهل يمكن أن نقول بإبطال صلواتهم؟! وهل سنُبطل صلاةَ الناس عندئذٍ؟!
والأركان الفعليَّة في الصلاة كثيرةٌ، وهي تربو على الثَّمانية، وقد تصل إلى العشرة بحسب التفصيل الذي ذكرناه من جمعٍ وفصلٍ.
الركن الأول: فهو القيام:
فإذا قمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فالقيام حقُّه التقديم، وهو أول الأركان الفعليَّة، والأصل فيه قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمران بن حُصَين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»، والحديث في البخاري، وحديث المُسيء صلاته كما تقدَّم: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ».
فالقيام لابد منه، وهو ركنٌ للقادر عليه، وعليه يُحمَل الحديث: «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ»، كما جاء ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصَّحيحين.
يمكن جمع الأدلة بينه وبين ما جاء في إطلاق رُكنية القيام ووجوبه، حيث يُحمَل هذا على مَن كان في النَّفل، لا على مَن كان في الفرض.
وهذا يُؤيده فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كان يُصلي النَّافلة على راحلته في السفر، وهو دالٌّ على عدم وجوب القيام، ولو كان ركنًا لأوقف دابته وصلى قائمًا
ولذلك نقول: يجب على المرء أن يكون حسب قُدرته، فبعض الناس يقول: أنا إذا طال بي القيام تعبت، نقول: قُمْ، فإذا خشيتَ على نفسك -ولو لم يحل بك الألمُ الشديدُ- تنزل أو تجلس، فنحن لا نُكلِّف الناسَ أن يُصيبهم الألم أو المرض حتى يجلسوا، ولكن إذا غلب على الظن بإشارة الطبيب أنَّ المرء إذا وقف مدةً وقدَّرها فإنه يتضرر، فإنَّه عندئذٍ يجلس فيما دونها، لكن لا يعني هذا ألا يقوم البتة.
ولذلك ينبغي أن يُلاحَظ هذا، فإذا كان المرءُ يستطيع أن يقوم مُعتمدًا على عصًا مثلًا، أو بجوار جدارٍ، أو نحو ذلك، فإنَّه يفعل ذلك؛ لعموم الأدلة في ذلك
فإذا كان بوسعه أن يقوم ولو بقيامٍ جزئيٍّ فليفعل ذلك، وحدُّ القيام أن يكون إلى الوقوف أقرب منه إلى الرُّكوع، فإن كان إلى الرُّكوع أقرب أو الجلوس أقرب، فلا يصدق عليه أنَّه عندئذٍ قائمٌ
أمَّا إذا خشي على نفسه مرضًا أو ضررًا فإنَّ له عندئذٍ أن يُصلي بلا قيامٍ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239]، والرُّكوب -كما لا يخفى عليكم- ليس قيامًا.
ومن الأركان: الركوع:
وقد أجمع العلماءُ عليه، كما أجمعوا على السُّجود أيضًا.
ومن الأركان كذلك: الاعتدال من الركوع: وقد عبَّر الفقهاء به، ولم يقولوا: الرفع، مع كونه أنسبَ؛ خوفًا من أن يُظن أنَّ المراد بذلك مجرد الرفع؛ لأنَّ الاعتدالَ يلزم من الرفع، وليس مجرد الرفع فقط؛ ودليل ذلك حديث المسيء صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا».
ويُستثنى منه الرُّكوع الثاني في صلاة الكسوف، فإنه سنةٌ
ومن الأركان أيضًا: السجود: للآية المتقدمة، وللأحاديث المذكورة آنفًا، ولحديث: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»، أو «أَعْضَاءٍ»،
ومن الأركان أيضًا: الاعتدال في السجود
ومن الأركان -وهو الركن الثامن- الجلسة بين السَّجدتين: ودليله قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للمُسيء صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ» يعني من السُّجود «حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا».
ومنه أيضًا يُؤخَذ ركن: الطُّمأنينة في جميع هذه الأركان
ومن الأركان أيضًا: التشهد: والتَّشهد يُراد به -كما ذكرنا- هنا التَّشهد الأخير
أمَّا التشهد الأول فقد استُثني من ذلك؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- قام وتركه، ثم جبره بسجود سهوٍ، مما يدل على أنَّه واجبٌ وليس ركنًا، وهذا من الفوارق بين ما كان واجبًا، حيث يُجبَر بسجود السَّهو، وما كان ركنًا، حيث لا يُجبر عندئذٍ.
ومن الأركان أيضًا عندهم: جلسة التشهد الأخير: وقد حُكِي الإجماعُ عليها
فهم اختلفوا في التَّشهد نفسه، واتَّفقوا على جلسته، أمَّا التشهد نفسه فقد ذكرنا أنَّه ركنٌ عند الحنابلة، وهو أيضًا مذهب الشافعية، لكن المالكيَّة والحنفية قالوا أنَّه سنة، قالوا أنَّ التشهد الأخير -وهو الذِّكْر نفسه- سنة؛
أمَّا الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- فهي من الأركان عند الحنابلة؛ وذلك للآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وحديث كعب أيضًا، قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا كيف نُسلِّم عليك، فكيف نُصلي عليك؟ فقال قولوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ...» الحديث.
والأمر فيه يقتضي الوجوب، والأصل في الوجوب الفرضية، وأنَّ الصلاة لا تصح إلا به، أو العبادة لا تصح إلا به.
ولذلك ثَمَّ قولٌ آخر بأنَّ التشهد الأخير -يعني هذا الذِّكْر- واجبٌ، وهو مذهب الشَّافعي، ورواية عند أحمد؛ وذلك لحديث فَضَالة لما سمع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يدعو في صلاته ولم يُصلِّ على النبي، فقال: «عَجِلَ هَذَا».
وقال -عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ لِيَدْعُو بِمَا شَاءَ»، والحديث عند أحمد وأبي داود والترمذي، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
ولو كان هذا ركنًا لأمره بالإعادة، فلمَّا لم يأمره بالإعادة دلَّ ذلك على أنَّ الأمر هنا على سبيل الإيجاب لا الفرضيَّة، لا الرُّكنية، ولا يمكن أن نجعله ركنًا مع هذا
والحقيقة أنَّ هذا القول قويٌّ، وإن كان ثمَّة قولٌ ثالثٌ -كما ذكرنا- بالاستحباب؛ لأنَّ الأدلة التي استدلَّ بها المُوجِبون والتي جعلوها ركنًا ليست ظاهرةً على ما ذهبوا إليه، والأصل براءة الذِّمة.
والحق أنَّ القول برُكنية الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التَّشهد بعيدٌ، والقول بالاستحباب قويٌّ، وهذا قول ابن عثيمين
وهو رواية عند الحنابلة، وإن كان الوجوبُ أحوط، فيُصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم- أمَّا الصلاة على الآلِ فسنَّة بلا إشكالٍ.
ومن الأركان الترتيب:
والأصل فيه حديث المسيء صلاته أيضًا؛ لأنَّه قال فيه: «ثُمَّ»، وثُمَّ تدل على الترتيب؛ ولفعله -عليه الصلاة والسلام- الصلاةَ مُرتبةً على هذا النحو، وقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
ومن الأركان الطُّمأنينة:
كما أشرنا- هي ركنٌ في جميع هذه الأركان؛ للأحاديث، ولأنَّه لا يُسمَّى الرُّكوع ركوعًا، ولا السجود سجودًا، ولا الاعتدال اعتدالًا، ولا الجلوس جلوسًا، إلا بالطُّمأنينة، كما أشار إليه شيخُ الإسلام
وعليه فلابُد أن يعود كلُّ فَقَارٍ إلى مكانه، وأن يكون قادرًا على إيقاع الذِّكْر الواجب في ذلك أو المشروع فيه.
أمَّا الواجبات: فالتَّشهد الأول، وجلسته.
ويُلاحَظ أنَّ الواجبات في الصلاة إمَّا أن تكون: فعليةً، أو قوليةً. فآل تشهد قوليه .وجلسته فعليه
أيضًا التَّكبيرات بشكلٍ عامٍّ، عدا تكبيرة الإحرام، فإنها تُعد واجب ( قوليه)
هذه التَّكبيرات إنما تكون في ركن الانتقال نفسه، لا فيما قبل أو بعد ذلك.
ومن الواجبات أيضًا ما يتصل بالتَّسميع والتَّحميد: سمع الله لمَن حمده، اللَّهم ربنا ولك الحمد، أو اللهم ربنا لك الحمد.
فهذا الذِّكْر -التَّسميع والتَّحميد- واجبٌ عند الحنابلة على الإمام والمنفرد، أمَّا المأموم فإنَّه يقتصر على التَّحميد؛ لحديث أنسٍ مرفوعًا: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، والحديث متَّفق عليه.
يُقال: وهذا يُخصِّص عمومَ حديث أبي هريرة، وفيه: «ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» متَّفقٌ عليه.
بينما أخذ المالكية والشَّافعية بوجوب التَّسميع والتَّحميد على الإمام والمنفرد والمأموم؛ لعموم حديث أبي هريرة المذكور.
وما ذكره الحنابلة من تخصيص هذا العموم الحقيقة أنَّه قويٌّ، وفيه جمعٌ بين الأدلة.
ومن ذلك أيضًا قوله: "سبحان ربي العظيم"، و"سبحان ربي الأعلى"، في الركوع، وفي السُّجود، "سبحان ربي العظيم" في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" في السُّجود؛ لأدلةٍ، منها قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]، قال -صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، قال -صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ».
وإن كان في ذلك ضعفٌ حَدَا بالجمهور إلى أن يعدوا التَّسبيحات مُستحبَّةً، وليست واجبةً.
والقول بالإيجاب -وهو الذي عليه المذهب- يستند إلى مثل هذا الدليل، وهو لا شكَّ أحوط.
ومن ذلك أيضًا قوله: "ربِّ اغفر لي" بين السَّجدتين؛ وذلك لحديث حُذيفة، وفيه: «رَبِّي اغْفِرْ لِي، رَبِّي اغْفِرْ لِي»، وفي حديث ابن عباسٍ: «رَبِّي اغْفِرْ لِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي».
والجمهور أيضًا على استحباب هذا، والحنابلة يقولون في مثل هذه النُّصوص بالإيجاب؛ لحديث: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق