الخميس، 26 ديسمبر 2013

الفقه ( المحاضرة الرابعة )


الأصل في فروض الوضوء وأركانه هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]
 هذه أربعة أركان، وتُسمَّى عند بعض الفقهاء: فروض، ويُراد بالفروض هنا الأركان؛
لأنَّها جزءٌ من حقيقة وماهية الوضوء، فإنَّ الوضوء إنما يكون بغسل أو مسح ما حقَّه المسح من هذه الأركان،
 يُضاف إليها فرضان، أو ركنان، وهما: الترتيب، والمُوالاة، فأصبحت أركان الوضوء أو فروضه ستةً.
والدليل على انحصار هذه الفروض بهذه الآية هو التتبع والاستقراء، حيث لم نجد غير
 هذه الفروض مما يجب أو لا يصح التطهر إلا به.
المراد بالوضوء نفسه إن شئت أن تقول: نية رفع الحدث، أو الوضوء للصلاة، ونحوها،
 إذن نية رفع الحدث للصلاة ونحوها، هذا من التعريف.
والشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- عرَّف في كتابه الممتع الوضوء بقوله: "التَّعبُّد لله
-عز وجل- بغسل الأعضاء الأربعة على صفةٍ مخصوصةٍ".
الأعضاء الأربعة التي ذكرناها، وهي: الوجه، واليدان، والرأس، والقَدَمان.
ولذلك أشير هنا إلى قضيةٍ، وهي أنَّ أهم ما في الوضوء هو ما أشار إليه التَّعريفان،
 وهو كون الوضوء يقوم على نية رفع الحدث.
والنية هنا -يا إخوة وكذلك المُتابعين والمتابعات- وفي هذا المقام يُراد بها القصد،
وهي ملازمةٌ للعمل، والتَّلفُّظ بها بدعة، وهي من مواطن الوسوسة عند كثيرٍ من الناس،
 لا سيَّما من أخواتنا النساء، ولذلك من المهم جدًّا أن نتصور أنَّ النية لا تقتضي عملًا،
أقصد أن النية في ذاتها هي مجرد القصد الذي يُلازم العمل، ولا ينفصل عنه،
فمتى ابتغينا عزلَ النية أو فصلها عن العمل، كانت هذه النية عبئًا على النَّاوي،
 وأصبحت تُشكِّل هاجسًا يتطور إلى أن يكون وسواسًا -نسأل الله السلامة والعافية.
ولذلك قال الشَّافعي -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:
 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾[المائدة: 6]:
"هذا أمرٌ، وهو دالٌّ على استحباب التطهر لكلِّ صلاةٍ"، كأنَّ الله يقول:
إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وهو إشارة إلى أن التَّطهر يكون
عند القيام لكلِّ صلاةٍ، إلا أنَّه لما جاء أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ للصَّلوات الخمس
كلها وضوءًا واحدًا، دلَّ هذا على أنَّ الأمر مصروفٌ من الإيجاب إلى الاستحباب،
 والأصل في الأمر عند إطلاقه -كما هو الراجح عند أهل الأصول- أنَّه للوجوب،
ما لم يصرف ذلك صارفٌ، فلمَّا جاء فعلُ النبي -صلى الله عليه وسلم-
 الدال على عدم وجوب التَّطهر لكلِّ صلاةٍ، كان هذا صارفًا من الإيجاب إلى الاستحباب.
إذا أردنا أن نشرع الآن في الوضوء، فنقول: أول ما يُبدَأ به في الوضوء: التَّسمية،
 والتسمية هي: بسم الله، وذلك عند بداية الوضوء،
والأصل فيها حديث أبي سعيدٍ الخدري: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ».
وهذه المسألة مما اختلف فيها أهلُ العلم، بناءً على اختلافهم في صحة الحديث،
فمن أسباب الخلاف التي أشار إليها الإمامُ ابن تيمية في كتابه "رفع المَلام عن الأئمة الأعلام
" اختلاف العلماء في صحة الحديث؛ لأنَّ الحديث -كما أيضًا في القرآن- معلومٌ أنه هو مصدر الأحكام،
 فإذا كان الحديثُ ثابتًا أو كانت دلالةُ الآية غير نصيَّةٍ محتملة، فإنَّه عندئذٍ يقع الخلافُ بين الفقهاء،
 وهذا ما وقع بينهم في هذا الحديث.
ولذلك فإنَّ مَن ضعَّف هذا الحديث فإنَّه لم يقل بالإيجاب فيه، إلا أنَّ الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-
لديه قاعدة معروفة في أصول مذهبه، وهي: أنَّ الحديث الضعيف أحبُّ إليه من قول الرجال،
 ولذلك فإنَّه -رحمه الله تعالى- أخذ به، ومَن ضعَّف هذا الحديث قال أنَّه
 لا يثبت في هذا الباب شيءٌ، يعني في التسمية عند الوضوء.
فمع كون الحديث ضعيفًا إلا أنَّه يُعتمد عليه، لا سيَّما وهذا الحديث قد حسَّنه عددٌ من أهل العلم:
 كابن الصلاح، وابن حجر، والنووي، وغيرهم، وربما كان له أصلٌ عندهم،
 فمجموع طرقه تُصلحه لأجل أن يُحتج به عندهم، ولذلك أشار ابنُ تيمية وابنُ القيم إلى
 أنَّ مجموع هذا الحديث يُشعر بأنَّ له أصلًا.
لكن الحقَّ أنَّ ما ذهب إليه جمهورُ أهل العلم من: الحنفية، والمالكية، والشافعية،
وهو الاستحباب، أقرب، استحباب التَّسمية عند الوضوء، فهذا أقرب؛ لما ذكرنا
من أن الحديث في ثبوته نظر، لكن كون هذا الحديث قد ورد، وقد جاءت أحاديثُ
 أخرى في استحباب التسمية عند الشروع في الأعمال، فلا شكَّ أنَّ مثل هذه العبادة
هي مما يتجه تنزيل تلك الأحاديث التي جاءت بمشروعية التسمية عند  العبادات،
 ولذلك أخذ أهلُ العلم بمثل هذه الأحاديث العامَّة التي تُفيد مشروعية البسملة عند الابتداء،
فمع هذا الحديث ما يُقوِّيه، فجعلوه مما يُستحب عند الأعمال.
وهذا يمكن أن نُشير إليه بأنَّه قول أو اختيار الشَّيخين: ابن باز، وابن عثيمين -رحمهما الله تعالى-
 وهم من كبار علماء هذا البلد المبارك، ولذلك نُنبه إلى استحباب التسمية عند الشروع في الوضوء.
بعد ذلك يمكن أن ننتقل إلى ما يعقب التسمية، وهو: غسل الكفين ثلاثًا:
إذن إذا قلت: بسم الله، فإنَّك بعد ذلك تغسل كفيك ثلاث مراتٍ، والكَفَّان هما باطن اليدين،
 فهذان هما الكَفَّان، وهما الباطن، كما أنَّ لليد ظاهرًا أيضًا.
والدليل على غسل الكَفَّين ما جاء في حديث عبد الله بن زيد -رضي الله تعالى عنه.
وحديث عبد الله بن زيد وحديث حمران مولى عثمان بن عفان، يعني حديث عثمان بن عفان -
رضي الله تعالى عنه- هما أصل صفة وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم.
ولذلك ينبغي لطالب العلم وطالبة العلم أن يحفظا هذين الحديثين، فهما حديثان جليلان.
كون غسل الكَفَّين جاء في حديث ابن زيد، ولم يأتِ في حديث عثمان، يعني جاء في بعض الصِّفات
 في وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يأتِ في صفاتٍ أخرى؟!
{يدلُّ على استحباب غسل الكَفَّين، وعدم وجوبهما}.
لما توضأ عثمانُ -رضي الله تعالى عنه- وقال عندما فرغ من وضوئه:
"إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ بنحو وضوئي هذا". ولم يغسل كَفَّيه،
 دلَّ ذلك على أنَّ غسل الكَفَّين من المُستحبَّات، إذ لو كان واجبًا لما تركه عثمانُ
-رضي الله تعالى عنه- وهو يحكي صفةَ وضوئه -عليه الصلاة والسلام.
والحكمة -والله أعلم- من غسل الكَفَّين: كونهما آلة الوضوء، فينبغي أن يكونا نظيفين،
 وأن يبدأ بغسلهما قبل أيِّ شيءٍ آخر.
هذا ما يتصل بغسل الكَفَّين، ثم بعد غسل الكفين ننتقل إلى: المضمضة والاستنشاق:
ويُراد بالمضمضة: إدارة الماء في الفم، بحيث يصل إلى خلف الأضراس.
أمَّا الاستنشاق فيُراد به جذب الماء إلى الأنف بالنفس.
إذن المضمضة ما هي؟
إدارة الماء في الفم، بحيث يصل إلى خلف الأضراس، فأنت حين تأخذ الماء تتمضمض به،
ولذلك جاء: «تَمَضْمَضْ»، وفي الاستنشاق جاء: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا».
إذن المضمضة المشروعة لابُد فيها من إدارة الماء وتحريكه في الفم، بحيث يحصل المقصود
 منها، فليس المقصود من المضمضة مجرد بقاء الماء في الفم، وإنما المقصود تنظيف الفم، ومثله الاستنشاق.
ثم يستنشق بأن يجذبه؛ لأنَّ الاستنشاق لا يمكن أن يُتصور حقيقةً بإدخال الماء إلى الأنف
 إلا باستخدام النَّفَس، بخلاف الفم، فبمجرد فتح الفم يمكن عندئذٍ أن يدخل من غير جذبه بنفسه
والمذهب عند الحنابلة اعتبار المضمضة والاستنشاق من واجبات الوضوء؛ وذلك لأنَّها
 تدخل في حدِّ المواجهة، والله قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] والفم والأنف مما تحصل به المواجهة،
 وهذا يُقال لكلِّ ما تحصل به المواجهة من مُنحنى الرأس، وهو منبت الشعر تقريبًا،
 إلى أن تنتهي اللحية، مهما طالت، فهذا كله داخلٌ في الوجه، فيجب عندئذٍ غسله.
أمَّا الاستِنْثار فهو سنة، وإن كان لا شكَّ أنَّ طهارة الأنف لا تتم إلا بالاستنثار بعد الاستنشاق،
 حتى يزول ما بالمرء من أذًى.
وبالنسبة للحية فإنَّها تدخل في المُواجهة، فحكمها عندئذٍ أن تُغسَل؛ لأنَّها مما تحصل به المواجهة،
فإن كانت خفيفةً -يعني يظهر من ورائها الجلد- فيجب أن يغسلها كلها حتى يصل إلى الجلد،
 أمَّا إن كانت كثيفةً فيغسل ظاهرها كاملًا، ولا يجب عليه أن يغسل اللحية حتى يصل إلى منابتها،
 وإنما يُخلِّلها كما جاء في حديث لقيطٍ أيضًا.
والضابط بين الخفيفة والكثيفة هو ظهور البشرة، فإذا كانت البشرةُ تظهر فإنَّها عندئذٍ تكون خفيفةً،
فيجب أن يصل الماء إلى البشرة، وإذا كانت البشرة لا تظهر كما لو كانت كثيفةً،
فإنَّه يكفي أن يغسل ظاهرها -كما ذكرنا- ويُستحبُّ له أن يُخللها؛ لفعل النبي
-صلى الله عليه وسلم- والتَّخليل هو إدخال أصابعه في شعره.
أمَّا ما يتصل بسائر شعر الوجه، كالشارب مثلًا، وما يُسمَّى بالعَنْفَقَة أيضًا،
مما لا ينبت على اللحية، وما يتصل بنحو ذلك، فإنَّ الأصل في هذا أن يُغسَل أيضًا؛ لأنَّه داخلٌ في حدِّ المواجهة
-كما تقدم- وبالتالي يجب على المتطهر أن يغسله كله.
ننتقل بعد ذلك إلى: غسل اليدين إلى المرفقين:
والغسل -غسل اليدين إلى المرفقين- يُراد به من مبادئ أصابع اليد، يعني من بداية
 الأصابع إلى المرفق، والأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]
ولفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يُفسِّر النص الوارد.
والغسل ثلاثًا، وكله على سبيل الاستحباب، فالأصل في غسل كلِّ الأعضاء أن يكون ثلاثًا،
 إلا الرأس، فإنما يُمسَح واحدةً كما جاء عنه -رضي الله عنه: "ومسح برأسه واحدةً".
وبالتالي يُقال أنَّه يغسل أعضاءه ثلاثًا، لكن هذا على سبيل الاستحباب، لماذا؟
لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- غسل مرةً، مما يدلُّ على أنَّ الغسل ثلاثًا ليس على سبيل الإيجاب.
بعد ذلك ننتقل إلى: مسح الرأس:
أولًا: الفرق بين المسح والغسل أنَّ المسح لا يحتاج إلى إجراء الماء، فالمسح يكفي
فيه تبليل اليد، فإذا كانت اليد مُبللةً بالماء غيرَ ناشفةٍ أو يابسة، فإنَّه عندئذٍ يُجزئ المرء أن يمسح رأسَه بها.
والحكمة من جعل فرض الرأس -والله أعلم- هو المسح: التيسير على الناس،
 والصفة -صفة مسح الرأس- جاءت في حديث عبد الله بن زيد واضحةً جدًّا:
"بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه».
 فما كان من اللحية متَّصلًا ولو كان نازلًا تحصل به المواجهة مهما نزل،
 لكن ما كان من الرأس متصلًا نازلًا لا يحصل به التَّرأس، فيخرج عن مُسمَّى الرأس أساسًا،
 ولذلك كان المسحُ فقط فيما يصل إلى مُسمَّى الرأس، فيما كان مرتفعًا عن باقي الجسد،
 أما إذا نزل فإنَّه عندئذٍ يستوي مع الكتف، ويستوي مع الظَّهر، إلى آخره
مما لا يكون له عندئذٍ حكم الرأس، فيجب مسحه.
وهنا أُشير إلى أنَّه يتصل بالمسح أو بمسح الرأس الكلام على الباء في قوله:
 ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] فمَن قال أنَّ الباء هنا للتبعيض -كما ذهب إلى ذلك الحنفية-
 فإنَّه قال: لا يجب التَّعميم، ومَن قال أنَّ الباء للإلصاق -وهو قول جمهور أهل العلم-
 فيجب عندئذٍ أن يُعمم مسح رأسه كاملًا، مُلصقًا لهذا المسح، يعني ملصقًا ليديه برأسه،
وهذا هو الظاهر، وهو الراجح، كما بينا.
وهنا أشير إلى أنَّ من الرأس -كما قلنا- غسل الفم والأنف، ومن الرأس أيضًا مسح الأذنين،
فالأذنان من الرأس، وهكذا فعل -عليه الصلاة والسلام- لما مسح برأسه، ثم أدخل أصبعيه
السَّبَّاحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، وهذا يعني أن تُدْخِل السَّبَّاحة،
 وهذه تسمية لها بأشرف ما يمكن أن تصنع، خلافًا لما يشتهر عنها بأنَّها السَّبَّابة؛
لأنَّ المرء إذا تسابَّ هو وغيره أشار بها إلى غيره -نسأل الله ألا نستخدمها إلا في تسبيحٍ، لا في غيره.
فيُدخِل السَّباحة في صِمَاخ الأذن، يعني في أصل الأذن، ثم بعد ذلك يمسح بالإبهام ظاهر الأذن،
 وهذا يعني أنَّه لا يُشرَع له أن يمسح التَّجاويف، كما يفعل البعض، فالنبي -
صلى الله عليه وسلم- أدخلها في صِمَاخ أذنيه، في داخل الأذن، ثم كأنَّما يسد بها
 عن الصوت تمامًا في موضع سدادة الصوت، ثم يمسح بالإبهام من الظَّاهر، من الخارج،
أمَّا التَّجاويف الأخرى فليست داخلةً كما يصنع البعض، وربما بالغ في مثل هذا،
 وهو غير واردٍ عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
هنا يمكن أن أشير إلى قضيةٍ، وهي: أنَّ مسح الأذنين من فروض الوضوء؛
 لأنَّه داخلٌ -كما ذكرنا- في الرأس، ولأنَّه لم يُنقَل في صفة وضوئه -
عليه الصلاة والسلام- أنَّه ترك مسح أذنيه، ولهذا أشير إلى قضيةٍ،
وهي أنَّه لا يُشرع أخذ ماءٍ جديدٍ للأذنين، بل لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-
أنَّه أخذ ماءً جديدًا للأذنين، وهذا -في حقيقة الأمر- يرد هنا، ويرد في المضمضة والاستنشاق،
فلم يثبت أيضًا عنه -عليه الصلاة والسلام- أنَّه فصل بين المضمضة والاستنشاق،
 بل كان يُمضمض من كفٍّ واحدٍ، يفعل ذلك ثلاثًا، كما جاء في حديث عبد الله:
"فمضمض واستنشق من كَفٍّ واحدٍ".
بعض الناس يتمضمض ثلاث مراتٍ، ثم يستنشق ثلاث مراتٍ، وهذا خطأ،
وإنما يُمضمض ويستنشق من كَفٍّ واحدٍ ثلاث مراتٍ، وهكذا إذا مسح رأسَه،
 فلا يأخذ ماءً جديدًا، بل بنفس اليدين، وفي نفس الحالة، فيُدخل أصبعيه السَّباحتين في أذنيه،
ثم يمسح ظاهر أذنيه، هذا هو أكمل الوضوء الوارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-
 ويكون -كما ذكرنا- ثلاثًا ثلاثًا، إلا في الرأس مرةً واحدةً، لكن جاء في حديث ابن عباسٍ
عند البخاري: "أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ مرةً مرةً".
وهنا يمكن أن نُشير إلى قضيةٍ، وهي: ما يتصل بمسح الرأس، أو بما ورد من حديث المغيرة:
 "أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- مسح على ناصيته"، وأنَّ هذا قد استدلَّ به البعضُ على
 أنَّ المسح إنما يكون لبعض الرأس.
والحقيقة أنَّ هذا الحديث اختصره بعضُ الرواة، وإلا فإنَّ في الصحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-
مسح على النَّاصية وعلى العمامة، فدلَّ على أنَّ المسح لم يكن لبعض الرأس، إنما كان على كامل الرأس،
 وهو المسح على العمامة، حيث أخذت العمامةُ حكم الباقي، فلمَّا كان بعضُ الرأس قد كُشِف،
 فإنَّ الإنسان يمسحه، هذا يُؤكِّد التعميم، فإذن لو كانت القضية للتبعيض لاكتفى
بمسح الناصية دون العمامة، أو العمامة دون الناصية، فلمَّا جمع في المسح بينهما،
 مع كونهما مختلفتين: فالعمامة لها جنس، والرأس لا شكَّ أنَّ لها جنسًا آخر وحقيقةً أخرى،
 فدلَّ هذا على اشتراط ووجوب التعميم، وهو أيضًا دليلٌ على خلاف مَن استدلَّ به، بل هو دليلٌ عليه.
وهنا أُشير إلى الحكمة من فرض المسح في الرأس دون الغسل، وربما قدمنا بها،
 وهي التيسير؛ لأنه لو كان شعرُ الإنسان كثيرًا فإنَّ الغسل عندئذٍ سيشق عليه،
وربما أصابه نوعٌ من الضَّرر، لا سيَّما عند وجود البرد والهواء ونحو ذلك،
وهذا من حكمة الله -سبحانه وتعالى.
ننتقل بعد ذلك إلى آخر ما يتصل بالوضوء، وهو: غسل الرِّجْلَين إلى الكعبين:
ويُراد بالكعبين: العَظْمَان النَّاتئان اللذان بأسفل السَّاق من جانبي القدمين.
لاحظوا الصورة، هنا الكعب كما يُشير إليه السهم، وهو يقع فاصلًا بين القدم نفسها والساق،
ومن أكثر الأخطاء التي يقع فيها الناس ما يكون من ترك المنطقة التي هي خلف الكعب،
وهي خلف القدم أيضًا، وهي العَقِب، ولذلك قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»؛
لأنَّ وضوء المرء عندئذٍ لا يتم، بل يجب عليه أن يُعيده، فلمَّا رأى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-
رجلًا في قدمه قدر القطعة من الظفر، أمره أن يرجع فيُحسِن وضوءه، وهذا خطر، فيجب أن نُنبه الناسَ إليه.
ودليل غسل الرِّجلين قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]، وهذا هو الفرض الرابع من فروض الوضوء.
قلنا:
الفرض الأول: الوجه.
والفرض الثاني: اليدان.
والفرض الثالث: الرأس.
والفرض الرابع: الرِّجْلَين.
ننتقل إلى الفرض الخامس بعد ذلك، وهو:
الترتيب بين هذه المغسُولات:
ما دليل الترتيب؟ ولماذا كان الترتيب فرضًا وركنًا من أركان الوضوء؟
 فلو أنَّ شخصًا قدَّم غسل الرِّجْلَين على مسح الرأس، أو مسح الرأس على غسل اليدين،
 أو غسل اليدين على غسل الوجه، كان وضوؤه غير صحيحٍ.
لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُنقَل عنه ولو مرةً واحدةً أنَّه خالف هذا الترتيب،
 فنلتزم ما ورد عنه -عليه الصلاة والسلام- يُؤكِّد هذا أنَّ الآية أدخلت الممسوح بين المغسولات،
ففي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾
 ثم ماذا قال؟ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
ولاحظ "أرجلكم" معطوف منصوب، فيكون إذن معطوفًا على المغسولات؛ لأنَّه قال:
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ مفعول منصوب، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أقصد في الآخر، فنُصِب،
 فكان العطفُ على المغسولات، فكان فرضُ الرِّجْل الغسل، بينما في الرأس قال:
﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وهذه قراءة سبعيَّة، وهي قراءة حفص، بينما هناك قراءة أخرى سبعية،
 وهي: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ وهي دالَّةٌ على مسح الخُفِّ كما استدلَّ بها أهلُ العلم.
إذن لما أدخل الممسوح بين المغسولات دلَّ هذا على أنَّ الترتيب مقصودٌ،
إذ لو كان الترتيبُ غير مقصودٍ لأُخِّر الممسوح بعد المغسولات؛
ليكون كلُّ شيءٍ مع جنسه الذي هو فيه.
وهنا مسألةٌ يمكن أن نُشير إليها، وهي: أنَّ البعض ربما مثلًا يغتسل،
فهل إذا اغتسل يُجزئه أن يُصلي باغتساله هذا أم لا؟ ولماذا؟
الجواب: أنَّه إذا اغتسل غسلًا عن جنابةٍ فإنَّه يُجزئه عن وضوئه؛ لأنَّ الله يقول:
﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، وهذه الطَّهارة كبرى، فتشمل الصُّغرى؛
 لأنَّ الزيادة في المبنى تزيد الزِّيادة في المعنى.
لكن إذا كان غسلًا مُستحبًّا فإنَّه لا يُجزئه عن وضوئه إلا إذا رتَّبه، يعني
 وهو يغتسل تمضمض مثلًا واستنشق، وغسل وجهه، وغسل يديه، وغسل رِجْلَيه،
 وهو يغتسل، فعندئذٍ يُجزئ، وإلا فإنَّه لا يجزئه، لماذا؟ لأنَّه فَقَدَ شرطَ أو ركنَ أو فرضَ الترتيب.
ومثله طبعًا مَن يسبح في مسبحٍ ونحو ذلك، لا يكفيه أن يخرج من غير أن يُرتِّب،
 ما لم يكن -كما ذكرنا- غسلًا عن واجبٍ.
نختم بالمُوالاة:
وهي الفرض السادس، والمراد بالموالاة ألا يفصل بفاصلٍ عُرْفًا بين الأعضاء المغسولة،
 وهذا لم يرد فيه ضابطٌ، يعني لم يرد في قدر هذا الفاصل ضابطٌ.
وَكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ *** بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ
فالعُرْف هو الذي يضبط هذا.
ومن أدلة المُوالاة أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا وفي ظهر قدمه لمعةٌ مثل الظُّفر،
وكان يُصلي، فأمره أن يُعِيد الوضوءَ والصلاةَ، وأيضًا جاء في روايةٍ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ»،
وهذا إن دلَّ فإنما يدل على اشتراط المُوالاة.
ومن هنا أُشير إلى أننا قد فرغنا مما يتعلَّق بفروض الوضوء، وهي مسألةٌ مهمةٌ،
وتعم الحاجة إليها، ونحتاج إلى أن نُعرِّف الناسَ بها، وأن نُنبههم عليها،
لا سيَّما وأنَّ بعضهم لا يتوضأ الوضوء المشروع، بل المشروع في حقِّ الناس أن يُسْبِغوا الوضوء على المكاره،
 كما قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَرْفَعُ اللهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ، وَيَحُطُّ بِهِ الْخَطَايَا»،
 وذكر من ذلك -عليه الصلاة والسلام: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ،
 وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ».
مساله ،،، مَن ليس لديه يدان، ولا رجلان، فضلًا عن أن يكون له قدمان.
هذا يكفيه أن يغسل أصلَ الطَّرف؛ لأنَّه لا يدان ولا قدمان له.
ومَن كانت له أطراف صناعية، هل يغسلها أم لا؟
الأقرب: نعم، فيغسل تلك الأطراف؛ لأنَّها أصبحت في حكم الحقيقية، ولا يُكلَّف نزعها ثم غسل أصلها.
وقد يختلف هذا عمَّا يكون ملبوسًا فوق العضو: كالبارُوكة مثلًا لمَن احتاجت إلى ذلك ولبستها،
 وإلا فإنَّ الأصل عدم مشروعيَّتها لمَن لم تحتج إليها، فإنَّه عندئذٍ الأقرب أن يتم خلعها، ويُمسَح الرأس من غيرها؛ لأنَّه لا يصدق عليها أنَّها من الرأس، فهي جزءٌ مُنفصلٌ عنه.
فالقاعدة في الأطراف المُقَطَّعة التي ذكرناها هي: ما قُطِع سقط فرضه، ففرض اليدين الغسل،
فيسقط هذا، ويبقى الأصل فقط.
قد يرد عندنا أيضًا سؤالٌ هنا، وهو ما يتصل بتركيبة الأسنان، فكثيرٌ من الناس لديهم أسنان،
فهل يجب عليهم أن يخلعوها أم لا؟
لا يجب عليهم خلع الأسنان، لحديث أسعد بن عَرْفَجَة لما اتَّخذ أنفًا من ذهبٍ، فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-
لم يأمره بخلع هذا الأنف وغسل أصله، وهكذا السِّنُّ، وكذلك لبس النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-
 الخاتم، وأقرَّه للصحابة، وكانوا يلبسون خواتمهم، ولم يكن يأمرهم بخلعها، وهذا فيه نوعٌ من التيسير،
 وهو مما يُستدلُّ به على عدم خلع مثل تلك الأشياء.
من المسائل المهمَّة هنا: ما يُوضَع على البَشَرَة من كريماتٍ ونحوها من الدُّهون،
 فالأصل في مثل تلك الأشياء أنَّها إذا كانت حائلًا بين الماء والبشرة -
يعني لم تكن خفيفةً بحيث يصل الماءُ إلى البشرة- فيجب عندئذٍ أن تتم إزالتها.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق