الخميس، 26 ديسمبر 2013

الفقه ( المحاضرة الثالثة )


تعرَّضنا لمسألة استقبال القبلة واستدبارها، وبيَّنا تفصيل أهل العلم في أنَّ ذلك
لا يجوز في حال الفضاء: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا»،
 وأنَّ ما كان في البنيان فإنَّه يُستثنى منه حال دون حالٍ؛ لحديث ابن عمر لما قال:
"رقيتُ يومًا على بيت حفصةَ، فرأيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقضي حاجته،
مُستقبل الشام، مُستدبر الكعبة"، فيجوز إذن الاستدبار في حال البنيان،
ولا يجوز الاستقبال مطلقًا لا في الفضاء،
ولا في البنيان؛ لما تقدم من النص على ذلك.
ثم أشرنا إلى الاستجمار، وبيَّنا المراد بالاستجمار، وهو بديلٌ للاستنجاء، بل هو -في حقيقة الأمر-
 أسلوبٌ من أساليب التطهير الشَّرعية، يعني يجوز للمرء أن يعمد إلى الاستجمار،
 ولو كان ذلك مع وجود الماء، بخلاف ما يتصل بأصل الطهارة من وضوءٍ وتيممٍ،
 فلا يجوز أن نلجأ إلى التيمم مع وجود الماء، بل يجب علينا الوضوء، وأكمل الحالات فيما يتصل بالتطهير
 من النَّجاسات الخارجة من السَّبيلين: أن يُجمَع بين الاستنجاء والاستجمار.
وبيَّنا أنَّ شرط الاستجمار أن يكون بثلاثة أحجارٍ نقيَّةٍ طاهرةٍ،
 ويلحق بالأحجار ما كان في حكمها من المناديل الآن، أو نحو ذلك، والأصل فيه حديث سلمان:
 "نهانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن نستقبل القبلةَ بغائطٍ أو بولٍ، أو أن نستنجي باليمين،
أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجارٍ، أو أن نستنجي برَجِيعٍ أو عظمٍ".
وهذا أيضًا يبين ما لا يجوز الاستنجاء به: كالرَّجيع، والعظم، والرَّوثة، فإنَّه لما جيء للنبي
-صلى الله عليه وسلم- بحجرين وروثةٍ، أخذ الحجرين وألقى الرَّوثة،
وقال: «هَذَا رِجْسٌ –أو: رِكْسٌ»، فأخذ ما عدا الرَّوثة وألقاها؛ وذلك لأنَّ الرَّوث لا يطهر.
فقد جاء في حديث ابن مسعود أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال له: «ائْتِنِي بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ»،
 قال: فأتيتُه وهو يقضي حاجته بحجرين، ولم أجد ثالثًا، فأتيته بروثةٍ، فأخذهما وألقى الرَّوثة،
 وقال: «هَذَا رِجْسٌ –أو: رِكْسٌ»، وهذا دالٌّ على عدم الإجزاء بها، وعلى كونها غير مُنقيةٍ أو مُطهِّرةٍ في مثل تلك الحال.
  [ باب إزالة النجاسه]
وبعض الفقهاء يذكرون هذا الباب -إزالة النجاسة- في آخر كتاب الطَّهارة، بين التيمم والحيض،
 إلا أنَّ بعضهم ذكره في هذا الموضع، وهو موضع مناسب، وممن عمد إلى ذلك مؤلف كتاب
"منهج السَّالكين" وهو الشيخ عبد الرحمن السَّعدي، وترتيبه لكتاب الطهارة ترتيبٌ جميلٌ،
 ولذلك سرنا قريبًا من مسيره في التَّرتيب.
أمَّا النجاسة التي نتحدث عنها فلا نريد بها إزالة النجاسة العينيَّة، وإنما نتكلم عن إزالة النَّجاسة الحُكميَّة،
 وهي النَّجاسة التي تقع على شيءٍ طاهرٍ فينجس بها.
أمَّا العينية: يعني إذا كان الشيء عينه نجسة، فإنَّ إزالة النجاسة عن عينه وإحالته إلى شيءٍ طاهرٍ،
هذا غير متصورٍ، كما لا يخفى عليكم.
ولذلك أيضًا يمكن هنا في هذا المقام أن نُفرِّق بين ما يتصل برفع الحدث، وبين إزالة الخبث،
ومن الفروق الأساسية في هذا الباب بين رفع الحدث، وإزالة الخبث: أن نعلم أنَّ رفع الحدث
يقوم ركنُه وشرطُه على النية، بينما إزالة الخبث ليس كذلك، وإنما هو عملٌ يُقصَد منه إزالة النجاسة،
فهو في حقيقة الأمر أشبه ما يكون بالترك، بينما رفع الحدث هو نوعٌ من العمل، ولذلك اشترط الفقهاءُ في الأول النية، كما أنَّهم لم يشترطوا في الثاني -وهو إزالة النَّجاسة- النية، باتِّفاقهم، فمتى زالت النَّجاسة بأيِّ شيءٍ، ولو تُركت فزالت من نفسها بريحٍ، أو شمسٍ، أو نحو ذلك، فإنَّه عندئذٍ يكون المقصود منها مُتحقِّقًا.
هنا يمكن أن نعرض إلى ما يتصل بهذا المقام، فالقاعدة الأساسية التي نحتاج إلى أن نتصورها جيدًا في إزالة النَّجاسة هي: أنَّ النجاسة تزول بكل ما يُزيل عينَها عن المحل الطاهر.
هذه القاعدة في تطهير النَّجاسات، وهي تُفيدنا عدة فوائد، فمن الفوائد التي تُستنبط من هذه القاعدة:
أولًا: عدم اشتراط العدد: فلو زالت النَّجاسة بغسلةٍ واحدةٍ، أو غسلتين، أو ثلاث، أو لم تزل إلا بخمسٍ،
أو ستٍّ، فإنَّه عندئذٍ لا عددَ مُعيَّنًا في هذا؛ لأنَّ المقصود -كما ذكرنا- إزالتها بأيِّ عددٍ كان،
 إلا ما نُصَّ عليه، كما يتصل بولُوغ الكلب مما سيأتي بيانه.
ثانيًا: عدم اشتراط الآلة: لأنا قلنا: النَّجاسات تزول بكلِّ ما يُزيلها، فإذن لا تُشترط آلةٌ معينةٌ.
وحين نقول: آلة، يعني وسيلة، فالماء ليس شرطًا، والتُّراب ليس شرطًا،
 فيمكن أن تزول النَّجاسة بأيِّ مُزيلٍ لها، ولو كان ذلك من المُزيلات الحديثة -كما سيأتي-
 من بخارٍ أو نحوه، فضلًا عن أن يكون ذلك بشمسٍ ونحوها.
إذن هذه قاعدةٌ مهمةٌ جدًّا، يترتب عليها عدم اشتراط العدد، وعدم اشتراط الآلة،
وعدم اشتراط النية -كما ذكرنا- لأنَّ الحكم يدور مع عِلَّته، والعلة هي النَّجاسة، وجودًا وعدمًا،
 فإذا وُجِدت النَّجاسةُ وُجِد الحكم، وهو عدم الطَّهارة، وهو أيضًا تحريم الصلاة إذا كانت
 الحالةُ هي الصلاة في مثل تلك الحال، إلى آخره من الأحكام التي تختلف من حالٍ إلى آخر.
والأدلة على مثل هذه القاعدة كثيرة، منها: كانت الكلاب تُقبِل وتُدبِر في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-
 ولم يكونوا يرون شيئًا من ذلك نجاسةً، ولم يكونوا يرشُّون هذه النَّجاسة، بل كانت تُترك
 حتى تتغير بالشمس، أو بالريح، ونحو ذلك.
أيضًا مما يؤكد مثل هذه القاعدة أنَّه لم يرد عددٌ في الشرع لإزالة النَّجاسات في الجملة،
إلا ما يتصل بإزالة النجاسة المخصوصة بالكلب -كما تقدم.

وأيضًا أنَّ غسل النَّجاسات لا يحتاج إلى نيةٍ، فلا يحتاج أيضًا إلى عددٍ؛ وذلك لأنَّ زوال هذه النَّجاسة هو المقصود، فبأيِّ شيءٍ زالت فإنَّه عندئذٍ يتحقق المقصود.
وأمَّا حديث: "أُمرِنا بغسل الأنجاس سبعًا" فإنَّه حديثٌ لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وبالتالي فإنَّه ليس ثَمَّ عددٌ، إلا ما ثبت مما ذكرناه.
ومما يُستثنى من هذه القاعدة: الكلب -كما ذكرنا- في وُلُوغه؛ لحديث أبي هريرة المشهور:
«طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»،
 وقد اشتُرط العدد، وهذا النص يدلُّ على التحديد.
ويمكن عندئذٍ أن ننتقل إلى مسألةٍ أخرى، وهي: مسألة الأعيان النَّجسة:
ما الأعيان التي تُعد نجسةً ولابُد من إزالة هذه الأعيان من الأماكن الطَّاهرة؟
إذن إزالة النَّجاسة من العين نفسها -كما تقدم- غير مُتصورٍ، يعني أن يُحوِّل النجسَ كالعَذِرَة إلى أن تكون طاهرةً،
 هذا غير مُتصورٍ.
وسيأتينا هذا في مسألةٍ تُسمَّى بالاستحالة، فيما إذا تحوَّلت بنفسها إلى حالةٍ أخرى،
كانت نجسةً ثم صارت طاهرةً، فهي -في حقيقة الأمر- لا تُعد نجسةً، بل هي طاهرة،
 وكلامنا على إزالتها، وهي لا زالت على حالها، وماهيتها، وحقيقتها.
من الأعيان النَّجسة: بول الآدمي وعَذِرَته، فالبول والغائض هذا نجسٌ إن كان من آدمي،
 ولذلك عُدَّ من نواقض الوضوء، وهذا قد انعقد الإجماعُ عليه،
 ومما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: 43].
أيضًا من المُستثنيات: الدَّم، فالدم من النَّجاسات، وهذا في الجملة، وإلا ففي المسألة تفصيلٌ سنعرض له
-إن شاء الله تعالى- والأصل في الحكم بنجاسته قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... ﴾ الآية [المائدة: 3]،
وهذا قد جاء في آياتٍ كثيرةٍ.
والدم فيه تفصيلٌ -كما لا يخفى عليكم- سنُبيِّنه أيضًا.
أيضًا بول وروث كل حيوانٍ مُحَرَّمٍ أكله، فإذا كان الحيوان مما يحرُم أكله مثل: الحمار، والسَّبُع،
 والقط، فكل هذه الحيوانات يحرم أكلها، فإنَّ بوله وروثه نجسٌ، والدليل عليه في حديث ابن مسعودٍ:
 أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى الغائط، فلمَّا أمره أن يأتيه بثلاثة أحجارٍ، قال: فأتيتُه بحجرين وروثةٍ،
 فأخذهما وألقى الرَّوثة، وقال: «هَذَا رِجْسٌ –أو: رِكْسٌ» فهذا يدلُّ على نجاستها.
أيضًا السِّباع من الأعيان النَّجسة، وقد حُكِمَ بنجاستها بناءً على حديث القُلَّتين، فقد سُئل النبيُّ
-صلى الله عليه وسلم- عن الماء تنوبه السِّباع، فقال: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ».
ما وجه الدلالة من هذا الحديث على نجاسة السِّباع؟
لاحظ أنَّه سُئِل عن الماء تنوبه السباع، فقال: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ» والقُلَّتان ماءٌ كثيرٌ،
يعني قُرابة مئة وواحد وتسعين كيلو.
{الدليل على نجاسة السِّباع في الحديث هو: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قيَّد حمل الماء للخبث
 والنَّجاسة إذا نابته السباع بالقُلَّتين، فهذا يدلُّ على أنَّ ما دون القُلَّتين إذا نابت فيه السِّباع أنَّه ينجس،
 فهذا يدلُّ على نجاسة السِّباع}.
يُبين المقصود بهذا الدليل، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ»
 دلَّ على أنَّ ما دون القُلَّتين تُنجِّسه السباعُ إذا وردت عليه، مما يدلُّ على أن السِّباع نجسةٌ،
 إذ لو لم تكن السباعُ نجسةً لما حدَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ما لا يتأثر بالسِّباع من الماء فيما يكون كثيرًا،
وهو -كما ذكرنا- قُلَّتان، وهو يُعادل أكثر من مئة وواحد وتسعين كيلو جرامًا تقريبًا.
إذن هذا وجه الاستدلال بهذا الحديث، وإن كان الحديثُ قد ضعَّفه بعضُ أهل العلم، إلا أنَّ العمل عليه.
أيضًا من النَّجاسات العينية: الميتة: وذلك لقوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا
 عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ ... ﴾ الآية [الأنعام: 145].
فأمَّا ما يتصل بالدم وتحريم ذلك ونجاسته فيمكن أن نقول: إنَّ الدم على أقسامٍ:
القسم الأول: النَّجس اتفاقًا:
هذا هو القسم الأول من أقسام الدم الذي حكم أهلُ العلم بنجاسته بالاتِّفاق، وهذا النوع يُمثَّل له بالدم المسفُوح،
 أو الذي يخرج من الذَّبيحة عند ذبحها، فما يخرج من هذا الدم يُعدُّ مسفُوحًا، وذلك نجسٌ؛
 لقوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145].
أيضًا الدم الخارج من السَّبيلين، هذا مما انعقد الاتِّفاق على كونه نجسًا، وكذلك دم الحيوان غير المأكول،
 فهذا يُعدُّ من أنواع الدم النَّجس.
القسم الثاني: الدِّماء الطَّاهرة بالاتِّفاق:
إذن عندنا دم نجسٌ بالاتفاق، أوضح مثال له: الدم المسفوح، والخارج من السَّبيلين، وعندنا دمٌ طاهرٌ بالاتفاق،
 وأوضح مثال له: الدم اليسير، أيًّا كان؛ فلو سقطت على إنسانٍ نقطةٌ أو نقطتان من دمٍ مسفوحٍ، فهذا يسير،
 والمشقة تجلب التيسير، ومثل هذا لا يمكن أن ينفك عنه كثيرٌ من الناس، ولذلك رأى الفقهاء متَّفقين طهارةَ ذلك.
وأيضًا ينطبق على هذا الدم اليسير الباقي في العُروق، في عروق المُزَكَّاة؛ لأنَّه لا تكاد تسلم من ذلك،
 فأنت أحيانًا ترى بعض المطعومات من لحومٍ أو دجاجٍ مثلًا فيه شيءٌ يسيرٌ من دمٍ، وهذا مما انعقد الاتِّفاق عليه،
 ويمكن أن نقول: الاتِّفاق هنا أوضح من الاتِّفاق على الدم اليسير مطلقًا، لكن ذلك الراجح أنَّه أيضًا يكون طاهرًا.
النوع الثاني من الطَّاهر بالاتِّفاق: ما يكون من قبيل ما لا نفسَ له سائلة، كالذُّباب ونحوه، وإن كان لدي ما يُذكر له،
وتسميته دم أشبه بالتَّجَوُّز، إلا أنَّ الفقهاء قد اتفقوا على كون هذا النوع من الدِّماء طاهرٌ.
المشكل في الدم هو النوع الثالث، وهو المختلف فيه، وهذا المختلف فيه أبرز ما يمكن أن يُمثَّل له:
دم الآدمي الخارج من غير السَّبيلين.
إذن لاحظ أنَّ دم الآدمي على نوعين: ما كان من السَّبيلين، فهو محل اتِّفاقٍ على النَّجاسة،
 وما لم يكن من السَّبيلين، فهو محل اختلافٍ، ويمكن أن نقول: إنَّ دم الآدمي الخارج
 من غير السَّبيلين من المسائل التي اختلف فيها أهلُ العلم.
وأكثر أهل العلم -وحكى بعضُهم الاتِّفاق- على أنَّ دم الآدميين الخارج من غير السبيلين نجسٌ.
فلو أنَّ جرحًا مثلًا أصابك في أسنانك، وخرج دمٌ كثيرٌ -لأنَّه تقدَّم أنَّ اليسير معفو عنه-
فإنَّ أكثر أهل العلم -وحُكي الاتِّفاق، وإن لم يكن ذلك دقيقًا- على أنَّ الدم الخارج من غير السَّبيلين للآدمي نجسٌ،
 وليس طاهرًا، لماذا؟ لعموم قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3]،
وقوله: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا﴾ [الأنعام: 145]
 فالدم أُطلِق تحريمه في الآيات.
وقد سُئِل الإمامُ أحمد عن الدم فقال: الدم لم يختلف الناسُ فيه، والقَيْح قد اختلفوا فيه.
 ومعلوم أنَّ القَيْح لونه فاتح، بينما الدم لونه أحمر قاني معروف.
أمَّا مَن قال بطهارته فإنَّه بنى القول بالطهارة هنا على الأصل، وهو أنَّ الأصل في الأشياء الطهارة والإباحة،
فقالوا: إنَّ الدم من الأشياء التي يكون الأصلُ فيها مُحْكَمًا.
ثم إنَّهم عضَّدوا هذا الأصل بحال الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- حيث كان الصحابةُ
يُصلُّون بجراحاتهم من أثر المعارك، وكانوا لا يسلمون من دمٍ،
وأيضًا قصة عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه
- لما طُعِن -بأبي هو وأمي- من أبي لؤلؤة المجوسي، تعلمون أنَّه لم يكن في ذلك ناقضٌ لصلاته -رضي الله تعالى عنه.
ويُستثنى من هذا النوع -من الدم- ما تقدَّم، يعني دم الآدمي الخارج من غير السَّبيلين اليسير،
فإنَّ اليسير معفو عنه؛ لأنَّ المشقة تجلب التيسير، فلا يكاد الناسُ يسلمون من الدماء،
كالذي يخرج من جرحٍ مثلًا، أو من بَثْرٍ، أو ما يُسمَّى بالثُّؤْلُول، وأحيانًا يخرج من السِّن،
 أو من الأنف، أو نحو ذلك مما يُصيب الناسَ بشيءٍ من المصائب،
فإنَّه كما قالت عائشة: "ما كان لإحدانا إلا ثوبٌ واحدٌ،
تحيض، فإذا أصابه شيءٌ من الدم بلَّته بريقها فصقعته بظفرها"،
 فهو إذن يُزال بالظُّفر مع شيءٍ من الرِّيق، وهذا غالبًا لا يُسلَم من بقاء يسيرٍ من الدم،
يعني هذه الإزالة ليست إزالةً مُحكمةً، كما هو الحال الآن في الآلات الحديثة، أو نحوها،
فهي تُزيله بريقها مع ظفرها، وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على أنَّ اليسير من الدم معفو عنه،
 وإلا فإنَّ دم الحيض نجسٌ، ولا إشكالَ في نجاسته؛ لأنَّه أيضًا خارج -كما ذكرنا-
من موضع النَّجاسة، وهو نجسٌ وإن كان يخرج من الرحم.
يقول ابنُ قُدامة أيضًا في "المغني" تعليقًا على مثل هذا الأثر: "إنَّ هذا الأثر دالٌّ على العفو؛
لأنَّ الرِّيق لا يطهر به، ويتنجس بها ظفرها، وهذا إخبارٌ عن دوام فعلهم". يعني أنَّه كانت هذه حالتهنَّ
مع الدِّماء التي تُصيبهنَّ، والنساء في ذاك الزمان ليسوا قلَّةً، مما يدلُّ على حاجة هذا لكثيرٍ من النساء،
 وهذا لا يخفى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لتكرره وكثرت من تُصيبه من النساء،
 وهنا قاعدة، ما هذه القاعدة؟
تقول القاعدة: إنَّ الفعل إذا تكرر في زمن النبوة، فالأصل أن تكراره من غير نكيرٍ تشريعٌ لجوازه.
فالفعل إذا تكرر في عهد النبوة من غير نكيرٍ فذلك دالٌّ على جوازه، وهذا تشريعٌ، أو نوعٌ من التَّشريع،
وقد جاء عن ابن عباس أيضًا القول باستثناء الدم اليسير، وعن ابن عمر، وعن جابر،
وعن أبي هريرة، وعن غيرهم -رضي الله تعالى عنهم- ولا يُعلَم فيه مخالفٌ،
ولذلك حكى بعضُهم الإجماعَ عليه، وهذا ينقلنا إلى النوع الثالث.
النوع الثالث من أنواع النَّجاسات: بول وروث كل حيوانٍ مُحَرَّم الأكل، كما قلنا قبل قليلٍ.
بول وروث كل حيوانٍ مُحَرَّم الأكل، وذكرنا الدليلَ عليه، وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-
في الرَّوثة: «هَذَا رِجْسٌ –أو: رِكْسٌ».
والمؤلف هنا نصَّ على البول والرَّوث، أو الأقسام هنا نصينا فيها على الرَّوث والبول،
فهل يعني هذا أنَّ غير هذه الأقسام -غير البول والرَّوث- ليس من النَّجاسات،
أم أنَّها تشمل كلَّ ما كان من هذه الحيوانات؟
القاعدة التي ذكرناها قبل قليلٍ -وهي: أنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة والإباحة-
تدلُّ على أنَّ المُحرَّم أكله من هذه الحيوانات كالحمار ونحوه ماذا؟ البول والرَّوث،
فأمَّا ما عداها فيبقى على الأصل، إلا إذا جاءنا دليلٌ يدلنا على التحريم، مثل ماذا مثلًا؟
قالوا: مثل العَرَق، فلو ركب شخصٌ على حمارٍ وأصابه من عرقه،
فهل يلزمه عندئذٍ أن يغسل ما أصابه منه أو لا يلزمه؟
الظاهر -والله أعلم- أنَّه لا يلزمه، وقد ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-
وأصحابه كانوا يركبون الحمير، ولم يُنقَل أنَّهم كانوا يغسلون أيديهم، وأرجلهم،
 وما أصابهم منها، وهذا -كما ذكرنا- مما يحتاج إلى بيانٍ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز،
 وهذه قاعدةٌ أيضًا من القواعد الأصولية المهمة.
من النَّجاسات العينية التي ذكرناها أيضًا: السِّباع، والسِّباع يُراد بها كل ذي مخلبٍ، سواء كان ذلك من طيرٍ،
أو غيره، وكل ذي نابٍ أيضًا.
إذن يُراد بالسباع كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي نابٍ من سائر الحيوانات: كالنُّمور،
 والأسود، والكلاب، ونحوها، فهذه كلها نجسة، والفقهاء عندما يقولون: كلها نجسة،
 يُريدون أجزاءها كلها، وليس جزءًا دون جزءٍ، وهذا يشمل البول والرَّوث، ويشمل أيضًا غير ذلك
من عرقٍ ولُعَابٍ، وإن كانوا قد اختلفوا في بعض التَّفاصيل، كالسُّؤْر فيما يتصل بالهِرِّ.
المسألة التالية: الميتة: فهي من النَّجاسات؛ للآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ...﴾ الآية [المائدة: 3]
 فهذا يشمل كل الميتات، والتَّحريم هنا ليس للأكل فقط، بل هو دالٌّ على كونها غير طاهرةٍ،
 ولذلك حَرُمَ أكلها، وقد استثنى الفقهاء منها أربع ميتات:
المُستثنى الأول: ميتة الآدمي: فميتة الآدمي لا تنجس، والآدمي طاهرٌ حيًّا وميتًا،
والدليل على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»، فأخذ من ذلك بعضُ أهل العلم أنَّ الكافر ينجس،
وعمم الجمهورُ هذا على المؤمن، فألحقوا به الكافر بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]
ومن تكريمهم أن يكونوا طاهرين أحياءً وأمواتًا.
النوع الثاني: ما لا نفسَ له سائلة: فما لا نفسَ له سائلة كالذُّباب، والبَعُوض، وما كان مثلهنَّ من الحشرات،
 فهذا -في حقيقة الأمر- لا ينجس، والدليل عليه حديث أبي هريرة: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ،
 فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً»، وهذا يُؤكد هذا المعنى: داءً ودواءً، فيكون عندئذٍ طاهرًا،
 إذ لو كان نجسًا ما أمر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بغمسه.
أيضًا مما يُستثى: السَّمك والجَرَاد: وذلك لحديث ابن عمر، وهذا الحديث مشهورٌ:
«أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ».
والحوت يُطلَق على السَّمك، والحديث عند أحمد وابن ماجه، وقد صححه الألبانيُّ،
وصححه شيخنا ابنُ باز -رحم الله الجميع- وله حكم الرفع.
هذه هي المُستثنيات من الميتات كما ذكرنا.
بعدها يمكن أن ننتقل إلى مسألةٍ، وهي: الأعيان الطَّاهرة التي تشتبه في مثل هذه،
 مثلًا تذكرون أننا قلنا: بول وروث كلِّ حيوانٍ مُحَرَّمٍ أكله، هذا ماذا يُفهَم منه؟
أولًا: فهمنا منه شيئين: أنَّ غير البول والرَّوث لا يكون نجسًا.
{إذا كان هناك حيوانٌ غير مُحَرَّمٍ أكله، فإنَّه عندئذٍ يكون طاهرًا}.
إذن روث الحيوانات المأكول لحمها وأبوالها أيضًا هذه طاهرة، ولا تكون نجسةً،
وإنما النَّجس فيما حُرِّمَ أكله، والأصل في هذا العموم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29].
ونحن قلنا: الأصل في الأشياء الطهارة، يتأكَّد هذا الأصل في مثل هذه الصورة
 بقصة العُرَنِيِّينَ الذين اجتتوا المدينة، يعني لما جاءوا إلى المدينة ما استطاعوا أن يعيشوا في جوها فمرضوا،
 فأمرهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها، ولو كانت الأبوالُ نجسةً لَ
مَا أمرهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن يشربوا منها.
ومما يدلُّ على ذلك أيضًا أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أجاز الصلاةَ في مرابض الغنم،
 فقال: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ»، ومن المعلوم أنَّ مرابضَ الغنم لا تخلُ من أثرها، من بولها،
أو من رَوَثها، ولو كانت نجسةً لما أجاز لهم الصلاةَ فيها، وقد قال -عليه الصلاة والسلام:
«وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، فهذا يدلُّ على أنَّ هذه الآثار
من تلك الحيوانات مأكولة اللحم طاهرة، وليست نجسةً.
ومما يُشار إليه هنا أيضًا: مَنِيُّ الآدمي؛ لأننا تكلَّمنا عن أنَّ الدم الخارج من السَّبيلين نجسٌ
بالاتفاق إذا كان من الآدمي، فهل هذا يشمل ما يتصل بالمني أم لا؟
قال الفقهاء: إنَّ المنيَّ طاهرٌ، وإن كان خارجًا من السَّبيل، وذلك لورود الأدلة الدالة على طهارته،
وإن كان هذا له بابٌ يتصل به، وهو باب الغسل، سنعرض له، لكن ذكره هنا
لأنَّ له صلةً بالنَّجاسة حيث يُظنُّ نجاسته، وهو -في حقيقة الأمر- طاهر، والأصل فيه حديث عائشة:
"كنتُ أغسل الجنابةَ من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه"،
تغسله من الجنابة،
وفي الحديث الآخر: "لقد رأيتُني أحُكُّه"، يعني تحُكُّ منيٍّ يابسٍ بظفرها من ثوبه،
وفي حديثٍ آخر -وكلها في الصَّحيح: "ولقد رأيتُني أفركه من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
فركًا، فيُصلي فيه".
ومما يتصل أيضًا بهذه المسائل -وهي مسألةٌ مهمةٌ جدًّا- مسألة: ما يخرج من المرأة من رطوبةٍ،
 وهي المُسماة بمسألة: رطوبة فرج المرأة: وهذه المسألة مما تعم به البلوى، ويكثر سؤال النساء عنها،
وهي مسألةٌ أيضًا قد وقع الخلافُ فيها بين الفقهاء، والظَّاهر في هذه المسألة -وهو مذهب الحنابلة-
 طهارة هذه الرُّطوبة، حيث يجعلون حكمها كالعَرَق والرِّيق، ولكن اختلفوا في نقضها للوضوء،
 فالمذهب عند الحنابلة نقضها للوضوء، وهو قول كثيرٍ من أهل العلم.
وقد كان بعضُ أهل العلم المعاصرين كالشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- يرى ذلك،
فرجع عنه في آخر حياته، ورأى أنَّ هذه الرُّطوبة التي تخرج من المرأة طاهرة، ولا تنقض الوضوءَ،
وإن كان الوضوءُ منها أحوطَ.
وهنا يمكن أن نقول: إنَّه يُفرَّق بين الرُّطوبة التي تخرج من الرحم -من مجرى الرحم-
 والرُّطوبة التي تخرج من مجرى السَّبيل -مجرى البول ونحوه- فما كان مُتَّصلًا بالرحم
 فالأصل ظاهرٌ في طهارته، وعدم نقضه للوضوء، وما كان متصلًا بالبول فهو أقرب
ما يكون إلى أن يأخذ حكمَ البول، فيكون عندئذٍ نجسًا.
وهذا التفصيل فيه جمعٌ بين الأقوال وتوسُّطٌ، ولذلك إذا عرفت المرأة
حالها فإنها عندئذٍ تنزل الحكم على مثل تلك الحال.
من المسائل التي يُشار إليها في هذا الباب مسألة: بقاء أثر النَّجاسة بعد زوال عينها:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق