الفقه
المحاضرة الثانية
الدكتور عبد الله الغفيلي
وذكرنا قاعدةً مهمةً بالأمس، وهي قاعدة الأصل في المياه، وقلنا أنَّ الأصل المياه الطهارة والإباحة،
وهذا دائمًا يدفع عن الناس كثيرًا من الإشكالات التي قد تقع عليهم،
وبين أيديهم، فلا يدري هل هذا الماء طاهر أو هو نجس؟
ونحن نقول أنَّ هذه المياه الأصل فيها الطهارة ما لم يدل دليلٌ على نجاستها،
ولذلك تلاحظون في الحديث المتقدم عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-
أنَّه قال: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، فإذاً هذا هو الأصل.
وهذه قاعدة تقطع دابر الوسواس عن المُوَسْوَسِين والمُوَسْوَسَات في الماء،
فلا يدرون مثلًا في الماء: هل هو نجس أم طاهر؟!
نقول: الأصل طهارته ما لم تكن فيه نجاسةٌ واضحةٌ ظاهرةٌ،
وهذه القاعدة تُفيدنا في أبوابٍ كثيرةٍ سيأتي تطبيقها أيضًا في باب الآنية.
وأول مسألةٍ أخذناها في الآنية أمس طبقنا عليها هذه القاعدة، ويراد بالآنية الأوعية،
وسبب ذكر هذا الباب بعد المياه أنها وعاء للماء يُتوضأ منها في العادة،
لا سيَّما فيما كان من ذي قبل، وإن كان الآن قد تمت الاستعاضة عنها في أحوالٍ كثيرةٍ بالصَّنابير التي يُسكَب منها الماء،
أو يُصبُّ منها الماء، ولكن هناك من الناس مَن لا يزال يتوضأ بالآنية، لا سيَّما إذا كان في سفرٍ أو في ارتحالٍ.
هذا هو سبب ذكر الفقهاء لباب الآنية بعد باب المياه.
الآنية هذه ذكرتُ بالأمس أنَّها يمكن أن تكون من تَوْرٍ، ما التَّوْر؟ أحدكم أمس كان يريد أن يسأل عن التَّوْر،
أو الصُّفْر، وهو النُّحاس، ويمكن أن تكون الآنية من حديدٍ، ويمكن أن تكون من البلاستيك،
ويمكن أن تكون من خشبٍ، ويمكن أن تكون من جلدٍ، فهذه كلها أوانٍ.
ويمكن أن تكون لشرابٍ، ويمكن أن تكون لطعامٍ.
فالآنية إذن مفهوم واسع يشمل تلك الأوعية ونحوها، ما حكمها؟
الحكم فيها من حيث الأصل هو الطهارة، وهنا يكون التركيز على الطَّهارة،
أو على حكم الآنية؛ لأجل أنها محل الماء الذي يُتوضأ به، فإن قلنا أنَّها طاهرة،
فإنَّ الماء الطاهر عندئذٍ لا يتأثر بها، ويجوز استعماله منها، وإن قلنا أنَّها نجسة، فإنَّه -
والحالة هذه- يكون الماء نجسًا، ويتغير بهذه الآنية إذا كان الماءُ في هذا الوعاء.
ولذلك من المهم أن نعرف حكمَ الآنية، وقد تقرر ما ذكرناه في هذه القاعدة: أنَّ الآنية كلها طاهرة،
ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة: 29]،
وأيضًا أنَّه -عليه الصلاة والسلام- توضأ من الآنية، وهكذا فعل أصحابه،
وقد جاء هذا في أحاديث كثيرةٍ ومتعددةٍ، فقد ورد وضوؤه -عليه الصلاة والسلام- من الآنية،
سواء كان وضوؤه من آنية الصُّفْر، أو كان وضوؤه من مُزَادَة امرأةٍ مشركةٍ.
فإذا كان قد توضأ من مُزَادَة امرأةٍ مشركةٍ، فهو يؤكد هذه القاعدة ويُثبِّتها على قواعدها،
وهي أنَّ الآنية الأصل فيها الطَّهارة، سواء كانت لمسلمٍ أو لكافرٍ، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانه وذكره.
يُستثنى من الآنية الطَّاهرة نوعٌ واحدٌ، لا يجوز الوضوء فيه، ولا يجوز استعماله،
ولا يجوز أيضًا اتِّخاذه، على خلافٍ في الاتِّخاذ، وسيأتي بيان ذلك.
ما هذا النوع؟
{الذهب والفضَّة}.
؛ وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ،
وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ».
إذاً كلُّ إناءٍ طاهرٌ ولو ثمينًا -كما قال المؤلف في متنه الفقهي المختصر عند الحنابلة- يُباح
اتِّخاذه واستعماله، إلا آنية ذهبٍ وفضَّةٍ.
فآنية الذهب والفضة مما يُستثنى من الآنية الطَّاهرة، فلا يجوز استعمالها عند جماهير أهل العلم،
سواء كان هذا الاستعمال في الأكل والشُّرب، كما هو نصُّ الحديث، أو كان هذا الاستعمال في باقي الأمور:
كما لو استعملها في وضوءٍ، أو استعملها في وضع شيءٍ فيها، ونحو ذلك؛ وذلك لأنَّ ذكر الأكل والشُّرب
جاء على مخرج الغالب، وتحديد ذلك ليس على سبيل الحصر والقصر والتَّخصيص، وإنما هو ذكرٌ لبعض الأفراد،
وذلك لكون الأكل في الآنية هو أكثر الاستعمالات وأهمها بالنسبة للناس.
إذاً قوله -عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» يُجَلِّي التعليل،
وهو أحد مسالك أو طرق إثبات العلة؛ لقوله: «فَإِنَّهَا لَكُمْ»، باستخدام: «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ».
ومن العلل أيضًا التي ذكرها الفقهاء -ويمكن أن نقول أنَّها حكمة؛ لأنَّه لا يمكن أن يُصار إلى الجزم بكونها علَّة-
ما ذكروا من أنَّ استخدامها فيه كسرٌ لقلوب الفقراء.
ولذلك قال الجمهور بالقياس، قياس ما عدا الأكل والشُّرب وسائر أشكال الاستعمال،
وهذا القياس استعمله الجمهورُ هنا بناءً على إثبات هذه العلة، وهي علة كسر قلوب الفقراء؛
لأنَّ كسر قلوب الفقراء يكون بالأكل والشُّرب، كما يكون أيضًا بغيرهما من أنواع الاستعمال،
فوجود الآنية المُذهبة أو التي هي من فضةٍ مستعملة لدى الغني، والفقير ربما لا يجد ما بداخلها،
فضلًا عن أن يجدها، فإنَّه عندئذٍ ينكسر قلبه، وربما وقع في نفسه من البغضاء
والحسد ونحو ذلك ما لا يتشَوَّف الشرعُ لمثله، بل يتشَوَّف الشرع لدفعه.
ومن رأى أنَّ العلة هي تعبدية، واكتفى بما جاء في النص: «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ»،
قال: إنَّ الاستعمال المحرم هو المنصوص عليه فقط، وهو ماذا؟ وهو الأكل والشرب؛
لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»،
فلم يأتِ من التحريم في استعمال الذهب والفضة إلا ما يتصل بالأكل دون ما سواه.
ولذلك ذهب بعضُ أهل العلم -وإن كان هذا المذهب هو أقرب ما يكون إلى مذهب الظَّاهرية،
واختاره الشَّوكاني وغيره، وهو أيضًا ما يميل إليه بعضُ أهل العلم المعاصرين،
كالشيخ ابن عثيمين رحم الله الجميع- إلى أنَّ الممنوعَ هو الأكل والشرب فقط، ويجوز ما عدا ذلك؛
لأنَّه لا علة تثبت من نحو كسر قلوب الفقراء ونحوهم تُجَوِّز إلحاق باقي الاستعمالات بالأكل والشُّرب،
أو تُمَكِّن من إجراء القياس، وبالتالي فيقتصر في النص على ما ورد به،
لا سيَّما أنَّ الأكل والشرب مما يحصل بهما كمال النعمة، ويكون بهما التَّرفه في أوجهٍ،
ولذلك كان تخصيصهما بالحكم له وجه مُعتبرٌ، لكن الأحوط ما ذهب إليه جماهير
أهل العلم من منع سائر الاستعمالات لأوعية الذهب والفضة.
ومما يتصل بهذه المسألة ما يُسمَّى بالاستخدام أيضًا، والفرق بين الاتِّخاذ والاستعمال:
نحن ذكرنا الاستعمال، وهناك ما يُسمَّى بالاتِّخاذ، وهي مسألة قرر فيها جمهورُ العلماء
منع اتِّخاذ الذهب والفضة بناءً على أنَّ ما حَرُم استعماله حَرُم اتِّخاذه، إذ لا فائدة من الاتِّخاذ في
مثل تلك الحال، وكأنَّهم جعلوا هذا لازمًا من اللوازم، فبما أنَّه حَرُم استعماله فيحرم اتِّخاذه.
وهذا اللازم وهذا الحكم في حقيقة الحال هو محل خلافٍ، إذ لم يتَّفق الجمهور -الأئمة الأربعة-
كما اتَّفقوا في الاستعمال، فالشَّافعية -على سبيل المثال- يُوسِّعون في الاتِّخاذ، فلم يتفق الجمهور
في الاتِّخاذ كما اتَّفقوا في الاستعمال، ولذلك وسَّع الظَّاهرية ذلك، لا سيَّما -كما ذكرنا-
وأنَّ العلة في الاتِّخاذ ليست ثابتةً بحيث يمكن القياس عليها، أو إلحاق الاتِّخاذ بالاستعمال.
فالفرق بين الاستعمال والاتِّخاذ ؟؟هو أنَّ الاتِّخاذ يكون للزينة أو للحاجة،
والاستعمال يكون للتلبس بالشيء والانتفاع به.
حالات استعمال الذهب والفضة يمكن أن نُقسمها الأقسام التالية:
أولًا: الحالة التي يجوز فيها الاستعمال للذكور والإناث،
وهي حالة ما يمكن أن يُسمَّى حالة الحرب، فهي حالة الحرب.
ثانيًا: الحالة التي يكون الاستعمال والاتِّخاذ فيها مُحرَّمًا على الذكور والإناث،
وهي حالة استعمالهما في الأواني ونحوها،
فحالة التحريم على الذكور والإناث هي حالة الاستعمال في الأواني ونحوها -كما أشرنا.
الحالة الثالثة: ما يكون مُحرَّمًا على الذكور، جائزًا للإناث، وهي حالة اللباس، هذه قسمة من الأقسام.
ومن الأقسام أيضًا ما ذكرناه هنا: حالات استعمال الذهب والفضة، الجواز للجنسين،
هذا كما ذكرنا في حالة الحرب، والتحريم للجنسين هذا كما تلاحظون إذا استعملها في الأواني ونحوها،
ويُستثنى من ذلك الضبة اليسيرة، والوصلة اليسيرة من الفضة لحاجةٍ،
إذا كان هناك كسرٌ في الإناء، فيحتاج إلى أن يُضَبَّب ليجمع ما بين طرفيه.
الحالة الثالثة: الجواز للمرأة دون الرجل، وذلك في اللباس، ويجوز عندئذٍ في هذه الحالة -التي هي اللباس-
استخدام الفضة للرجال، سواء كان ذلك بالخاتم أو بغير الخاتم، كما سأشير إليه -إن شاء الله تعالى- هنا.
فالأصل إذن في حالات الاستعمال هذه الأقسام، وهذا على سبيل الإجمال،
وقد بينا ما يتصل بتحريمها في الأواني، وجواز ذلك للمرأة دون الرجل،
وهذا هو الأصل: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: 18]، فالمرأة تُنشَّأ في الحلية،
ويجوز لها لبس الذهب والفضة بالإجماع، وإنما يحرم ذلك على الرجل، ويُستثنى للرجل ما يتعلق بالخاتم،
فيجوز استخدام الرجل لخاتم الفضة؛ وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- اتَّخذ خاتمًا من فضةٍ،
كما في الصَّحيحين من حديث ابن عمر.
والأصل في غير الخاتم التَّحريم، إلا إذا كان بحجمه، أي إذا كان وزنه وحجمه قريبًا من الخاتم،
يعني نقول: مئتين جرام تقريبًا، ويمكن أن تنقص قليلًا أو تزيد قليلًا، هذا إذا اتُّخذ،
مثل ما لو كان من الأَزِرَّة مثلًا فضة، فقد جوَّز شيخُ الإسلام -رحمه الله تعالى- هذا،
وهذا رأي لبعض الحنابلة والحنفية، فقالوا: إذا كان بحجم الخاتم يسيرًا، كما لو كان من الأزرة ونحوها،
فإنَّه عندئذٍ يكون جائزًا.
لكن لو أنَّ شخصًا سيلبس نظارةً -على سبيل المثال- ويجعلها من فضةٍ، فنقول: هذا لا يجوز؛
لأنه في حقيقة الأمر كثير وزاد على الحجم المُستثنى.
من المسائل المتصلة بهذا: آنية الكفار: آنية الكفار هي مسألة مهمَّة في حقيقة الأمر؛
لأنَّ الناس الآن تسافر، وربما كانوا في بعض البلدان يأكلون من مطاعم الكفار،
فما الحكم عندئذٍ؟ هل نقول أنَّ الأكل من هذه الآنية مشروعٌ، أو ممنوعٌ؟
كلامنا طبعًا على أهل الكتاب، على مَن يجوز أو يحل أكلهم وطعامهم
كما قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5].
ما رأيكم في هذه المسألة بناءً على ما تقرر من ضوابط وقواعد؟
نحن ذكرنا قبل قليلٍ قاعدةً مهمةً، وقلنا سنستخدمها في أكثر من بابٍ،
وها نحن استخدمناها أكثر من مرةٍ في الآنية، فهي تذكرون هذه القاعدة؟
{الأصل الطهارة والإباحة}.
الأصل في الأشياء: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، لكم للامتنان،
ولو كان الأصل فيها النَّجاسة أو التحريم ما كانت مخلوقةً لكم، ممتنًّا بها عليكم،
ولذلك يُقال: الأصل في الأشياء الطهارة والإباحة.
فإذن ماذا يكون حكم آنية الكفار لو لم يكن عندنا أيُّ دليلٍ؟ ليس معنا أيُّ دليلٍ، لا مانع، ولا مُجيز.
{بناءً على هذه القاعدة فهي طاهرة}.
هناك استشكال يقول ما يلي: في حديث أبي ثعلبة الخُشَنِي: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-
سُئِل عن آنيةٍ بأرض قومٍ من أهل الكتاب: أفنأكل فيها؟ قال -عليه الصلاة والسلام:
«لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا»، والحديث متفق عليه.
كيف نقول الآن: إنَّ الأصل في الآنية هو الحل والطَّهارة، مع أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-
لما سُئِل عن هذه الآنية في أرض قومٍ من أهل الكتاب: أنأكل فيها؟ قال: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا»،
اضطررتم: «فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا».
ما الجواب؟
هذا الحديث يُفيد أنَّ المرء ينبغي ألا يأخذ دائمًا بظاهر حديثٍ واحدٍ دون أن
يجمعه إلى الأحاديث الأخرى، وأن يعرف طرقَه ورواياته؛ وهذا لأنَّ بعض الأحاديث أو الطرق
قد تُفَسِّر أحيانًا ما هو مجمل، وتشرح ما هو مختصر.
في الرواية الأخرى للحديث قال أبو ثعلبة الخُشَني: يا رسول الله، إنا بأرض قومٍ أهل كتاب،
فيُؤتَى بأوانيهم قد أكلوا فيها الخنزير، وشربوا فيها الخمر -يعني الأواني نفسها هذه التي يسأل
عنها أبو ثعلبة الخُشَني أُكِل فيها خنزير، وأواني الشراب شُرِب فيها الخمر-
أفنأكل في أوانيهم؟ قال: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا».
من المسائل المتصلة أيضًا بما نحن بصدده: مسألة جلود الميتة:
جلود الميتة يذكرها الفقهاء في باب الآنية؛ لأنَّ جلود الميتة قد تُتَّخذ أحيانًا أوانٍ،
وذكرت في بداية الأمر أنَّ الأواني تكون من جلودٍ ونحاسٍ وحديدٍ وخشبٍ،
ومن ذهبٍ وفضةٍ، فجلود الميتة هذه تُتَّخذ وتُستعمل.
وقد تقدَّم أيضًا قبل قليلٍ الكلام على معنى الاتِّخاذ ومعنى الاستعمال، فهل يجوز استعمال جلود الميتة أم لا؟
هذا فيه تفصيل على النحو التالي:
إن كانت الجلودُ جلودَ ميتة غير مأكولة اللَّحم -أي لا يُؤكَل لحمها، يعني مثل ماذا؟
مثل السباع: الذئب، النمر، الأسد، فهذه كلها مما لا يُؤكَل لحمها-
إن كانت غير مأكولة اللحم فهي غير طاهرةٍ اتِّفاقًا، أي لا تطهر بالدِّباغ،
وتبقى عندئذٍ نجسةً، وهذا عند عامة أهل العلم.
أمَّا إن كانت جلود مأكول اللحم، فقد اختلفوا فيها على قولين:
الجمهور ذهبوا إلى أنَّ الحيوان مأكول اللحم إذا دبغ جلده طهر، فيجوز عندئذٍ استعماله؛
وذلك لحديث: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ»، والحديث في صحيح مسلم،
وفي الحديث الآخر -حديث ميمونة- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما رأى شاةً ميتةً قال:
«هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا» يعني جلدها، قالوا: إنها ميتة، قال: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» يُطهِّرها الماء والملح.
فإذن يجوز استعمالها إذا دُبِغت وطُهِّرت، وهذا الحديث وإن كان عامًّا لكنَّه يُخصص فيما يُؤكَل لحمه،
ودليله أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «دِبَاغُهَا زَكَاتُهَا»، فهذا يُفهَم منه أنَّ ما يُزَكَّى هو
الذي يُطَهَّر جلده بالدِّباغ، ومن المعلوم أنَّ ما يُزَكَّى هو ما يُؤكَل لحمه،
إذ لا قيمةَ ولا فائدةَ من تزكية ما لا يُؤكَل لحمه.
وهذا القول جمع بين المنع مطلقًا والجواز مطلقًا، فما ذهب إليه الحنابلة من كون
الجلود لا يُنتفع بها ولا تطهر بالدِّباغ، سواء كانت مأكولة اللحم أو غير مأكولة اللحم،
لا يتأيَّد بالنصوص كما هو مذهب جمهور أهل العلم، بل نقول: إذا كانت مأكولة اللحم فإنَّها تطهر بالدِّباغ،
ويكون عندئذٍ استعمالها جائزًا لما تقدم من الأحاديث.
وهنا أشير إلى أنَّ لبس بعض الملابس التي تكون من جلود السباع، مثل لبس فراء نمر على سبيل المثال،
أو استخدام ما يُسمَّى بجلد تمساح، أو نحو ذلك من هذه الأشكال التي هي في حقيقة الأمر من السباع،
والسباع من المعلوم أنَّها مما لا يجوز أكلها، غير مأكولة اللحم،
وبناءً عليه هل يجوز عندئذٍ استعمال جلدها فيطهر أم لا؟
وقد ذكرنا أنَّ أكثر أهل العلم أو عامَّتهم على أنَّه لا يطهر جلدها ما دامت غير مأكولة اللحم،
ولو دُبِغَت، بل جاء ما يؤكد هذا، وهو نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن جلود السباع؛
لأنها من فعل المجوس، كما في حديث المقداد بن معدي كرب، وفي حديث معاوية بن أبي سفيان.
من المسائل المتصلة بهذا ما يمكن أن نختم به باب الآنية، وهو: استخدام ملاعق الفضة أو الذهب المطلية:
ما تقولون في حكمها؟
بناءً على ما تقدم فإنَّ استعمال ملاعق الفضة أو الذهب محرَّم، وهذا –للأسف-
موجودٌ في كثيرٍ من المطاعم التي يعدونها راقيةً، وليس الرُّقيُّ بمخالفة الشريعة،
بل هذا انحطاطٌ، ولذلك لا يجوز استخدام هذه الملاعق التي لا أتكلم عمَّا كان
لونه لون ذهبٍ أو فضةٍ، لكن نتكلم عمَّا كان مطليًّا بذهبٍ أو فضةٍ، طلاءً حقيقيًّا.
ولذلك يقال بعدم جواز ذلك، وننبه الإخوة والأخوات إلى أنَّه في مثل تلك الحالات
يجب عليهم أن يجتنبوا تلك الملاعق، وأن يطلبوا ملاعق من نحاسٍ أو حديدٍ أو بلاستيك،
ومثل ذلك ما رأيتُه في بعض البلدان، حيث يستخدمون الأباريق من فضةٍ، وهذا أيضًا
مُحرَّم ولا يجوز: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم.
ننتقل بعد ذلك إلى الباب التالي: وهو باب الاستنجاء وقضاء الحاجة:
يُراد بالاستنجاء تطهير محل النَّجاسة من السَّبيلين، هذا هو الاستنجاء،
وأمَّا الخلاء وهو المتصل بالاستنجاء، فيُراد به مكان قضاء الحاجة، والآن يُسمَّى بدورات المياه،
أو الحمامات، وإن كان مصطلح الحمامات يُطلَق عند الفقهاء المتقدمين على المُغْتَسَل،
انتقل هذا الاستعمال الآن إلى أن يشمل أيضًا قضاء الحاجة.
أمَّا الاستجمار فالمراد به تطهير محل النَّجاسة باستعمال الحجر، ويُسمونها جمرةً،
كما في رمي الجمار في الحج، وهي أحجار صغيرة.
إذن الاستنجاء يكون بالماء، والاستجمار يكون بالحجارة، وبكليهما تحصل التَّنقية الشَّرعية.
وهذا الباب يذكر فيه الفقهاءُ قضايا مهمةً، وهي تتعلق في الجملة بالأحكام الواجبة أو المندوبة في تطهير النَّجاسة،
سواء كانت بالماء، أو كانت بالأحجار، وهنا قواعد ينبغي أن نستصحبها، وسنأتي عليها،
: أنَّه عند الانتقال من الأدنى إلى الأعلى تُقدَّم اليمين، وعكسه كذلك، فمثلًا إذا أراد المرء
أن يستنجي فإنما يستنجي باليسار أو الشمال؛ لأنه أدنى.
أيضًا من القواعد ما يتعلق بقوله -صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ»،
وهذه سيأتي بيانها، ومثل الاستنجاء في طرق الناس: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»،
وذلك لما يحصل به من ضررٍ.
من القواعد أيضًا ما يتصل بصوارف الأمر عن الوجوب؛ وذلك لأننا سنتكلم عن الآداب في هذا الباب،
ومع ذلك سيمر بك أمرٌ فيكون للاستحباب، ويمر بك نهيٌ فيكون للكراهة، فما الذي صرف
كون ذلك من الآداب؟ وهذا عندهم يكون على سبيل الإرشاد، فيُصرف به الأمر عندئذٍ.
من الآداب المشروعة عند قضاء الحاجة: تقديم الرجل اليسرى عند الدخول:
وهذا كما أخذنا في القاعدة الأولى، أنَّه عند الانتقال من الأعلى إلى الأدنى نُقدم الرجل اليسرى،
وعند الانتقال من الأدنى إلى الأعلى نُقدم اليمنى
من الآداب هنا أيضًا ما يتصل بالتَّسمية عند قضاء الحاجة، وهنا أُشير إلى أنَّ التسمية
عند قضاء الحاجة جاءت في حديث ستر ما بين عورات أو أعين الجن وعورات بني آدم،
فإذا دخل أحدُهم الخلاء فعليه أن يقول: بسم الله، لكن الحديث -وهو عند الترمذي- لم يصح،
بل قال الترمذي عنه: غريب، وإسناده ليس بالقوي.
والصَّحيح ما جاء في الصَّحيحين، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»،
الخُبُث جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، وفيه استعاذة من ذكران الجن وإناثهم.
وهذا فيه إشارة إلى أن ينتبه المرءُ عند كشف عورته من أن يلفت نظر الجن، فيقع منه شرٌّ،
وهذا فيه تعلُّق بالله -جل وعلا- في كل الأحوال، لا سيَّما في مثل هذه
الحال التي يحتاج فيها المرءُ إلى أن يعتصم بالله -سبحانه وتعالى.
وإذا خرج من الخلاء يُقدِّم رِجْلَه اليمنى، ويقول: «غُفْرَانَكَ»؛ وذلك لحديث عائشة
-رضي الله تعالى عنها- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا خرج من الخلاء قال:
«غُفْرَانَكَ»، والحديث في السُّنن، وعليه العمل.
ما مناسبة هذا الحديث وهو دعاء بالمغفرة بعد قضاء الحاجة؟
من المناسبات التي يذكرها الفقهاء –وأنا لم أُتِح لكم فرصةً كافيةً للمشاركة لأنَّ الوقت ضيق الآن-
أنَّ الإنسان لما كان مُستَثْقَلًا بالأذى فتخفف عنه بقضاء حاجته، يتذكَّر ذنوبَه التي
هي في حقيقة الأمر من أشد الأذى المعنوي الذي يُلاحقه، فيسأل الله -جل وعلا-
أن يُخففها عنه بأن يغفرها له، وهذا -في حقيقة الأمر- مما يربط الإنسان دومًا بربه.
من المسائل التي يمكن أن نشير إليها هنا -بما أننا تكلمنا عن الآداب- الاستتار بالحائط ونحوه:
ويراد بهذا الاستتار عند دخول الإنسان الخلاء، بحيث أنَّه لو كان الإنسان
في مكانٍ خالٍ -كما لو كان في البر ونحوه- فإنَّه يُشرَع له أن يستتر بشيءٍ، وقد استتر النبيُّ
-صلى الله عليه وسلم- بهدفٍ، يعني بشيءٍ يحول دونه ودون الآخرين.
كما جاء أيضًا في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام- ما رواه أبو داود:
أنَّه كان إذا أتى الغائط -مكان قضاء الحاجة- استتر، بحيث تكون عورةُ الإنسان غيرَ مكشوفةٍ.
المحاضرة الثانية
الدكتور عبد الله الغفيلي
وذكرنا قاعدةً مهمةً بالأمس، وهي قاعدة الأصل في المياه، وقلنا أنَّ الأصل المياه الطهارة والإباحة،
وهذا دائمًا يدفع عن الناس كثيرًا من الإشكالات التي قد تقع عليهم،
وبين أيديهم، فلا يدري هل هذا الماء طاهر أو هو نجس؟
ونحن نقول أنَّ هذه المياه الأصل فيها الطهارة ما لم يدل دليلٌ على نجاستها،
ولذلك تلاحظون في الحديث المتقدم عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-
أنَّه قال: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، فإذاً هذا هو الأصل.
وهذه قاعدة تقطع دابر الوسواس عن المُوَسْوَسِين والمُوَسْوَسَات في الماء،
فلا يدرون مثلًا في الماء: هل هو نجس أم طاهر؟!
نقول: الأصل طهارته ما لم تكن فيه نجاسةٌ واضحةٌ ظاهرةٌ،
وهذه القاعدة تُفيدنا في أبوابٍ كثيرةٍ سيأتي تطبيقها أيضًا في باب الآنية.
وأول مسألةٍ أخذناها في الآنية أمس طبقنا عليها هذه القاعدة، ويراد بالآنية الأوعية،
وسبب ذكر هذا الباب بعد المياه أنها وعاء للماء يُتوضأ منها في العادة،
لا سيَّما فيما كان من ذي قبل، وإن كان الآن قد تمت الاستعاضة عنها في أحوالٍ كثيرةٍ بالصَّنابير التي يُسكَب منها الماء،
أو يُصبُّ منها الماء، ولكن هناك من الناس مَن لا يزال يتوضأ بالآنية، لا سيَّما إذا كان في سفرٍ أو في ارتحالٍ.
هذا هو سبب ذكر الفقهاء لباب الآنية بعد باب المياه.
الآنية هذه ذكرتُ بالأمس أنَّها يمكن أن تكون من تَوْرٍ، ما التَّوْر؟ أحدكم أمس كان يريد أن يسأل عن التَّوْر،
أو الصُّفْر، وهو النُّحاس، ويمكن أن تكون الآنية من حديدٍ، ويمكن أن تكون من البلاستيك،
ويمكن أن تكون من خشبٍ، ويمكن أن تكون من جلدٍ، فهذه كلها أوانٍ.
ويمكن أن تكون لشرابٍ، ويمكن أن تكون لطعامٍ.
فالآنية إذن مفهوم واسع يشمل تلك الأوعية ونحوها، ما حكمها؟
الحكم فيها من حيث الأصل هو الطهارة، وهنا يكون التركيز على الطَّهارة،
أو على حكم الآنية؛ لأجل أنها محل الماء الذي يُتوضأ به، فإن قلنا أنَّها طاهرة،
فإنَّ الماء الطاهر عندئذٍ لا يتأثر بها، ويجوز استعماله منها، وإن قلنا أنَّها نجسة، فإنَّه -
والحالة هذه- يكون الماء نجسًا، ويتغير بهذه الآنية إذا كان الماءُ في هذا الوعاء.
ولذلك من المهم أن نعرف حكمَ الآنية، وقد تقرر ما ذكرناه في هذه القاعدة: أنَّ الآنية كلها طاهرة،
ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة: 29]،
وأيضًا أنَّه -عليه الصلاة والسلام- توضأ من الآنية، وهكذا فعل أصحابه،
وقد جاء هذا في أحاديث كثيرةٍ ومتعددةٍ، فقد ورد وضوؤه -عليه الصلاة والسلام- من الآنية،
سواء كان وضوؤه من آنية الصُّفْر، أو كان وضوؤه من مُزَادَة امرأةٍ مشركةٍ.
فإذا كان قد توضأ من مُزَادَة امرأةٍ مشركةٍ، فهو يؤكد هذه القاعدة ويُثبِّتها على قواعدها،
وهي أنَّ الآنية الأصل فيها الطَّهارة، سواء كانت لمسلمٍ أو لكافرٍ، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانه وذكره.
يُستثنى من الآنية الطَّاهرة نوعٌ واحدٌ، لا يجوز الوضوء فيه، ولا يجوز استعماله،
ولا يجوز أيضًا اتِّخاذه، على خلافٍ في الاتِّخاذ، وسيأتي بيان ذلك.
ما هذا النوع؟
{الذهب والفضَّة}.
؛ وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ،
وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ».
إذاً كلُّ إناءٍ طاهرٌ ولو ثمينًا -كما قال المؤلف في متنه الفقهي المختصر عند الحنابلة- يُباح
اتِّخاذه واستعماله، إلا آنية ذهبٍ وفضَّةٍ.
فآنية الذهب والفضة مما يُستثنى من الآنية الطَّاهرة، فلا يجوز استعمالها عند جماهير أهل العلم،
سواء كان هذا الاستعمال في الأكل والشُّرب، كما هو نصُّ الحديث، أو كان هذا الاستعمال في باقي الأمور:
كما لو استعملها في وضوءٍ، أو استعملها في وضع شيءٍ فيها، ونحو ذلك؛ وذلك لأنَّ ذكر الأكل والشُّرب
جاء على مخرج الغالب، وتحديد ذلك ليس على سبيل الحصر والقصر والتَّخصيص، وإنما هو ذكرٌ لبعض الأفراد،
وذلك لكون الأكل في الآنية هو أكثر الاستعمالات وأهمها بالنسبة للناس.
إذاً قوله -عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» يُجَلِّي التعليل،
وهو أحد مسالك أو طرق إثبات العلة؛ لقوله: «فَإِنَّهَا لَكُمْ»، باستخدام: «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ».
ومن العلل أيضًا التي ذكرها الفقهاء -ويمكن أن نقول أنَّها حكمة؛ لأنَّه لا يمكن أن يُصار إلى الجزم بكونها علَّة-
ما ذكروا من أنَّ استخدامها فيه كسرٌ لقلوب الفقراء.
ولذلك قال الجمهور بالقياس، قياس ما عدا الأكل والشُّرب وسائر أشكال الاستعمال،
وهذا القياس استعمله الجمهورُ هنا بناءً على إثبات هذه العلة، وهي علة كسر قلوب الفقراء؛
لأنَّ كسر قلوب الفقراء يكون بالأكل والشُّرب، كما يكون أيضًا بغيرهما من أنواع الاستعمال،
فوجود الآنية المُذهبة أو التي هي من فضةٍ مستعملة لدى الغني، والفقير ربما لا يجد ما بداخلها،
فضلًا عن أن يجدها، فإنَّه عندئذٍ ينكسر قلبه، وربما وقع في نفسه من البغضاء
والحسد ونحو ذلك ما لا يتشَوَّف الشرعُ لمثله، بل يتشَوَّف الشرع لدفعه.
ومن رأى أنَّ العلة هي تعبدية، واكتفى بما جاء في النص: «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ»،
قال: إنَّ الاستعمال المحرم هو المنصوص عليه فقط، وهو ماذا؟ وهو الأكل والشرب؛
لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»،
فلم يأتِ من التحريم في استعمال الذهب والفضة إلا ما يتصل بالأكل دون ما سواه.
ولذلك ذهب بعضُ أهل العلم -وإن كان هذا المذهب هو أقرب ما يكون إلى مذهب الظَّاهرية،
واختاره الشَّوكاني وغيره، وهو أيضًا ما يميل إليه بعضُ أهل العلم المعاصرين،
كالشيخ ابن عثيمين رحم الله الجميع- إلى أنَّ الممنوعَ هو الأكل والشرب فقط، ويجوز ما عدا ذلك؛
لأنَّه لا علة تثبت من نحو كسر قلوب الفقراء ونحوهم تُجَوِّز إلحاق باقي الاستعمالات بالأكل والشُّرب،
أو تُمَكِّن من إجراء القياس، وبالتالي فيقتصر في النص على ما ورد به،
لا سيَّما أنَّ الأكل والشرب مما يحصل بهما كمال النعمة، ويكون بهما التَّرفه في أوجهٍ،
ولذلك كان تخصيصهما بالحكم له وجه مُعتبرٌ، لكن الأحوط ما ذهب إليه جماهير
أهل العلم من منع سائر الاستعمالات لأوعية الذهب والفضة.
ومما يتصل بهذه المسألة ما يُسمَّى بالاستخدام أيضًا، والفرق بين الاتِّخاذ والاستعمال:
نحن ذكرنا الاستعمال، وهناك ما يُسمَّى بالاتِّخاذ، وهي مسألة قرر فيها جمهورُ العلماء
منع اتِّخاذ الذهب والفضة بناءً على أنَّ ما حَرُم استعماله حَرُم اتِّخاذه، إذ لا فائدة من الاتِّخاذ في
مثل تلك الحال، وكأنَّهم جعلوا هذا لازمًا من اللوازم، فبما أنَّه حَرُم استعماله فيحرم اتِّخاذه.
وهذا اللازم وهذا الحكم في حقيقة الحال هو محل خلافٍ، إذ لم يتَّفق الجمهور -الأئمة الأربعة-
كما اتَّفقوا في الاستعمال، فالشَّافعية -على سبيل المثال- يُوسِّعون في الاتِّخاذ، فلم يتفق الجمهور
في الاتِّخاذ كما اتَّفقوا في الاستعمال، ولذلك وسَّع الظَّاهرية ذلك، لا سيَّما -كما ذكرنا-
وأنَّ العلة في الاتِّخاذ ليست ثابتةً بحيث يمكن القياس عليها، أو إلحاق الاتِّخاذ بالاستعمال.
فالفرق بين الاستعمال والاتِّخاذ ؟؟هو أنَّ الاتِّخاذ يكون للزينة أو للحاجة،
والاستعمال يكون للتلبس بالشيء والانتفاع به.
حالات استعمال الذهب والفضة يمكن أن نُقسمها الأقسام التالية:
أولًا: الحالة التي يجوز فيها الاستعمال للذكور والإناث،
وهي حالة ما يمكن أن يُسمَّى حالة الحرب، فهي حالة الحرب.
ثانيًا: الحالة التي يكون الاستعمال والاتِّخاذ فيها مُحرَّمًا على الذكور والإناث،
وهي حالة استعمالهما في الأواني ونحوها،
فحالة التحريم على الذكور والإناث هي حالة الاستعمال في الأواني ونحوها -كما أشرنا.
الحالة الثالثة: ما يكون مُحرَّمًا على الذكور، جائزًا للإناث، وهي حالة اللباس، هذه قسمة من الأقسام.
ومن الأقسام أيضًا ما ذكرناه هنا: حالات استعمال الذهب والفضة، الجواز للجنسين،
هذا كما ذكرنا في حالة الحرب، والتحريم للجنسين هذا كما تلاحظون إذا استعملها في الأواني ونحوها،
ويُستثنى من ذلك الضبة اليسيرة، والوصلة اليسيرة من الفضة لحاجةٍ،
إذا كان هناك كسرٌ في الإناء، فيحتاج إلى أن يُضَبَّب ليجمع ما بين طرفيه.
الحالة الثالثة: الجواز للمرأة دون الرجل، وذلك في اللباس، ويجوز عندئذٍ في هذه الحالة -التي هي اللباس-
استخدام الفضة للرجال، سواء كان ذلك بالخاتم أو بغير الخاتم، كما سأشير إليه -إن شاء الله تعالى- هنا.
فالأصل إذن في حالات الاستعمال هذه الأقسام، وهذا على سبيل الإجمال،
وقد بينا ما يتصل بتحريمها في الأواني، وجواز ذلك للمرأة دون الرجل،
وهذا هو الأصل: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: 18]، فالمرأة تُنشَّأ في الحلية،
ويجوز لها لبس الذهب والفضة بالإجماع، وإنما يحرم ذلك على الرجل، ويُستثنى للرجل ما يتعلق بالخاتم،
فيجوز استخدام الرجل لخاتم الفضة؛ وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- اتَّخذ خاتمًا من فضةٍ،
كما في الصَّحيحين من حديث ابن عمر.
والأصل في غير الخاتم التَّحريم، إلا إذا كان بحجمه، أي إذا كان وزنه وحجمه قريبًا من الخاتم،
يعني نقول: مئتين جرام تقريبًا، ويمكن أن تنقص قليلًا أو تزيد قليلًا، هذا إذا اتُّخذ،
مثل ما لو كان من الأَزِرَّة مثلًا فضة، فقد جوَّز شيخُ الإسلام -رحمه الله تعالى- هذا،
وهذا رأي لبعض الحنابلة والحنفية، فقالوا: إذا كان بحجم الخاتم يسيرًا، كما لو كان من الأزرة ونحوها،
فإنَّه عندئذٍ يكون جائزًا.
لكن لو أنَّ شخصًا سيلبس نظارةً -على سبيل المثال- ويجعلها من فضةٍ، فنقول: هذا لا يجوز؛
لأنه في حقيقة الأمر كثير وزاد على الحجم المُستثنى.
من المسائل المتصلة بهذا: آنية الكفار: آنية الكفار هي مسألة مهمَّة في حقيقة الأمر؛
لأنَّ الناس الآن تسافر، وربما كانوا في بعض البلدان يأكلون من مطاعم الكفار،
فما الحكم عندئذٍ؟ هل نقول أنَّ الأكل من هذه الآنية مشروعٌ، أو ممنوعٌ؟
كلامنا طبعًا على أهل الكتاب، على مَن يجوز أو يحل أكلهم وطعامهم
كما قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5].
ما رأيكم في هذه المسألة بناءً على ما تقرر من ضوابط وقواعد؟
نحن ذكرنا قبل قليلٍ قاعدةً مهمةً، وقلنا سنستخدمها في أكثر من بابٍ،
وها نحن استخدمناها أكثر من مرةٍ في الآنية، فهي تذكرون هذه القاعدة؟
{الأصل الطهارة والإباحة}.
الأصل في الأشياء: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، لكم للامتنان،
ولو كان الأصل فيها النَّجاسة أو التحريم ما كانت مخلوقةً لكم، ممتنًّا بها عليكم،
ولذلك يُقال: الأصل في الأشياء الطهارة والإباحة.
فإذن ماذا يكون حكم آنية الكفار لو لم يكن عندنا أيُّ دليلٍ؟ ليس معنا أيُّ دليلٍ، لا مانع، ولا مُجيز.
{بناءً على هذه القاعدة فهي طاهرة}.
هناك استشكال يقول ما يلي: في حديث أبي ثعلبة الخُشَنِي: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-
سُئِل عن آنيةٍ بأرض قومٍ من أهل الكتاب: أفنأكل فيها؟ قال -عليه الصلاة والسلام:
«لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا»، والحديث متفق عليه.
كيف نقول الآن: إنَّ الأصل في الآنية هو الحل والطَّهارة، مع أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-
لما سُئِل عن هذه الآنية في أرض قومٍ من أهل الكتاب: أنأكل فيها؟ قال: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا»،
اضطررتم: «فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا».
ما الجواب؟
هذا الحديث يُفيد أنَّ المرء ينبغي ألا يأخذ دائمًا بظاهر حديثٍ واحدٍ دون أن
يجمعه إلى الأحاديث الأخرى، وأن يعرف طرقَه ورواياته؛ وهذا لأنَّ بعض الأحاديث أو الطرق
قد تُفَسِّر أحيانًا ما هو مجمل، وتشرح ما هو مختصر.
في الرواية الأخرى للحديث قال أبو ثعلبة الخُشَني: يا رسول الله، إنا بأرض قومٍ أهل كتاب،
فيُؤتَى بأوانيهم قد أكلوا فيها الخنزير، وشربوا فيها الخمر -يعني الأواني نفسها هذه التي يسأل
عنها أبو ثعلبة الخُشَني أُكِل فيها خنزير، وأواني الشراب شُرِب فيها الخمر-
أفنأكل في أوانيهم؟ قال: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا».
من المسائل المتصلة أيضًا بما نحن بصدده: مسألة جلود الميتة:
جلود الميتة يذكرها الفقهاء في باب الآنية؛ لأنَّ جلود الميتة قد تُتَّخذ أحيانًا أوانٍ،
وذكرت في بداية الأمر أنَّ الأواني تكون من جلودٍ ونحاسٍ وحديدٍ وخشبٍ،
ومن ذهبٍ وفضةٍ، فجلود الميتة هذه تُتَّخذ وتُستعمل.
وقد تقدَّم أيضًا قبل قليلٍ الكلام على معنى الاتِّخاذ ومعنى الاستعمال، فهل يجوز استعمال جلود الميتة أم لا؟
هذا فيه تفصيل على النحو التالي:
إن كانت الجلودُ جلودَ ميتة غير مأكولة اللَّحم -أي لا يُؤكَل لحمها، يعني مثل ماذا؟
مثل السباع: الذئب، النمر، الأسد، فهذه كلها مما لا يُؤكَل لحمها-
إن كانت غير مأكولة اللحم فهي غير طاهرةٍ اتِّفاقًا، أي لا تطهر بالدِّباغ،
وتبقى عندئذٍ نجسةً، وهذا عند عامة أهل العلم.
أمَّا إن كانت جلود مأكول اللحم، فقد اختلفوا فيها على قولين:
الجمهور ذهبوا إلى أنَّ الحيوان مأكول اللحم إذا دبغ جلده طهر، فيجوز عندئذٍ استعماله؛
وذلك لحديث: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ»، والحديث في صحيح مسلم،
وفي الحديث الآخر -حديث ميمونة- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما رأى شاةً ميتةً قال:
«هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا» يعني جلدها، قالوا: إنها ميتة، قال: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» يُطهِّرها الماء والملح.
فإذن يجوز استعمالها إذا دُبِغت وطُهِّرت، وهذا الحديث وإن كان عامًّا لكنَّه يُخصص فيما يُؤكَل لحمه،
ودليله أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «دِبَاغُهَا زَكَاتُهَا»، فهذا يُفهَم منه أنَّ ما يُزَكَّى هو
الذي يُطَهَّر جلده بالدِّباغ، ومن المعلوم أنَّ ما يُزَكَّى هو ما يُؤكَل لحمه،
إذ لا قيمةَ ولا فائدةَ من تزكية ما لا يُؤكَل لحمه.
وهذا القول جمع بين المنع مطلقًا والجواز مطلقًا، فما ذهب إليه الحنابلة من كون
الجلود لا يُنتفع بها ولا تطهر بالدِّباغ، سواء كانت مأكولة اللحم أو غير مأكولة اللحم،
لا يتأيَّد بالنصوص كما هو مذهب جمهور أهل العلم، بل نقول: إذا كانت مأكولة اللحم فإنَّها تطهر بالدِّباغ،
ويكون عندئذٍ استعمالها جائزًا لما تقدم من الأحاديث.
وهنا أشير إلى أنَّ لبس بعض الملابس التي تكون من جلود السباع، مثل لبس فراء نمر على سبيل المثال،
أو استخدام ما يُسمَّى بجلد تمساح، أو نحو ذلك من هذه الأشكال التي هي في حقيقة الأمر من السباع،
والسباع من المعلوم أنَّها مما لا يجوز أكلها، غير مأكولة اللحم،
وبناءً عليه هل يجوز عندئذٍ استعمال جلدها فيطهر أم لا؟
وقد ذكرنا أنَّ أكثر أهل العلم أو عامَّتهم على أنَّه لا يطهر جلدها ما دامت غير مأكولة اللحم،
ولو دُبِغَت، بل جاء ما يؤكد هذا، وهو نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن جلود السباع؛
لأنها من فعل المجوس، كما في حديث المقداد بن معدي كرب، وفي حديث معاوية بن أبي سفيان.
من المسائل المتصلة بهذا ما يمكن أن نختم به باب الآنية، وهو: استخدام ملاعق الفضة أو الذهب المطلية:
ما تقولون في حكمها؟
بناءً على ما تقدم فإنَّ استعمال ملاعق الفضة أو الذهب محرَّم، وهذا –للأسف-
موجودٌ في كثيرٍ من المطاعم التي يعدونها راقيةً، وليس الرُّقيُّ بمخالفة الشريعة،
بل هذا انحطاطٌ، ولذلك لا يجوز استخدام هذه الملاعق التي لا أتكلم عمَّا كان
لونه لون ذهبٍ أو فضةٍ، لكن نتكلم عمَّا كان مطليًّا بذهبٍ أو فضةٍ، طلاءً حقيقيًّا.
ولذلك يقال بعدم جواز ذلك، وننبه الإخوة والأخوات إلى أنَّه في مثل تلك الحالات
يجب عليهم أن يجتنبوا تلك الملاعق، وأن يطلبوا ملاعق من نحاسٍ أو حديدٍ أو بلاستيك،
ومثل ذلك ما رأيتُه في بعض البلدان، حيث يستخدمون الأباريق من فضةٍ، وهذا أيضًا
مُحرَّم ولا يجوز: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم.
ننتقل بعد ذلك إلى الباب التالي: وهو باب الاستنجاء وقضاء الحاجة:
يُراد بالاستنجاء تطهير محل النَّجاسة من السَّبيلين، هذا هو الاستنجاء،
وأمَّا الخلاء وهو المتصل بالاستنجاء، فيُراد به مكان قضاء الحاجة، والآن يُسمَّى بدورات المياه،
أو الحمامات، وإن كان مصطلح الحمامات يُطلَق عند الفقهاء المتقدمين على المُغْتَسَل،
انتقل هذا الاستعمال الآن إلى أن يشمل أيضًا قضاء الحاجة.
أمَّا الاستجمار فالمراد به تطهير محل النَّجاسة باستعمال الحجر، ويُسمونها جمرةً،
كما في رمي الجمار في الحج، وهي أحجار صغيرة.
إذن الاستنجاء يكون بالماء، والاستجمار يكون بالحجارة، وبكليهما تحصل التَّنقية الشَّرعية.
وهذا الباب يذكر فيه الفقهاءُ قضايا مهمةً، وهي تتعلق في الجملة بالأحكام الواجبة أو المندوبة في تطهير النَّجاسة،
سواء كانت بالماء، أو كانت بالأحجار، وهنا قواعد ينبغي أن نستصحبها، وسنأتي عليها،
: أنَّه عند الانتقال من الأدنى إلى الأعلى تُقدَّم اليمين، وعكسه كذلك، فمثلًا إذا أراد المرء
أن يستنجي فإنما يستنجي باليسار أو الشمال؛ لأنه أدنى.
أيضًا من القواعد ما يتعلق بقوله -صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ»،
وهذه سيأتي بيانها، ومثل الاستنجاء في طرق الناس: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»،
وذلك لما يحصل به من ضررٍ.
من القواعد أيضًا ما يتصل بصوارف الأمر عن الوجوب؛ وذلك لأننا سنتكلم عن الآداب في هذا الباب،
ومع ذلك سيمر بك أمرٌ فيكون للاستحباب، ويمر بك نهيٌ فيكون للكراهة، فما الذي صرف
كون ذلك من الآداب؟ وهذا عندهم يكون على سبيل الإرشاد، فيُصرف به الأمر عندئذٍ.
من الآداب المشروعة عند قضاء الحاجة: تقديم الرجل اليسرى عند الدخول:
وهذا كما أخذنا في القاعدة الأولى، أنَّه عند الانتقال من الأعلى إلى الأدنى نُقدم الرجل اليسرى،
وعند الانتقال من الأدنى إلى الأعلى نُقدم اليمنى
من الآداب هنا أيضًا ما يتصل بالتَّسمية عند قضاء الحاجة، وهنا أُشير إلى أنَّ التسمية
عند قضاء الحاجة جاءت في حديث ستر ما بين عورات أو أعين الجن وعورات بني آدم،
فإذا دخل أحدُهم الخلاء فعليه أن يقول: بسم الله، لكن الحديث -وهو عند الترمذي- لم يصح،
بل قال الترمذي عنه: غريب، وإسناده ليس بالقوي.
والصَّحيح ما جاء في الصَّحيحين، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»،
الخُبُث جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، وفيه استعاذة من ذكران الجن وإناثهم.
وهذا فيه إشارة إلى أن ينتبه المرءُ عند كشف عورته من أن يلفت نظر الجن، فيقع منه شرٌّ،
وهذا فيه تعلُّق بالله -جل وعلا- في كل الأحوال، لا سيَّما في مثل هذه
الحال التي يحتاج فيها المرءُ إلى أن يعتصم بالله -سبحانه وتعالى.
وإذا خرج من الخلاء يُقدِّم رِجْلَه اليمنى، ويقول: «غُفْرَانَكَ»؛ وذلك لحديث عائشة
-رضي الله تعالى عنها- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا خرج من الخلاء قال:
«غُفْرَانَكَ»، والحديث في السُّنن، وعليه العمل.
ما مناسبة هذا الحديث وهو دعاء بالمغفرة بعد قضاء الحاجة؟
من المناسبات التي يذكرها الفقهاء –وأنا لم أُتِح لكم فرصةً كافيةً للمشاركة لأنَّ الوقت ضيق الآن-
أنَّ الإنسان لما كان مُستَثْقَلًا بالأذى فتخفف عنه بقضاء حاجته، يتذكَّر ذنوبَه التي
هي في حقيقة الأمر من أشد الأذى المعنوي الذي يُلاحقه، فيسأل الله -جل وعلا-
أن يُخففها عنه بأن يغفرها له، وهذا -في حقيقة الأمر- مما يربط الإنسان دومًا بربه.
من المسائل التي يمكن أن نشير إليها هنا -بما أننا تكلمنا عن الآداب- الاستتار بالحائط ونحوه:
ويراد بهذا الاستتار عند دخول الإنسان الخلاء، بحيث أنَّه لو كان الإنسان
في مكانٍ خالٍ -كما لو كان في البر ونحوه- فإنَّه يُشرَع له أن يستتر بشيءٍ، وقد استتر النبيُّ
-صلى الله عليه وسلم- بهدفٍ، يعني بشيءٍ يحول دونه ودون الآخرين.
كما جاء أيضًا في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام- ما رواه أبو داود:
أنَّه كان إذا أتى الغائط -مكان قضاء الحاجة- استتر، بحيث تكون عورةُ الإنسان غيرَ مكشوفةٍ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق