الخميس، 26 ديسمبر 2013

الفقه المحاضره الاولى ( كتاب الطهارة )

                                    الطهارة هي: رفع الحدث، وما في معناه، وزوال الخبث.
والحدث -في حقيقة الأمر- هو وصفٌ قائمٌ بالبدن، يمنع من الصلاة ونحوها،
 وهذا الوصف إنما يُرفَع بالطهارة الشَّرعية، وهي الوضوء وما كان في حكمه،
 وهو البدل منه، ويُراد به التيمم، فسواء كان الوضوء بالماء، أو كان التيمم بالتراب،
 فهذه ترفع الحدث وما في معناه، وتُزيل الخبث.

ويُراد بالخبث هنا النَّجاسة، وما كان من قبيل النَّجاسة فإنه يزول بالماء،
 ويزول بكلِّ ما أزاله، إلا أنَّه لا يكون التيمم مُزيلًا له، بمعنى أنَّه لا يكون الترابُ مُزيلًا للنجاسة،
 ولذلك لابُد من أن تزول النجاسةُ إمَّا بالماء، أو تزول بنفسها، بهواء أو دَلْكٍ، أو نحو ذلك،
 ثم إذا زالت النجاسة فيمكن عندئذٍ أن يُرفَع الحدثُ بالماء، أو بالتيمم بالتراب.

الحدث عند إطلاقه يُراد به: إمَّا الحدث الأصغر، أو الحدث الأكبر،
فأمَّا الحدث الأصغر فهو الوصف الذي يمنع من الصلاة ونحوها من جنس نواقض الوضوء،
كالخارج من السَّبيلين، وأكل لحم الجذور، والنوم الناقض، أمَّا الأكبر فيُراد به الجنابة والحيض والنفاس،
وهي لا ترتفع بالوضوء، وإنما ترتفع بالغسل.

أمَّا النَّجاسة فإنها شيءٌ مُستَقْذَرٌ يمنع الإنسانَ أو المسلمَ من الصلاة ونحوها مما يُشترط فيه إزالة النجاسة،
 ولذلك وجب على المسلم التَّطهر منها، ويكون التطهر من النَّجاسة بإزالة شيءٍ حسيٍّ، وهوالقذر ونحوها من النجاسه.
ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، أو حَتَّى يَتَطَهَّرَ».

والطَّهارة من هذا تتبين إذاً إننا ذكرنا أنواع الحدث، فأنواع الطهارة أيضًا نوعان:
النوع الأول: الطهارة بالماء.
النوع الثاني: الطهارة بالتراب.
والطهارة بالماء هي الأصل؛ وذلك لأنه هو الذي جاء به النص، ويتحقق به المقصود أبلغ تحققٍ.

والماء الذي تحصل به الطهارة هو: كلُّ ماءٍ نزل من السماء أو نبع من الأرض،
 فهو طاهرٌ مُطَهِّرٌ للأحداث والخبائث، وضابطه عند بعض الفقهاء: الباقي على خلقته،
 الذي لم يتغير بما يُزيل عنه أوصاف الطُّهورية، فيكون عندئذٍ طاهرًا، بل طهورًا.

وهنا إشارة إلى أنَّ الماء عند الإطلاق في كتاب الطهارة قد يُراد به الماء الطاهر، أو الطَّهور،
 أو النجس، فما الفرق بين هذه الأنواع الثلاثة؟

الفرق أو المراد بالماء الطهور: هو ما أشار إليه المؤلف من كونه ماءً باقيًا على خلقته لم يتغير.
ويُراد بالماء النجس الذي تغير بنجاسةٍ.
أمَّا الماء الطاهر فهو منزلة بين هذا وذاك، فهو ليس من الماء النَّجس،
 وليس كذلك من الماء الذي يُرفع به الحدث، فهو ليس طهورًا، ولا نجسًا.
وهذا -في حقيقة الأمر- يقودنا إلى مسألةٍ وهي: مسألة تقسيم الماء:
والراجح في هذه المسألة -لأنَّ الكلام عنها وعن تفصيلها يطول- ما اختاره شيخُ الإسلام،
وهو أنَّ الماء إنما ينقسم إلى قسمين: إمَّا طهور، فيرفع الحدثَ، ويُزيل النَّجس، أو نجسٌ، فلا يرفع حدثًا، ولا يزيل خبثًا.

وهذا التقسيم -في حقيقة الأمر- يمكن أن نقف عليه من النصوص الشرعية؛
وذلك لأنَّ الماء لم يوصف إلا بهذا أو ذاك، ففي الماء الذي يرفع الحدث ويُزيل الخبث
 يقول تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، فوصفه بأنَّه طهور، ولم يُوصَف بأنَّه طاهر،
ثم أيضًا ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»،
وهذا الحديث عند أهل السُّنن، وهو صحيحٌ، وهو أصلٌ في الباب،
وإشارة إلى أنَّ كلَّ ماءٍ هو طهور ما لم يتنجَّس فيتغير ريحُه، أو طعمُه، أو لونُه بنجاسةٍ تحدث فيه،
 وهذه الزيادة موجودة في هذا الحديث، وإن كانت ضعيفةً، إلا أنَّ الإجماع قد انعقد عليها،
وهو ما يُستقرأ من الشَّريعة بنصوصها، وقواعدها.
ولذلك نقول: إنَّ كلَّ ماءٍ فيه وصف الماء -فيه جوهر الماء- فهو إن لم يكن طهورًا كان نجسًا،
ولا حقيقة لقسمٍ ثالثٍ، وهو المسمى: الطَّاهر؛ وذلك لأنَّه -كما ذكرنا-
 إمَّا أن تُسلب من الماء صفات الطُّهورية فيكون نجسًا،
 وإمَّا أن تُسلب منه صفة الماء فلا يكون ماءً، فيكون مثلًا

عصيرًا، أو شايًا، أو نحو ذلك، ولا يُتصور قسم ثالث، وهو أن يكون باقيًا على خلقته ماء،
 ولا يكون طهورًا، ولا نجسًا؛ لأنَّه لا دليل على مثل هذا.

لكن لو غلب على الماء اللون الآخر بحيث انتقل من حقيقة أنَّه ماء إلى حقيقةٍ أخرى
 -كما ذكرنا- فإنَّه عندئذٍ لا يحصل التَّطهر به؛ لأنَّ الله يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾،
فهذا لا يصدق عليه أنَّه ماء.
أمَّا القسم الثالث وهو: الطَّاهر -كما ذكرنا- فإننا نقول: وإن كان قولًا لجمهور أهل العلم من الحنابلة والشَّافعية والحنفية،
 ومذهب مالك فيه قولان، إلا أنَّ المذهب عند المالكية هو في اختيار كون الماء قسمين لا ثلاثة أقسام،
 وهو ما ذهب إليه شيخُ الإسلام، وهو رواية في المذهب الحنبلي أيضًا.

يبقى من الأشياء التي يمكن أن يُشار إليها في تعريفنا هنا أننا قلنا: رفع الحدث وما في معناه،
 فم المراد برفع الحدث وما في معناه؟ ما هو الذي يكون في معنى رفع الحدث؟

مصطلح "الطَّهارة" مصطلح شرعي لا يختص بالوضوء والتيمم فقط، استمع معي إلى هذا الحديث:
 «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» متَّفقٌ عليه.
غسل اليد ثلاثًا الآن هل هو رفعٌ للحدث، أو ليس رفعًا للحدث لكنَّه في معناه؟
فهذا من الطَّهارة التي أراد الفقهاء أن تكون مشمولةً بالتعريف.
وهذا التعريف بالمناسبة هو من تعريفات الحنابلة، وسنختار أحيانًا تعريفًا للحنابلة، وأحيانًا للمالكية،
 وهكذا لباقي المذاهب الفقهيَّة.
من القواعد المهمة التي ينبغي أيضًا أن تستحضر هنا، والقواعد تهم طالب العلم وتُفيده كثيرًا في تناول المسائل الفقهية،
 وفي تصورها، وفي جمع أطرافها، ونظم مُتناثرها: أنَّ الأصل في الأشياء هو الطَّهارة والإباحة:
وهذه القاعدة حين نذكرها هنا نريد أيضًا أن تكون مُؤيدةً للتقسيم الذي ذكرناه؛
 لأن الأصل في الماء أن يكون طاهرًا، وإذا قلنا طاهر فهو الماء الذي يرفع الحدثَ ويُزيل الخبث،
 ولذلك قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
وبناءً عليه فإذا شك المسلم في كون هذا الماء طاهرًا، أو نجسًا،
فإنَّ الأصل في هذا الماء أن يكون طاهرًا ما لم يتغير بنجاسةٍ تظهر فيه من: طعمٍ، أو لونٍ، أو ريحٍ،
وإذا تردد هل هذه الأشياء طاهرة أو نجسة؟ فإنه لا يلتفت إلى مثل هذا كما ذكرنا، إلا إذا كان لديه دليلٌ حسيٌّ ينبني عليه.

وهذا الموضع من أسباب الوسواس عند كثيرٍ من المسلمين والمسلمات، فتجد أحدهم دائمًا

إذا وجد بقعةً يقول: هذه طاهرة أم نجسة؟ وإذا رأى ماءً يقول: هذا طاهر أم نجس؟
الأصل أنَّه طاهر، فالأصل أنَّ هذا اللباس طاهر، وأنَّ هذا الماء طاهر،
 وأنَّ هذه البقعة طاهرة، ما لم تكن هناك نجاسة واضحة فيها.
وهكذا أيضًا فيما يتصل بالحدث نفسه، فبعض الناس يُشكك في هذا،
 ما يدري هل هو طاهر أو محدث؟ فنقول: بحسبك حالك الأولى، إذا كان يذكر الطهارة ثم يشك فيما بعدها من حدثٍ،
 فإنه لا يلتفت إلى هذا الشَّك، إلا إذا كان عليه دليلٌ واضحٌ، ولذلك ذكر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-
 في حال الذي شعر وهو يُصلي كأنَّه قد خرج ريحٌ منه قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»؛
 لأنَّه باقٍ على الأصل، وهو كونه طاهرًا.
وهذه القاعدة مهمة جدًّا، وهي تماثل قاعدة: اليقين لا يزول بالشك،
 وهذا كما ذكرنا فيه إغلاقٌ لباب الوسواس الذي يلج -للأسف- منه الشيطان على كثيرٍ من المسلمين والمسلمات.
ومن المسائل التي يمكن أن يُشار إليها في مثل هذا الموضع: مسألة تتصل بمياه الصَّرف الصحي إذا نُقيت
 هل تكون طاهرةً أو نجسةً؟
هذه المسألة من المسائل المختلف فيها، وأنتم تعرفون أن الكثير من مياه الصرف الصحي الآن في كثيرٍ
 من البلدان يُعاد تكرارها وتنقيتها مرةً أخرى، ولربما كانت مما يتوضأ منه الناس أو يغتسلون،
 فهل وهي في أصلها نجسة يمكن أن يُتطهر ؟؟.                  
الماء النَّجس إذا تمت تنقيته ومعالجته كما هو موجود الآن في الوسائل الحديثة،
فصار هذا الماء له وصف الماء الطاهر، بمعنى أنَّه لم يبق للنجاسة فيه أثرٌ، لا من ريحٍ،
ولا طعمٍ، ولا لونٍ، فإننا عندئذٍ نقول: الأصل في الأشياء الطهارة، فبما أنَّ الماء كما قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم:
 «طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إِلَّا إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ»، فهذه كما ذكرنا زيادة وإن لم تصح إلا أنَّه مجمعٌ عليها:
 «أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ»، والماء هنا لم يتغير ريحُه، ولا طعمه، ولا لونه بعد معالجته،
فإنه يكون عندئذٍ طهورًا، والطاهر كما ذكرنا عندنا سيكون بمعنى الطهور، إ
ذ لا قسمة للماء إلا قسمين: طهور، ونجس.

وهذا الرأي هو رأي المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي،
 حيث أجازوا بعد مُداولة النظر التَّطهر بهذه المياه التي تمت معالجتها وتنقيتها بشرطٍ، ما هذا الشرط؟
{إذا لم يتغير اللون أو الريح أو مذاق الطعم}.
إذا لم يتغير لونه أو ريحه أو طعمه، وبمعنى أعم: إذا لم يبق للنَّجاسة فيه أثرٌ.

مسألة أخرى، وهي: لو تغير الماء أحيانًا بالصَّدى، أو بالمنظفات الموجودة الآن،
 سواء كان ديتولًا، أو كان صابونًا، أو كان غير ذلك من أنواع المنظفات، فما حكم التَّطهر به؟
ولو أردنا أن نُطبقه على كلام الفقهاء الذين جعلوا الماء ثلاثة أقسام -كالحنابلة والشَّافعية-
 فقالوا: طهور، وطاهر، ونجس، فسيكون الماء الذي تغير بمنظفٍ من أي هذه الأقسام؟
{يكون ماء طاهرًا}.
لكن بناءً على ما سبق أن قررناه بأنَّ الماء قسمان: طهور، ونجس، فما حكم التطهر بهذا الماء؟ وما ضابطه؟

لاحظوا أنَّه الآن لم يتغير بنجسٍ، إذن الضابط الأول أنَّه لا يتغير بنجسٍ،
 والضابط الثاني: أنَّه لو كان المنظف غالبًا فصار الماء عبارةً عن شامبو مثلًا،
أو صابون، فالماء تحول إلى صابونٍ، أو صار هذا الماء ديتولًا من المنظفات؛
 فإنَّه عندئذٍ يخرج عن كونه ماءً، فلا يجوز التطهر به.
إذن القيدان اللذان عندنا هما: أنه يجوز التطهر بالماء المتغير بالمنظفات بشرط:
أن لا يكون قد تغير بنجسٍ، لو افترضنا أنَّ بعض المنظفات هذه فيها مواد نجسة،
 والثاني: أن لا يسلب منه الماء فيحوله إلى غير الماء،
 فيكون عندئذٍ طاهرًا مُطَهِّرًا ما دام لم يتغير بنجسٍ، ولم يُسلب اسم الماء.

الباب الثاني ( الانيه)

والآنية هي وعاء الماء، ومسائل الآنية كثيرة، وأهم مسألةٍ فيها هي ما قرره المؤلفُ
 من قاعدةٍ عظيمةٍ، وهذه القاعدة أنا أريدكم أن تستحضرونها دائمًا،
 وهي أنَّ: الأصل في الأشياء الطهارة والإباحة.
إذن الأواني سيكون حكمها عندئذٍ أنَّها مباحة طاهرة، وأنَّ الماء الذي يكون فيها لا يتأثر بملامسته لها،
 ولا تُغيره فيكون عندئذٍ نجسًا، أو حتى يكون طاهرًا بناءً على تقسيمنا قبل قليلٍ.
ويُراد طبعًا بالآنية ما كان من حديدٍ، أو نحاسٍ، أو حجارةٍ، أو خشبٍ،
 أو حتى بلاستيكات كما هو منتشر الآن، فأنتم تلاحظون أكوابًا وصحونًا وملاعِقَ ونحو ذلك،
فالأكواب والصُّحون هذه من الأواني، والأصل جواز استعمالها في التَّطهير ونحوه،
 وقد جاء أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ بإناءٍ من صُفْرٍ، والصُّفْر يراد به النُّحاس،
وأيضًا توضأ بإناءٍ من نُحاسٍ، وفي حديث عبد الله بن زيد -رضي الله تعالى عنه- أنَّه -
صلى الله عليه وسلم- توضأ في تَوْرٍ من صُفْرٍ.
وأيضًا جاء أنَّه -عليه الصلاة والسلام- أُتي بإناءٍ من حجارةٍ فتوضأ فيه، والحديث في البخاري،
 وكلا الحديثين في الصَّحيح، وهذا مثالٌ يبين أنَّ جميع أنواع الآنية مباحة.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق