الخميس، 26 ديسمبر 2013

فقه ( المحاضرة الخامسه )


كنا قد شرعنا في كتاب الطَّهارة، وشرحنا جملةً من الأبواب،
ونقف اليوم على ما يتصل بالمسح على الخُفَّين:
وهذا الباب -باب المسح على الخُفَّين- جاء بعد الحديث عن صفة الوضوء،
 وذلك لتعلُّقه بأحد أعضاء الوضوء، وهي الرِّجْلان، وإحدى حالات الطَّهارة للرِّجْلَين المسح،
 ولذلك جاء في آية الوضوء
: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُواوُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6]،
وهذه هي فروض الوضوء الأربعة مع الترتيب والمُوالاة، وهي ستة.
ثم قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ في قراءة سبعيَّة، فيكون عندئذٍ مسح الرِّجْل معطوفًا على مسح الرأس،
وهذا من أدلة إثبات المسح على الخُفَّين.
فأمَّا في قراءة حفصٍ عن عاصم فهي: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُم﴾ بالنَّصب،
فتكون الأرجلُ عندئذٍ معطوفةً على المغسولات المنصوبة؛ لأنها منصوبة،
وهذا يعني أنَّ فرضَها هو الغسل.
فانظر كيف كان في القرآن دليلٌ على الغسل والمسح في آيةٍ واحدةٍ باختلاف القراءة من النصب إلى الجرِّ،
وهذا يُشير إلى سعة كتاب الله -سبحانه وتعالى- وبركته، ولذلك وصفه الله -جل وعلا-
بالبركة فقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92]، والبركة هي الخير الكثير المُستقر.
شروط المسح على الخُفَّين:
وهي مسألة مهمة، وهذه الشُّروط يمكن أن نُجملها فيما يلي:
الشرط الأول: أن يكون الممسوحُ عليه مما يصدق عليه أنَّه خُفٌّ:
ويُراد بالخُفِّ ما كان مصنوعًا من الجلد ونحوه، مُغطِّيًا لظهر القدم إلى بداية السَّاق،
 يعني إلى فوق الكعبين، فيكون عندئذٍ خُفًّا.
ويلحق بما كان من الجلد ما كان في حكمه، كما هو حال ما نلبسه الآن مما يُسمَّى بالجوارب،
 أو الشُّراب، فهذه ليست من جلدٍ لكنَّها في حكم الجلد، من القطن والكتان ونحو ذلك،
 فالحكم فيها واحد، سواء كان صفيقًا ناعمًا أو لم يكن، وسواء كان مُخَرَّقًا أو كان غير مُخَرَّقٍ.
بمعنى أنَّ كلَّ قاعدةٍ فيما يُمسح عليه ضابطه: أن يصدق عليه أنَّه خُفٌّ أو ما في معناه؛
وذلك لأنَّ النص إنما جاء لإثبات الحكم فيما يُسمَّى خُفًّا، فأي قيودٍ تُضيف إلى
ذلك شرطًا لم يأتِ النص به فإنَّ الأصل عدمها، وإنما يُكتفى بما جاء به النص؛
 لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما مسح وشرع المسح لم يُقيِّد بهذه القيود، بأن يكون مثلًا:
 غير مُخَرَّقٍ، وبأن يكون صفيقًا، وبأن يكون مما يثبت بنفسه، ونحو ذلك.
الشرط الثاني: أن يكون المسحُ في المدة المشروعة:
ومدد المسح يمكن أن أُجملها في ثلاث مُددٍ:
المدة الأولى: هي ما يكون من مسح المُقيم:
ونريد بالمُقيم: الشَّخص المسافر، مثل حال أهل الرياض الذين يُقيمون في الرِّياض،
فإن أراد أحدُهم أن يمسح على خُفَّيه، فله عندئذٍ أن يمسح يومًا وليلةً.
والأصل فيه ما جاء في مسلمٍ من حديث عليٍّ: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل للمُقيم -
في المسح على الخُفَّين- يومًا وليلةً، وجعل للمُسافر ثلاثة أيامٍ بلياليهنَّ.
وهذا الحديث -حديث عليٍّ- يُفيدنا فائدتين:
الأولى: أنَّ مدة المقيم هي يومٌ وليلةٌ، ومدة المسح للمسافر هي ثلاثة أيامٍ بلياليهنَّ.
الآن استفدنا اختلاف مدة المقيم عن مدة المسافر.
أمَّا الفائدة الثانية: فهي أنَّ المدة إنما تُقدر بالزمن، لا بالصلوات، كما يفهم البعضُ أو يظن.
إذن المقيم يمسح يومًا وليلةً، والمسافر يمسح ثلاثة أيامٍ بلياليهنَّ؛ لأنَّ حاله تقتضي التَّوسعة والتَّرخيص،
 وقد شرع له أن يجمع، وأن يقصُر، وأن يُفطِر، فمن باب أولى أن يشرع له أن يتوسَّع في المسح،
 ولذلك كانت مدتُه ثلاثة أيامٍ بلياليهنَّ.
ولو مسح وهو مقيمٌ، ثم سافر، فإنَّ الحكم له يكون حكم السفر، وهكذا لو كان مسافراً ثم أقام،
 فإنَّ الحكم عنده عندئذٍ ينقلب إلى حكم المقيم.
وهذه قاعدة، سواء كانت في المسح، أو في الجمع والقصر، فمَن أدركته الرُّخصةُ
عند انتقاله من حالٍ إلى حالٍ، فالعبرة بالمآل.
ولذلك فلو أنَّ الشخص أدركته الصلاةُ وهو مسافرٌ، ولكنَّه وصل إلى بلده الذي يُقيم فيه، فإنَّه لا يقصرها،
وإنما يُصليها تامَّةً؛ لأنَّ المآل هنا قضى على الرُّخصة، وهذا تنبغي مُراعاته وفهمه.
إذن ذكرنا حالة المقيم، ثم حالة المسافر، وعندنا حالة ثالثة: بلا تأقيتٍ:
والمراد بحالة عدم التَّأقيت هنا لا أن يكون المسحُ بلا وقتٍ مطلقًا كما هو مذهب بعض الفقهاء:
كالمالكيَّة، وإنما الراجح أنَّ المراد في بعض النصوص التي جعلت من مدة المسح أزيد من اليوم والليلة،
 والثلاثة أيام بلياليهنَّ، أنَّ المراد بهذا حالة الضَّرورة، كما جاء في حديث عقبة بن عامر
 لما جاء من الشام إلى المدينة، فسأله عمرُ -رضي الله تعالى عنه- عن لبسه للخُفِّ،
فقال: "من جُمعته"، وقد كان أيضًا في يوم جمعة، مما يعني أنَّه قد مضى أسبوع كامل،
 والأسبوع أكثر من المدد
الواردة: اليوم والليلة، والثلاثة أيام بلياليهنَّ، فلو كان مسافرًا لاكتفى بالثلاثة، لكنَّه زاد إلى أن بلغ أسبوعًا.
فقال عمر -رضي الله تعالى عنه وهذا هو الشَّاهد: "أصبتَ السنة"، وهذا له حكم الرفع،
 فلو كان من عمر أُخِذ به -رضي الله تعالى عنه- إذ لم يُخالَف، فكيف وقد أثبت له حكم السُّنة؟!
 وهذا في مصطلح الحديث مما يثبت له حكم الرفع.
هذا -والله أعلم- حمله مَن ذهب إلى الجمع بين الأدلة -كشيخ الإسلام- وهو منهجٌ معروفٌ عنده،
 وقد ذكرنا لهذا أمثلةً، فذهب إلى أن يكون مختصًّا بحال الضَّرورة والحاجة التي تُسوِّغ ذلك.
عندنا مسألة في التَّأقيت، وهي مسألة: ابتداء مدة المسح:
متى تبدأ مدة المسح؟ هل تبدأ المدة من الحدث؟ أو تبدأ من اللبس؟ أو تبدأ من المسح؟
الظاهر -والله أعلم- أنَّ المدة تبدأ من حين المسح؛ لأنَّها هي الرُّخصة، فيُعلَّق ابتداء الحكم بها،
وهذا كما ذكرناه هو ظاهر النصوص، فالنصوص إنما جاءت بلفظ المسح، فيُقيَّد الحكم به.
ولذلك يقال بأنَّ الراجح كون الحكم مُعلَّق بالمسح، فتبدأ المدة من حين المسح؛ لنحسب عندئذٍ يومًا وليلةً،
 أربعٍ وعشرين ساعةً.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى.
وقد جاء عن عمر: "يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته".
وهذا يُفيدنا أنَّ الحكم يتعلَّق بالمسح، وأيضًا يُفيدنا أنَّ الحكم يتعلَّق بالمدة الزمنية؛ لأنَّه قال:
"إلى مثل ساعته"، يعني من الغد في مثل اللَّحظة الزمنية نفسها.
الشرط الثالث: أن يكون الماسحُ على الخُفِّ قد أدخل قدميه فيه وهو مُتطهِّرٌ:
وهذا الشَّرط يُراد به أن يكون مُتطهِّرًا من الحدث الأصغر والأكبر، وقد جاء في حديث المغيرة:
كنتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفرٍ، فأهويتُ لأنزعَ خُفَّيه فقال:
«دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، والمراد هنا بقوله: «أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»
ليس الخُفَّين، فليس المراد الخُفَّين، فالخُفَّان خبر ليس منصوب، وإنما المراد القَدَمَان،
 دعهما فإني أدخلت القَدَمَين في الخُفَّين وهما طاهرتان.
وهذا يشير إلى اشتراط أن يكون الإنسانُ متطهِّرًا الطهارة الكبرى والصُّغرى.
الشرط الرابع: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر:
يعني أن يكون المسحُ في الحدث الأصغر، وهذا مُستفادٌ من الشَّرط الذي قبله،
 ويمكن دمجه فيه، بمعنى أنَّه إذا كان عليه حدثٌ أكبر من جنابةٍ ونحوها، فإنَّه يلزمه حينئذٍ أن يغتسل،
 ولا يجوز له أن يمسح، والنَّاسي ربما ظنَّ أنه يُجزئه أن يغتسل ويمسح على خُفَّيه،
وهذا غير متصورٍ؛ لأنَّ الغسل تعميمٌ للجسد، ومعنى هذا أن يجري الماءُ حتى على قدميه،
ولذلك جاء في حديث أنسٍ مرفوعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم:
«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، وَلَبَسَ خُفَّيْهِ، فَلَا يَخْلَعْهُمَا إِنْ شَاءَ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ».
وهذا يقودنا إلى مُبطلات المسح على الخُفَّين:
مبطلات المسح على الخُفَّين هي نواقض الوضوء، ونواقض الوضوء هي:
1- الخارج من السَّبيلين.
2- النوم المستغرق: إذا كان مما ينتقض معه الوضوء  فإنَّه عندئذٍ يُبطل المسح على الخُفَّين،
 والمراد به النوم المُستغرق، الذي لا يُدرك الإنسانُ معه ما يُحيط به، أو يصدر منه،
 فإنَّه في تلك الحالة يكون قد انتقض وضوؤه ويلزمه معه أن يمسح إن كان في مدة المسح المشروعة،
 أمَّا إذا انتهت مدة المسح وقد انتقض وضوؤه، فإنَّه يجب عليه أن يخلع الخُفَّين.
ولذلك جاء في حديث صفوان بن عَسَّال: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-
يأمرنا إذا كنا سَفْرًا ألا ننزع خِفَافَنا ثلاثة أيامٍ ولياليهنَّ، إلا من جنابةٍ، ولكن من غائطٍ وبولٍ ونومٍ.
وهذا هو الشاهد: "ولكن من غائطٍ وبولٍ ونومٍ" فإنَّ تلك تنقض المسحَ،
ولكنَّها لا تُوجِب النزعَ، كما هو الحال في الجنابة.
هنا مسألة: حكم المسح:
لنفترض أنَّ رفيع الدين مسح على خُفَّيه اليوم عصرًا، وتحديدًا الساعة الرابعة عصرًا،
أو لنقل أنَّه مسح الساعة الثالثة ظهرًا، فمن الغد كان رفيع الدين قد مسح للظُّهر؛
 لأنَّ الظهر داخلٌ في وقت المسح، ثم جاء وقتُ العصر وأنت على طهارتك،
مع أنَّ الساعة الثالثة تُقارب أذان العصر عندنا، وينتهي وقت المسح،
فهل يجوز له أن يُصلي العصر؟ لأنَّ صلاة العصر ستكون بعد الثالثة؛ لأنَّ الأذان قبلها،
 والصلاة بعدها، فهل يجوز له أن يُصلي العصر بخُفَّيه اللَّذين مسح عليهما قبل انتهاء الوقت
ثم انتهى الوقتُ قبل أن يُصلي فيهما أم لا؟
هذه المسألة من المسائل الخلافية الكبرى، فجمهور أهل العلم على أنَّه لا يُشرَع للمرء أن يُصلي
بخُفَّين قد مسح عليهما إذا انتهت المدة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل للمُقيم يومًا وليلةً،
وللمسافر ثلاثة أيامٍ بلياليهنَّ، فإذا انتهت هذه المدة انتقض الحكمُ -حكم الطهارة- الذي ثبت له أثناءها.
وهذا القول قويٌّ، وذهب إليه -كما ذكرنا- جمهورُ أهل العلم من المذاهب الأربعة.
والقول الثاني في هذا رواية فقهيَّة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وممن أفتى به في هذه البلاد
 المباركة الشيخُ ابن عُثيمين -رحمه الله تعالى- وهو اختيار الشيخ ابن سعدي، وهو: أنَّ المسح لا
ينتقض بانتهاء المدة الزمنية المشروعة، وإنما يُقصَد من المدة المحددة شرعًا مدة إيقاع المسح،
 لا مدة الطهارة المُترتبة عليه.
بمعنى: أنَّه لا يُشرَع لرفيع الدين -جعلك الله اسمًا على مُسمًّى- أن يمسح بعد الساعة الثالثة،
 فإذا جاءت الساعة الثالثة فلا مسح، فإن كان على طهارةٍ سابقةٍ فتبقى، وإن لم يكن فإنَّه
والحالة هذه لا يُشرَع له أن يمسح، ويجب عليه أن يخلع خُفَّيه ويتوضأ للصلاة؛
 لأنَّ المدة الزمنية قد انتهت.
إذن هذا هو المقصود من المدة الزمنية للمسح، وليس المقصود منها -كما يشير شيخ الإسلام-
أن ننقض الطهارة، لماذا؟
شيخ الإسلام ينطلق في هذا من قاعدةٍ عظيمةٍ، وهي: أنَّ الطهارة ثبتت بدليلٍ،
وهو دليل المسح، دليل مشروعية المسح، فإذا ثبتت الطهارةُ بدليلٍ فإنَّها لا تنتقض إلا بدليلٍ،
ولا دليلَ، وهذا التَّقييد من المعلوم والظَّاهر والمتَّفق عليه أنَّ المقصود به هو مدة إيقاع المسح،
أمَّا كونه شرطًا لبقاء الطهارة فهو مختلفٌ فيه،
فإذا اختلفنا فلننظر الدليل، فنجد أنَّ الأصل -وهو بقاء الطهارة واستصحابها-
 أقوى، لماذا؟ لأنَّه يقينٌ، واليقين لا يزول بالشك؛ ولأنَّها طهارةٌ شرعيةٌ، فيكون حكمُها حكم الوضوء،
 والأصل في الوضوء أن يبقى، ولا ينتقض بالزمن، وألا ينتقض بأحد النَّواقض،
 وهذا هو حال المسح، فيُنتقض بأحد النَّواقض، كما لو نقض طهارتَه ببولٍ، أو غائطٍ، أو نومٍ، أو نحو ذلك.
ما حكم خلع الخف؟ هل خلع الخُفِّ ينتقض معه الوضوء أو لا؟
يعني مرةً أخرى: رفيع الدين جاء ليصلي الضحى يومًا، فتوضأ -ومعلومٌ أنَّ سنة الضُّحى
من السنن المتأكدة- فلمَّا فرغ منها كانت الساعة الحادية عشر تقريبًا، فبقي على طهارته،
إلا أنَّه قبل صلاة الظهر -والظهر داخلٌ في المدة الآن، وليس لنا علاقة بمسألة المدة-
خلع خُفَّيه لأيِّ سببٍ كان، فهل يجوز له أن يُصلي الظهر؟
لاحظوا! لم تنتقض طهارته، ولم تنتهِ المدة، ولم يقع أيُّ شيءٍ، إلا أنَّه خلع خُفَّيه،
فهل تنتقض الطهارةُ لمجرد الخلع أم لا؟
هذه المسألة أيضًا من المسائل الخلافية، والجمهور يرون أنَّ خلع الخُفِّ ناقضٌ للطهارة؛
 لأنَّ الطهارة إنما ثبتت على الخُفِّ، فهو قيدٌ وشرطٌ لبقائها، فإذا زال الشرطُ يزول المشروط.
وذهب شيخُ الإسلام -رحمه الله تعالى- وتبعه أيضًا على هذا الشيخ عبد الرحمن السعدي،
 وتلميذه ابنُ عثيمين، وهي رواية فقهيَّة أيضًا، وقولٌ لبعض الفقهاء المتقدِّمين والمُعاصرين
–ذهبوا إلى أنَّ المسح لا ينتقض، لماذا؟
قالوا: المسح لا ينتقض لأنَّ طهارته -كما تقدم- ثبتت بدليلٍ، فلا تنتقض هذه الطهارة إلا بدليلٍ،
 ولا دليلَ على النقض، ائتونا بدليلٍ على أنَّ الخلع يكون من ورائه نقضٌ للطهارة.
ثم إنَّ بقاء الطهارة يقينٌ، واليقين لا يزول بالشَّك.
ثم يمكن أن يُضاف إلى هذا ما قال الشيخ السعدي في مختاراته، حيث قال: "وهذا مثله
مثل مَن مسح على رأسه ثم حلقه"، فلو أنَّ شخصًا مسح على رأسه، ثم حلقه قبل الصلاة،
 فلا يُقال له: انتقضت طهارتك! فهذا مثله، فهو خلع الشعر تقريبًا، وهذا خلع الخُفَّ،
 فما دامت الطهارةُ قد ثبتت فإنَّها لا تنتقض بمثل هذا.
الجبيرة:
الجبيرة لها صلةٌ بالمسح من حيث كونها يُمسَح عليها، وإلا فالفروق بينها وبين الخُفِّ كثيرة،
ويُراد بالجبيرة: ما يُوضَع على الكسر ليلتئم، ويُسمَّى الآن بالجبيرة، وأحيانًا يُسمَّى لفائف،
أو نحو ذلك، فهذه ما حكمها؟
حكمها أنَّها طهارةٌ ضروريةٌ، ولذلك فإنَّه يُمسَح عليها، مثل مَن وضع جبيرةً على يده،
 وشرطها ألا تجاوز مقدار الحاجة، فلو كان الكسرُ في جزءٍ من اليد كالكفِّ مثلًا،
 فإنَّه لا يجوز له -إذا لم تكن ثم حاجة- أن يُجبِر كلَّ يده، فيُذهِب ما حقه الغسل بتغطية هذه الجبيرة.
إذن نحن نقول: إنَّ الجُرح ونحوه إن كان مكشوفًا فيجب غسله ما لم يتضرر،
وإن كان مستورًا فإنَّه عندئذٍ يُمسَح، وإن كان المسحُ يُلحِق به ضررًا فإنَّه عندئذٍ يلجأ إلى التيمم
–كما سيأتي- فهناك بعض الجروح التي ربما يُلحَق بها ضررٌ بالمسح.
الفرق بين الجبيرة والخفِّ:
1- الجبيرة مسحها عزيمةٌ، بخلاف الخُفِّ، فهو رُخصةٌ.
2- والجبيرة أيضًا تُمسَح كلها، بخلاف الخُفِّ، فإنما يُمسَح ظاهره.
وهذه صفةُ المسح على الخُفِّ:
أن يكون من ظاهر القدم، ولا يلزم التَّعميم فيه بجميع أجزائه، كما هو الحال في مسح الرأس،
وإنما يُعمم أكثر الظَّاهر، ولا يمسح الباطن، إذ لو كان الدينُ بالرأي لكان مسح أسفل الخُفِّ
أولى بالمسح من أعلاه؛ لمُلاقاة ذلك للأذى والقذر.
3- والجبيرة يجوز المسح عليها في الحدث الأكبر والأصغر، بخلاف الخُفِّ -كما تقدم.
4- وأيضًا لا يُشترط في المسح على الجبيرة أن تكون على طهارةٍ، فيمكن للمرء أن يتجبر
 -يعني تُوضَع الجبيرةُ عليه- وقد انتقضت طهارته؛ لأنَّها ضرورة، بخلاف الخُفِّ.
5- ولا يمكن للمرء أن يختار التَّوقيت المناسب للجبيرة، بخلاف الخُفِّ.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق