الصلاة بِمَ تُدرك؟
إذا كان الوقتُ هو كما بيَّنا فبِمَ يُدرَك هذا الوقت؟
والإدراك إذا أُطلق فيُراد به ثلاثة أنواع: إدراك الوقت، وإدراك الجماعة، وإدراك الجمعة.
وكلامنا هنا في مثل هذا الموضع في شرط الوقت يتركز على إدراك الوقت، لكن كلامهم عن إدراك الوقت والجماعة متقارب، فجمهور أهل العلم من الحنفية والشَّافعية والحنابلة أيضًا على أنَّ الصلاة تُدرَك بتكبيرةٍ، أنَّ الصلاة يُدرَك وقتُها بتكبيرةٍ، يعني مَن كبَّر العصر قبل أن تغرب الشمسُ ولو بدقيقةٍ فإنَّه يكون عندئذٍ قد أدرك العصر، ويكون فعله لهذه الصلاة أداءً لا قضاءً.وهذا الذي ذهب إليه الجمهور
أمَّا القول الثاني فهو مذهب المالكية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي رواية عند الحنابلة أيضًا، وهو أنَّ الإدراك للوقت إنما يكون بإدراك ركعةٍ، وليس مجرد تكبيرة.
فإنه عندئذٍ يكون قد أدرك الصلاة، وأدرك وقت الصلاة.
ومثل هذا -طبعًا كما ذكرنا- الكلام في الإدراك -إدراك الوقت- ينسحب على إدراك الجماعة، والأصل فيهما حديثٌ ظاهرٌ، فقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، فعلَّق الإدراك هنا بالركعة، لا بالتكبير.
أمَّا الجمعة: فإنَّ الأمر فيها أيضًا أوضح من إدراك الجماعة؛ لأنَّ الجمعة قد جاء فيها النص كما في الصَّحيح: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ»، فهي تُدرَك بإدراك ركعةٍ منها.
فمَن دخل مع الإمام وأدرك ركعةً من صلاة الجمعة فإنَّه عندئذٍ يأتي بركعةٍ؛ لأنَّ صلاة الجمعة عبارة عن ركعتين،
لكن لو فاتته الرَّكعتان فإنه عندئذٍ يصلي ظهرًا؛ لأنه لم يُدرك الجمعة.
،،،،تأخير الصلاة عن وقتها من كبائر الذنوب
المشروع للمرء أن يأتي بالصلاة في أول وقتها، إلا ما ورد فيه تفضيل تأخير الصلاة، كالظهر والعشاء، وهذا مشروعٌ، لاسيَّما مع وجود مظنته في الظهر، فيكون الإِبْرَاد في شدة الحر لا في الشتاء، أمَّا العشاء فإنها على الإطلاق يُسنُّ تأخيرها
مسألة: قضاء الفوائت
الظاهر أنه يقضي هذه الفوائت إذا كانت مجموعةً بحسب الترتيب، فلو فاته يومٌ كاملٌ فإنه يبدأ بصلاة الفجر أولًا، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ولا يُقدم صلاةً على أخرى؛ لأنَّ القضاء يحكي الأداء، أي أنَّ القضاء يُشبه الأداء، وهي تُؤدَّى مرتبةً، فيجب أن تُقضَى كذلك مُرتبةً.
والملاحظ أنَّ بعض الناس يقوم ربما مثلًا بعد طلوع الشمس، ثم يقول: فاتتني الصلاة، خرج الوقت، لا عجلةَ، وربما أتم نومَه ثم قام إذا اشتدَّ الحرُّ ورمضت الفصال الساعة العاشرة، ثم يُصلي، أو التاسعة، ثم يصلي، يعني على راحته، ويقول: الوقت واسع؛ لأنَّ وقت الفجر قد ذهب.
وهذا خطأ؛ لأنَّ الوقت بالنسبة للنائم من حين استيقاظه، وعليه أن يُبادر بأداء تلك الصلاة، فكلَّما تأخَّر من غير عذرٍ كان يُخشَى عليه المأثم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، وهذا الأمر للوجوب، ويقتضي الفورية،
الترتيب هو الأصل كما ذكرنا، لكن هناك حالات يسقط فيها الترتيبُ، من هذه الحالات: النسيان:
فقد ينسى المرءُ الصلاة، فينسى قضاء الصلاة المتقدمة، ويقضي الصلاة التي تليها، مثلًا فاتته صلوات: الظهر والعصر والمغرب، فصلى العصر والمغرب، ثم ذكر أنَّه لم يصل الظهر، فعندئذٍ يصلي الظهر؛ لعموم الحديث: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
ومثله لو كان كذلك جاهلًا لا يدري: أيُّ صلاةٍ يُقدِّم؟ هل الظهر أو العصر؟ وهذا يكون مع جهلٍ شديدٍ، والجاهل في هذا يُعدُّ مُفرطًا، فيجب عليه أن يتعلم، فليس كلُّ جهلٍ يُعذر به المرءُ.
والدليل العام الذي يشمل النسيان والجهل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، فالخطأ يشمل الجهل وما كان في حكمه.
ومن الحالات أيضًا التي يُعذَر فيها أو يسقط فيها الترتيب:
خشية فوت الحاضرة:
فلو أنَّ شخصًا مثلًا فاتته صلاة الظهر، ثم جاء إلى صلاة العصر ولم يبقَ من وقتها إلا مقدار ما يؤدي به صلاة العصر، فلا نقول: صلِّ الظهر، ثم صلِّ العصر، فيكون قد فاته فرضان أوقعهما خارج الوقت، لا، نقول: صلِّ العصر؛ لأنَّ العصر فرضها يفوت، ثم بعد ذلك صلِّ صلاة الظهر.
إذن إذا خشي فوت الحاضرة فإنَّه يُقدِّمها على الصلاة المقضيَّة.
شرط ستر العورة:
هذا أحد شروط الصلاة، شرط الصلاة الأول ما هو؟ الطهارة، هذا شرط الصلاة الأول، وشرط الصلاة الثاني ما هو؟ الوقت، والشرط الثالث الذي بين أيدينا هو ماذا؟ ستر العورة.
هذا الشَّرط من الشروط المجمع عليها، كما هو الحال في شرط الطهارة، وشرط الوقت، فشرط ستر العورة مما حُكي الإجماع عليه،
إنَّ الأولى أن يُعبَّر عن شرط ستر العورة بشرط أخذ الزينة، لماذا؟
أولًا: لأنَّه لفظ القرآن: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، وأخذ الزينة أعم من ستر العورة، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فيجب ستر العاتق في الصلاة، مع كونهم قد اتفقوا على أنَّ العاتق بالنسبة للرجل ليس من العورة، والمرأة كذلك يجب عليها أن تستر رأسَها، مع أنَّهم أيضًا اتَّفقوا على وجوب ستر المرأة لرأسها مع كون الرأس ليس من العورة بالنسبة للمرأة
إذن الكلام هنا -في حقيقة الأمر- هو فيما أعم من العورة، وبعض الفقهاء قال: إنَّ المقصود بالعورة هنا عورة الصلاة؛ لأنَّ عورة الصلاة تختلف عن عورة النظر، فعورة الصلاة أخص، وهذا تدلُّ عليه أدلةٌ، منها مثلًا الأمر بالحجاب بالنسبة للمرأة، كما قال تعالى: ﴿إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53]، ومن المعلوم أنَّ المرأة لا تُغطي وجهَها في الصلاة، بل لا يجب على الراجح أيضًا تغطية قدمَيها، بينما يجب عليها أن تُغطي وجهها على الراجح أيضًا في غير الصلاة؛ لهذه الآية، وغيرها من الآيات، ولحديث ابن مسعودٍ أيضًا، والحديث عند الترمذي، وإسناده صحيحٌ: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ»، وهو دالٌّ على وجوب تغطيتها لما لا يجب في الصلاة، وهو كما ذكرنا الوجه.
والمراد بستر العورة في هذا الموضع ما تنطبق عليه الضَّوابط التالية، أو ما يمكن أن نُعنون له بـ:شروط اللباس في الصلاة؛ لأنَّ اللباس هو الذي يحصل به ستر العورة الواجب سترها في الصلاة:
أولًا: قلنا أن يكون الملبوس ثوبًا: المراد بالثوب ما يستر البدن سواء كان هذا الثوب إزارًا، أو رداءً، أو قميصًا، أو غير ذلك
ثانيًا -أن يكون مباحًا: فلا يجوز الاستتار بما هو محرَّمٌ، كثوبٍ مسروقٍ، أو مغصوبٍ، أو ثوبٍ من حريرٍ،
ثالثًا-أن يكون طاهرًا لأنَّ مَن صلى بغير طاهرٍ فإنَّ صلاته لا تصح
رابعًا-ألا يصف البشرة: فإن كان يصف البشرة بحيث يُرَى ما تحته، أو يُبين ما وراءه؛ فإنه عندئذٍ لا يصدق عليه تحقق السَّتر، ويكون عندئذٍ مما لا يتق معه شرط ستر العورة، فلا تصح الصلاة في مثل تلك الحال،
أنواع العورة في الصلاة
القسم الأول: ما يكون من العورة المُغَلَّظة: ونقصد المُغلَّظة في الصلاة، وليس المُغلظة في النظر، وهما السَّوءتان، وإنما المراد بالمُغلظة في الصلاة ما يجب معه ستر أكبر جزءٍ من البدن، وهذا يكون في عورة الحرَّة البالغة، فجميع بدنها عورة في الصلاة إلا وجهها، وأجاز بعضُهم كشف قدمها أيضًا
وهذا النوع جاءت النصوصُ بالدلالة عليه، كما في حديث عائشة المتقدم: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ»، والمراد بالحائض هنا المرأة البالغة،
فيُستثنى الوجه؛ لأنه ليس بعورةٍ، وذلك قائمٌ على الإجماع
ذهب شيخُ الإسلام -رحمه الله تعالى- إلى عدم وجوب ستر القدمين في الصلاة، وعلل ذلك بأنَّ النساء في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كن في البيوت يلبسن القُمُصَ، وليس لكل امرأةٍ ثوبان حتى يمكن معهما أن تستر قدميها؛ لأنه من المعلوم أنَّ المرأة إذا كان عليها قميصٌ ثم ركعت أو سجدت انكشفت أقدامُها، فلا يكفي مع ذلك عندئذٍ لبس القميص.
وسُميت هذه العورة مُغلظةً لأنها -كما تلاحظون- تجب على سائر الجسد، وهي تكون في المرأة البالغة.
ما ذهب إليه شيخُ الإسلام فيه قوة، لاسيَّما وأنَّه لم يُصحح ما يدل على ستر القدمين، فإذا لم يكن ثَمَّ دليلٌ عليه فإنَّ الأصل عدم اشتراطه؛ لأنَّ اشتراطه يُفضي إلى إبطال الصلاة في حالة انكشاف القدمين، وهذا قد يتأكَّد مع المشقة التي ربما تترتب على مثل ذلك
القسم الثاني: وهو العورة المُخفَّفة: وهي عورة ابن سبع سنين إلى عشر، وهذه العورة هي الفَرْجان فقط، وعُدت مخففةً لجواز كشف ما عداهم.
القسم الثالث: العورة المتوسطة: وهي عورة مَن عداهم، وتكون من السُّرة إلى الرُّكبة، يعني مَن عدا الحرَّة البالغة، ومَن عدا ابن سبع سنين، وهذا يصدق على الرجل البالغ، فالرَّجل البالغ عورته من السُّرة إلى الرُّكبة، ويصدق أيضًا على الأَمَة البالغة
أنواع العورة في الصلاة
القسم الأول: ما يكون من العورة المُغَلَّظة: ونقصد المُغلَّظة في الصلاة، وليس المُغلظة في النظر، وهما السَّوءتان، وإنما المراد بالمُغلظة في الصلاة ما يجب معه ستر أكبر جزءٍ من البدن، وهذا يكون في عورة الحرَّة البالغة، فجميع بدنها عورة في الصلاة إلا وجهها، وأجاز بعضُهم كشف قدمها أيضًا
وهذا النوع جاءت النصوصُ بالدلالة عليه، كما في حديث عائشة المتقدم: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ»، والمراد بالحائض هنا المرأة البالغة،
فيُستثنى الوجه؛ لأنه ليس بعورةٍ، وذلك قائمٌ على الإجماع
ذهب شيخُ الإسلام -رحمه الله تعالى- إلى عدم وجوب ستر القدمين في الصلاة، وعلل ذلك بأنَّ النساء في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كن في البيوت يلبسن القُمُصَ، وليس لكل امرأةٍ ثوبان حتى يمكن معهما أن تستر قدميها؛ لأنه من المعلوم أنَّ المرأة إذا كان عليها قميصٌ ثم ركعت أو سجدت انكشفت أقدامُها، فلا يكفي مع ذلك عندئذٍ لبس القميص.
وسُميت هذه العورة مُغلظةً لأنها -كما تلاحظون- تجب على سائر الجسد، وهي تكون في المرأة البالغة.
ما ذهب إليه شيخُ الإسلام فيه قوة، لاسيَّما وأنَّه لم يُصحح ما يدل على ستر القدمين، فإذا لم يكن ثَمَّ دليلٌ عليه فإنَّ الأصل عدم اشتراطه؛ لأنَّ اشتراطه يُفضي إلى إبطال الصلاة في حالة انكشاف القدمين، وهذا قد يتأكَّد مع المشقة التي ربما تترتب على مثل ذلك
القسم الثاني: وهو العورة المُخفَّفة: وهي عورة ابن سبع سنين إلى عشر، وهذه العورة هي الفَرْجان فقط، وعُدت مخففةً لجواز كشف ما عداهم.
القسم الثالث: العورة المتوسطة: وهي عورة مَن عداهم، وتكون من السُّرة إلى الرُّكبة، يعني مَن عدا الحرَّة البالغة، ومَن عدا ابن سبع سنين، وهذا يصدق على الرجل البالغ، فالرَّجل البالغ عورته من السُّرة إلى الرُّكبة، ويصدق أيضًا على الأَمَة البالغة
يُستدلَّ لهذا بحديث عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده، أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ -عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ- فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ»، والحديث عند أبي داود.
وفي الصَّحيح -وهو أصح ما جاء في الباب- حديث أبي الدَّرداء، قال: "أقبل أبو بكر -رضي الله عنه- آخذًا بطرف ثوبه، حتى أدى عن ركبته"، كشف عن ركبتيه، "فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ»"، وأخذ من هذا جواز كشف الرُّكبة، وأنَّ الركبة والسُّرة ليستا من العورة، وإنما العورة هي ما دون السُّرة، وما فوق الركبة، وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
شرط استقبال القبلة:
هذا من الشروط أيضًا المجمع عليها، والتي دلَّت عليها أدلةٌ كثيرةٌ، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150].
وأيضًا من الأدلة قوله -صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ».
متى يسقط استقبال القبلة؟
يسقط استقبال القبلة عند العجز عن ذلك، سواء كان ذلك لمرضٍ، أو لغيره،
وهناك مسألةٌ ربما تُشكل في الصلاة إلى القبلة بالنسبة للصحيح، وقد عدَّها بعضُهم عذرًا مُسقطًا، وهي ليست كذلك، وهي ما يكون من حالة صلاة الناس في الطَّائرة، والأصل في صلاة الطائرة أمور:
الأول: النَّافلة: يجوز أن يُصليها المرءُ، سواء كان في طائرةٍ، أو سيارةٍ إلى غير القبلة، أو على راحلته، كما جاء في حديث ابن عمر: «حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ»، فكان -عليه الصلاة والسلام- يُصلي كذلك.
وبالتالي لا تجب بالإجماع الصلاة إلى القبلة إذا كان المرءُ على سفرٍ، وهو على دابته، بل يُصلي حيث كان وجه رِكابه، لكن إذا كانت فريضةٌ فيجب عليه أن يقف ويُصلي، إذا لم يستطع إصابة القبلة والقيام بشروط الصلاة وهو على الدَّابة، فإن كان لا يستطيع الوقوف -كما هو الحال في السفينة أو الطائرة- فإنه يجتهد أن يأتي بالشُّروط كلها، فإن أتى بها -يعني بالشروط كلها- فلا حرج.
فإن اختلَّ أحد تلك الشروط -كشرط استقبال القبلة أو الأركان كالقيام ونحو ذلك- فإنَّه لا يخلو من أمورٍ: فإن كان يستطيع أداء الصلاة إذا وصل ولا يخرج وقتُها، يعني مثلًا سفره الساعة العاشرة صباحًا، وسيصل الساعة الرابعة، والمغرب الساعة السادسة، فإنه ينتظر حتى يصل فيُصلي الظهر والعصر جمعًا؛ لأنه مسافر، فوقتهما وقت واحد، لكن لو كان سفره الساعة العاشرة، ووصوله الساعة السابعة مساءً، فسيذهب عليه الظهر والعصر ووقتهما المجموع، فعندئذٍ يجب عليه في هذه الحالة أن يُصلي في الطائرة.
ونقول: في الطائرة يجب أن يُصلي إلى القبلة، فإن كانت الطائرةُ تذهب بعكس القبلة فإنه يتجه إلى القبلة، ويُعاكس اتجاه الطائرة.
ويجب عليه أيضًا أن يُصلي واقفًا، فيأتي بالقيام والركوع والسجود.
طيب، إذا ما استطاع؟ يعني لم يستطع أن يصلي، فليس هناك مكان، ففي بعض الطائرات يضعون مكانًا، وفي كثيرٍ من الطائرات –للأسف- لا مكان للصلاة، وإذا أردت أن تُصلي بالممر ربما زجروك ومنعوك، فماذا يفعل؟
إن وجد مكانًا آخر للصلاة، ولو كان محدودًا، فإنه يجتهد في أن يُصلي فيه، فإن لم يجد فإنه يتجه ولو كان على كرسيه إلى القبلة، وهذا لا يتعذَّر، فبعض الناس يجد أنَّه من العيب أن يُصلي واقفًا وينظر إلى الناس، وما في ذلك؟ هذا ركنٌ من أركان الصلاة، وليتعلم الناس ذلك، وليقوموا مثلك إذا كانوا ممن تجب عليهم الصلاة، فيفعلوا ذلك، حتى تضج الطائرةُ بالصلاة والتكبير.
أمَّا القيام فإنه يُصلي قائمًا، فإذا جاء الركوع أو السُّجود يُومِئ بقدر ما يستطيع، والقصد أنَّ المشقة تجلب التيسير، فلو تعذَّر هذا لسببٍ أو لآخر فإنه يُصلي على حاله التي يستطيع عليها.
بعد ذلك ننتقل إلى شرط: اجتناب النجاسة:
والدليل على هذا الشرط
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 5]، وأيضًا ما جاء في حديث أسماء في دم الحيض، قالت: جاءت امرأةٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، فكيف تصنع؟ قال: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ»، وهذا دالٌّ على وجوب التطهر من النجاسة
إن هذا الشَّرط يقتضي المنع من الصلاة في المواطن النَّجسة بكل عاملٍ، ومن تلك المواطن: الحمام من المواطن التي جاء النَّهي عن الصَّلاة فيها؛ وذلك لما يكون فيه من نجاسةٍ، وهو مظنةٌ لذلك، وهو مأوى للشياطين.
المراد بالحمامات هنا ما كان من الحُشُوش والكُنُف، أمَّا محل الاغتسال إذا لم تكن ثَمَّ نجاسة فيه، فإنَّه عندئذٍ قد يُقال بجواز الصلاة فيه، لكنَّهم يُطلقون الحمام ويُريدون به مكان المُغْتَسل، ويمنعون من الصلاة فيه؛ لأجل ما يكون فيه غالبًا من نجاسةٍ لا يخلو منها مثل هذا الموضع، أمَّا ما كان من الحُشُوش والكُنُف فالنَّجاسة فيها واضحة.
من الأدلة على هذا حديث: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ»، فهذا الحديث دلَّ على تحريم الصلاة في المقبرة
ومن ذلك: أعطان الإبل: والأعطان جمع عطن، ويُراد بها مناخ الإبل ومَبْرَكها،
والحنابلة يُضيفون إلى هذه المواطن: المجزرة، والمزبلة، خلافًا لجمهور أهل العلم،
نختم بشرط النية:
وهذا الشرط هو الشرط الأخير من الشروط المتعلقة بالصلاة، ودليله الحديث الشَّهير: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
وحقيقة النية العزم، وفائدتها في شرط الصلاة أن نُميز بين العبادة والعادة؛
وأيضًا تُميز بين العبادة والعبادة، بين صلاة الظهر وغيرها، وأيضًا تُخلِص لربك فيها.
انتهى.
وفي الصَّحيح -وهو أصح ما جاء في الباب- حديث أبي الدَّرداء، قال: "أقبل أبو بكر -رضي الله عنه- آخذًا بطرف ثوبه، حتى أدى عن ركبته"، كشف عن ركبتيه، "فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ»"، وأخذ من هذا جواز كشف الرُّكبة، وأنَّ الركبة والسُّرة ليستا من العورة، وإنما العورة هي ما دون السُّرة، وما فوق الركبة، وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
شرط استقبال القبلة:
هذا من الشروط أيضًا المجمع عليها، والتي دلَّت عليها أدلةٌ كثيرةٌ، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150].
وأيضًا من الأدلة قوله -صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ».
متى يسقط استقبال القبلة؟
يسقط استقبال القبلة عند العجز عن ذلك، سواء كان ذلك لمرضٍ، أو لغيره،
وهناك مسألةٌ ربما تُشكل في الصلاة إلى القبلة بالنسبة للصحيح، وقد عدَّها بعضُهم عذرًا مُسقطًا، وهي ليست كذلك، وهي ما يكون من حالة صلاة الناس في الطَّائرة، والأصل في صلاة الطائرة أمور:
الأول: النَّافلة: يجوز أن يُصليها المرءُ، سواء كان في طائرةٍ، أو سيارةٍ إلى غير القبلة، أو على راحلته، كما جاء في حديث ابن عمر: «حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ»، فكان -عليه الصلاة والسلام- يُصلي كذلك.
وبالتالي لا تجب بالإجماع الصلاة إلى القبلة إذا كان المرءُ على سفرٍ، وهو على دابته، بل يُصلي حيث كان وجه رِكابه، لكن إذا كانت فريضةٌ فيجب عليه أن يقف ويُصلي، إذا لم يستطع إصابة القبلة والقيام بشروط الصلاة وهو على الدَّابة، فإن كان لا يستطيع الوقوف -كما هو الحال في السفينة أو الطائرة- فإنه يجتهد أن يأتي بالشُّروط كلها، فإن أتى بها -يعني بالشروط كلها- فلا حرج.
فإن اختلَّ أحد تلك الشروط -كشرط استقبال القبلة أو الأركان كالقيام ونحو ذلك- فإنَّه لا يخلو من أمورٍ: فإن كان يستطيع أداء الصلاة إذا وصل ولا يخرج وقتُها، يعني مثلًا سفره الساعة العاشرة صباحًا، وسيصل الساعة الرابعة، والمغرب الساعة السادسة، فإنه ينتظر حتى يصل فيُصلي الظهر والعصر جمعًا؛ لأنه مسافر، فوقتهما وقت واحد، لكن لو كان سفره الساعة العاشرة، ووصوله الساعة السابعة مساءً، فسيذهب عليه الظهر والعصر ووقتهما المجموع، فعندئذٍ يجب عليه في هذه الحالة أن يُصلي في الطائرة.
ونقول: في الطائرة يجب أن يُصلي إلى القبلة، فإن كانت الطائرةُ تذهب بعكس القبلة فإنه يتجه إلى القبلة، ويُعاكس اتجاه الطائرة.
ويجب عليه أيضًا أن يُصلي واقفًا، فيأتي بالقيام والركوع والسجود.
طيب، إذا ما استطاع؟ يعني لم يستطع أن يصلي، فليس هناك مكان، ففي بعض الطائرات يضعون مكانًا، وفي كثيرٍ من الطائرات –للأسف- لا مكان للصلاة، وإذا أردت أن تُصلي بالممر ربما زجروك ومنعوك، فماذا يفعل؟
إن وجد مكانًا آخر للصلاة، ولو كان محدودًا، فإنه يجتهد في أن يُصلي فيه، فإن لم يجد فإنه يتجه ولو كان على كرسيه إلى القبلة، وهذا لا يتعذَّر، فبعض الناس يجد أنَّه من العيب أن يُصلي واقفًا وينظر إلى الناس، وما في ذلك؟ هذا ركنٌ من أركان الصلاة، وليتعلم الناس ذلك، وليقوموا مثلك إذا كانوا ممن تجب عليهم الصلاة، فيفعلوا ذلك، حتى تضج الطائرةُ بالصلاة والتكبير.
أمَّا القيام فإنه يُصلي قائمًا، فإذا جاء الركوع أو السُّجود يُومِئ بقدر ما يستطيع، والقصد أنَّ المشقة تجلب التيسير، فلو تعذَّر هذا لسببٍ أو لآخر فإنه يُصلي على حاله التي يستطيع عليها.
بعد ذلك ننتقل إلى شرط: اجتناب النجاسة:
والدليل على هذا الشرط
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 5]، وأيضًا ما جاء في حديث أسماء في دم الحيض، قالت: جاءت امرأةٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، فكيف تصنع؟ قال: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ»، وهذا دالٌّ على وجوب التطهر من النجاسة
إن هذا الشَّرط يقتضي المنع من الصلاة في المواطن النَّجسة بكل عاملٍ، ومن تلك المواطن: الحمام من المواطن التي جاء النَّهي عن الصَّلاة فيها؛ وذلك لما يكون فيه من نجاسةٍ، وهو مظنةٌ لذلك، وهو مأوى للشياطين.
المراد بالحمامات هنا ما كان من الحُشُوش والكُنُف، أمَّا محل الاغتسال إذا لم تكن ثَمَّ نجاسة فيه، فإنَّه عندئذٍ قد يُقال بجواز الصلاة فيه، لكنَّهم يُطلقون الحمام ويُريدون به مكان المُغْتَسل، ويمنعون من الصلاة فيه؛ لأجل ما يكون فيه غالبًا من نجاسةٍ لا يخلو منها مثل هذا الموضع، أمَّا ما كان من الحُشُوش والكُنُف فالنَّجاسة فيها واضحة.
من الأدلة على هذا حديث: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ»، فهذا الحديث دلَّ على تحريم الصلاة في المقبرة
ومن ذلك: أعطان الإبل: والأعطان جمع عطن، ويُراد بها مناخ الإبل ومَبْرَكها،
والحنابلة يُضيفون إلى هذه المواطن: المجزرة، والمزبلة، خلافًا لجمهور أهل العلم،
نختم بشرط النية:
وهذا الشرط هو الشرط الأخير من الشروط المتعلقة بالصلاة، ودليله الحديث الشَّهير: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
وحقيقة النية العزم، وفائدتها في شرط الصلاة أن نُميز بين العبادة والعادة؛
وأيضًا تُميز بين العبادة والعبادة، بين صلاة الظهر وغيرها، وأيضًا تُخلِص لربك فيها.
انتهى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق